logo

3- الإيمان بالأنبياء.

3- الإيمان بالأنبياء

    الأنبياء هم الذين ينقل الله بواسطتهم نور الهداية إلى البشرية، وهم من البشر الذين اختارهم الله لهذا الغرض على قاعدة علمه الكليّ وحكمته المطلقة. وتأسيساً على ذلك فالنبوة هبة إلهية، لا يمكن اكتسابها بالتدريب والجهد الذاتي، بل تُمنَح لمن صان نفسه من إغواء الشيطان ووسوسته، ونأى بنفسه عن الذّنوب، وسار في قومه سيرة الصلاح والتقوى.

    أرسل الله لكلّ قوم نبيّاً، وقد ابتدأت سلسلة النبوة بآدم الذي وعده الله بهداية نسله عن طريق الوحي الذي أنزله على هؤلاء الأنبياء الذين كانوا يرشدون الناس إلى الحقّ والهدى، ويحملون البشرى بالجنة لِمَن آمَن بالحقّ، ويُحَذّرون أولئك الذين لا يؤمنون به من مصير مروّع.

لم يكن الناس في الأزمنة السحيقة في حاجة إلى الأنبياء ليعرفوا الله، ويميزوا بين الخير والشرّ، لأنّ تلك الحقائق متأصلة في الطبيعة البشرية وقد فُطِرت عليها، وهكذا لم تنشأ الحاجة إلى الأنبياء لإبلاغ الناس بتلك الحقائق، بل نشأت لسببين آخرين هما:

أولاً: بعث الله الأنبياء لإتمام هداية الناس وتذكيرهم بما هو متأصِّل في طبيعتهم إجماليا ، وبما كانوا قد عرفوه أصلاً في أعماقهم، ولتذكيرهم أيضاً بالتفاصيل اللازمة لذلك الهدف.

ثانياً: بعثَهم الله لإتمام الحجة، وإيقاظ الناس من سبات الجهل. فبعد تقديم الحُجّة المستمَدَّة من العقل والعلم، يقدم الله عبر رسله حُجّة أخرى حتى لا يترك عذراً لأحد يبرِّرُ به إنكار الحقّ.

    لقد تحقق هذان الهدفان على المستوى الكوني، وبلغا أعلى درجات الإنجاز من خلال نبوة مُحَمَّد (ص) الذي انتهت به سلسلة النبوة حين صرّح القرآن أن مُحَمَّداً هو خاتم الأنبياء، وأنّ لا نبيّ بعده.

    ليس هناك من عاقل يجد صعوبة في تعرّف الأنبياء. فإذا ما كان الإنسان يمتلك تفكيراً سليماً، وتزوّد بعقل بصير وقلب متيقظ، فإنه يدرك أنّ النبيّ بحدّ ذاته هو معجزة، والله، بالإضافة إلى ما سلف، يبارك أنبياءه بآيات وبيّنات مقنعة، هي من الكفاية بحيث إذا لم تستطعْ دفع المكابرين إلى الاعتراف بهم صراحة، فهي لا تدعُ لأحدٍ عذراً لإنكار صدقهم. ويتضح من القرآن أنّ هذه الآيات متنوعة، وتختلف باختلاف الأزمنة والظروف، وسنذكر بعضها فيما يلي:

