أ-الابتلاء والتجربة
لقد خلق الله هذا العالَم ليضع الناس جميعاً موضع الاختبار، وهذه الممارسة العملية هي ظاهرة كونية تشمل البشرية كلّه، إذ يطفو بها على سطح النفس ما كان مخبوءاً تحتها، ويظهر كلّ ما هو متأصل في الطبيعة البشرية نتيجة هذه التجربة، وتتكشّف بفضلها أسرار الشخصية الداخلية بمختلف مستوياتها سواء ما تعلق منها بالمستوى الأيديولوجي أم بمستوى السلوك العملي. ويرى القرآن أنّ الله خلق الموت والحياة ليحكم على الناس، ويفصِل بين من تمرّد وخرج على طاعة الخالق، وبين من امتثل لها. وليس هناك من شكٍّ في أنّ الله عليم بكلّ شيء، ولكنّه اختطّ لنفسه سُنّة، وهي أنّه لا يكافئ الناس ويثيبهم أو يعاقبهم على أساس علمه فقط، بل على العكس، فإنّه يفعل ذلك على أساس أعمالهم. ولهذا الغرض بالذات، طبّق على الأرض نظام الابتلاء والاختبار.
إنّ ما يمرّ به الإنسان في هذا العالم من شقاء وهناء، وفقر وغنى، وحزن وسعادة، محكوم بتلك السُّنَة الإلهية. وحين ينعم الله على عبده بالمال والجاه، فإنّه يختبر امتنانه وعرفانه. وحين يحلّ به العوز والمشقّة، فإنه يختبر صبرَه وجَلَده.