  1.  يبُعَث النبيّ، على وجه العموم، وفق نبوءة نبيّ سابق له، ونبوءة النبيّ الجديد هي تصديق وإنجاز لنبوءة القديم، ولهذا السبب، فإنّه ليس شخصية مجهولة، بل يعرفه الناس وينتظرون ظهوره. ومن المعروف أنّ النبيّ يحيى (عليه السلام) قد بشّر بظهور عيسى (عليه السلام)، وانتشر هذا الخبر في كلّ أنحاء القدس كما ورد في التوراة. والنبوءات المتعلقة بظهور مُحَمَّد (ص) مذكورة في العهدين القديم والجديد؛ وأحد الأهداف الرئيسية لبعثة النبي عيسى هو التبشير بظهور نبي أمِّيّ في الجزيرة العربية، وقد ذكر القرآن دليلاً حاسماً على صحتها أنّ علماء بني إسرائيل يعرفون القرآن بالطريقة التي يعرف فيها أبٌ مهجور ابنه الموعود الذي طال انتظاره، ما يعني أنّهم كانوا يعرفون النبيّ مُحَمَّداً (ص) معرفة تامة.
  2.  لا نجد تناقضاً أو تفكّكاً في كلِّ ما يتلقاه النبيّ من وحي أو رسالة إلهية، وحتى أولئك الذين بلغوا أعلى درجات العبقرية في العالم كسقراط وأرسطو، وكانت وآينشتين، وغالب وإقبال، والرّازي والزمخشري، لا يمكنهم أن يدّعوا أنّ إبداعاتهم قد ارتقت إلى مستوى الوحي الإلهي من حيث التماسك والانسجام. ولهذا قدّم القرآن نفسه، وأكّد أنه يخلو من أيّ أثر للتناقض في رؤيته الفكرية الفلسفية والأيديولوجية التي يقدمها، وليس ثمة أدنى درجة من درجات التغيّر والتطور في أسلوبه البلاغي يمكن أن يتحرّاها أحد. فهل يمكن لامرئ أنفق سنوات مديدة وهو يبدع خطابات حول موضوعات متنوعة في أحوال وظروف متباينة، وعندما تُجمَع هذه الخطابات من البداية إلى النهاية تشكل خطاباً واحداً متماسكاً ومتناسقاً دون أن يخلوَ من تناقض في الرؤى، ودون أن يعكس آثار التغيّرات المزاجية لصانع ذلك الخطاب، ودون أن تخضع آراؤه للتغيّر والتبدّل؟ هذا هو المستحيل بعينه، لأن القرآن وحده هو الذي امتلك هذه الخصيصة وتميّز بها.
  3.  ينعم الله على أنبيائه بالمعجزات، وقد بيّن القرآن أنّ معجزات عيسى (عليه السلام) وموسى (عليه السلام) شواهد ودلائل على الرسالة الإلهية لكلٍّ منهما. وهي من الوضوح والإتقان بحيث لا يمكن الادّعاء بأنها مجرّد سحر وخدعة، لأنّها معروفة عند خبراء السحر العارفين بهذه الأمور، وما وُصِف بأنه سحر إنّما هو في الحقيقة معجزة إلهية خارقة.

    إنّ المعجزة التي منحها الله لمُحَمَّد (ص) لإثبات نبوّته هي القرآن. والمطّلعون على اللغة العربية وبلاغتها وأساليبها الأدبية يدركون أنّ هذا الكتاب ليس منتَجاً بشريّاً، بل هو إبداع إلهي مُعجِز. ولهذا فقد تحدّى القرآن في أكثر من آية مَن ينكر أصل القرآن السماوي، ويعتبره تلفيقاً بشريّاً أن يؤلّف سورة واحدة تضاهي أسلوب القرآن المهيب وتفوقه البلاغي. فإذا كان بإمكان شخص من بينهم أن يُنتج مثل هذا الخطاب دون أية خلفية أدبية أو علميّة، وأن يأتي بمثل القرآن، فليفعل ذلك.

    ما زال كتاب الله محفوظاً بعد مرور أربعة عشر قرناً على نزوله. وقد خضع العالم خلال هذه الفترة الطويلة إلى تغييرات هائلة، قدّم الإنسان خلالها كثيراً من الأيديولوجيات والأفكار التي تعرضت للدّحض والنقض والنقد بعدما كانت تعتبر صحيحة في نظر مبدعيها ومعتنقيها، كما أبدع الإنسان نظريات علمية حول الكون والإنسان كانت في زمن سابق صحيحة وثابتة في نظر الذين أبدعوها واطّلعوا عليها، ثم أصبحت في زمن لاحق موضع شكّ وريبة إلا القرآن؛ فهو الكتاب الوحيد الثابت الذي لا يرقى إليه شكّ الآن مثلما لم يكن يرقى إليه شكّ قبل أربعة عشر قرناً. وقد توصل دارسو القرآن إلى هذا الحكم الثابت بالنظر إلى الحقائق المتنوعة، التي قدّمها أو بالنظر إلى الأخبار عن وقائع ماضية ومستقبلية تقع خارج نطاق الحسّ، ما يثبت أنّه النص الوحيد الذي صمد أمام امتحان الزمن. والعالم، رغم الاكتشافات العلمية المذهلة، فشل في تقديم بديل أفضل للآراء التي يقدمها القرآن.

  1.  يُعلِمُ الله سبحانه وتعالى النبيّ ببعض الأشياء المجهولة التي يستحيل معرفتها لأيّ إنسان آخر. وأحد الأمثلة على ذلك هو التنبؤات التي قدّمها الوحي الإلهي وتحققت إلى أقصى حدّ. وبعض هذه النبوءات مذكور في القرآن، وبعضها في الأحاديث المروية. فكلّ دارس للقرآن يدرك التنبؤات المتعلقة بالوقائع المستقبلية التي وقعت في الجزيرة العربية، وغلبة النبيّ مُحَمَّد (ص)وانتصاره فيها، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الإسلام أفواجاً. وهناك نبوءة عظيمة أخرى قدّمها القرآن، إذ تنبّأ بانتصار الروم على الفرس بعد أن كانوا قد هُزِمُوا أمامهم.

    لنستمع إلى ما يقوله إدوارد جيبون تعليقاً على تلك النبوءة: «ما من نبوءة يمكن أن تكون أبعد عن التحقق منذ أن أنبأت السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل باقتراب نهاية الإمبراطورية الرومانية»[6]. وقد وقعت النبوءة - حقّاً - في الوقت المُحَدَّد لها، إذ عاد الإمبراطور الروماني في آذار سنة (628م) إلى القسطنطينية محاطاً بمظاهر الأبّهة والفخامة، إذ كانت تُقِلُّه عربة تجرّها أربعة أفيال، وقد وقف حشد من الناس خارج المدينة يحملون المصابيح وأغصان الزيتون لاستقباله استقبال الأبطال.

  1.  الرسل هم رموز العدالة الإلهية في هذا العالَم، وهم يقرّرون مصير شعوبهم في الدنيا قبل الآخرة، والطريقة التي يتم بها ذلك هي أنّ الرسل إذا التزموا بميثاقهم مع الله فسيكافَؤون في الدنيا، وإذا حادوا عنه تعرّضوا للعقاب. وفي النتيجة يصبح وجود هؤلاء الرسل علامة من علامات الله، أو آية إلهية يتراءى للناس أنها تمشي على الأرض مع هؤلاء الرسل لإقامة العدالة، وهم يصبحون بهذه الصفة قوة بيد الله لإنفاذ قضائه وقدره. ويمنح الله الغلبةَ لهؤلاء الرسل، ويُعاقِب أولئك الذين ينكرون رسالتهم ويرفضونها.

    لقد أمر الله الناس أن يطيعوا النبي، وأوضح أنّ الناس ينبغي ألّا يقتصروا على تبجيله بالقول فقط، بل عليهم إظهار آيات الطاعة له أيضاً. فهو لم يُرسَل إلى الناس ليعاملوه كنبيّ فقط ثم يزورّون عنه بعد ذلك، وهو ليس مجرَّد شخص يُدلي بآرائه، وينصح بمواعظه فقط، بل هو مرشد وهادٍ في جميع شؤون الحياة، ولذلك يجب اتّباعه وطاعته دون أي تردّد.

    وعلاوة على ذلك، فإنّ طاعة النبي ليست مُجَرّد طقوس وشعائر، بل يتطلب القرآن من المؤمن أن يطيعه بروح الامتثال والصدق والتبجيل وبإخلاص تامّ.