5-3- حوادثه وأحواله
كيف سيحدث يوم القيامة؟ إنَّ تفاصيل ما سيقع عند قدوم هذا اليوم مذكورة في عدد من آيات القرآن التي تصوِّر ما سيحدث للسماوات والأرض، وما سيحلّ بالشمس والقمر والكواكب والنجوم، وتصور الموقف الجديد الذي ستواجهه المخلوقات، وكيفية بعث الأموات من قبورهم واحتشادهم أمام الله، وتظهر دراسة الأدب العربي قبل الإسلام أنّ ذوق العرب كان أميل إلى الحكايات الرمزية الأخلاقية من التشبيه البياني، وقد قدّم القرآن بناءً على هذا الاعتبار صورة عن أهوال يوم القيامة بأسلوب بلاغي، هو من الحِذق والمهارة، بحيث يجعل القارئ يشعر بتلك الأحداث، ويراها كأنّها تحدث أمامه.
وتسلسل أحداث القيامة حسب القرآن يقع على النحو التالي:
أ- سيكون الناس غارقين في مشاغلهم اليومية الروتينية، هذا يسلك طريقاً، وذاك يقصد سوقاً، وهؤلاء يعقدون اجتماع عمل، وأولئك على الأرائك متكئون في منازلهم، وما من أحدٍ منهم ترد على ذهنه إلماعة خاطر أو وميض فكرة أنّ العالم كلّه ستتزلزل أركانه ويتقوّض بنيانه عند النفخ في الصور. وقد تنبّأ القرآن في عدة آيات بما سيقع لمخلوقات الأرض حين تحدث جلَبَة الفوضى المرعبة والفزع الرهيب. وكلّما حدثت زلزلة أعقبتها أخرى على نحو تُصبح فيه حال الأرض كحال سفينة تُطوّح بها الأمواج العاتية يمنة ويسرة، وستأخذ الرّجفة الناس وقد خطف الرعب بريق أبصارهم ودفع بهم إلى الجنون.
ب- سيتصدّع في هول ذلك اليوم العالَم الفيزيائي، وستتعالى الصيحة المهولة في كلّ أنحاء الكون، وتتفتت الجبال كالعِهن المنفوش، وتتفجر البحار، وتنزاح المجرّات والأجرام السماوية عن مداراتها وتتصادم، ويذوب بعضها في بعض، ولا يمكن للعقول أن تتخيل هذا الانقلاب الكوني المفزِع الذي هو خارج قدرة اللغة على الإحاطة به. ويظلّ هذا الاضطراب إلى أجَلٍ غير مُسمَّى.
جـ- تبدأ بعد ذلك المرحلة الثانية التي يتمّ فيها، كما ذكر القرآن، إعادة الخلق؛ فمن وسط الدمار يظهر عالَم مادي جديد تحكمه قوانين فيزيائية جديدة، إذْ إن جميع الأجرام السماوية (الأرض والشمس والقمر والمجرّات التي تتكوّن من بلايين النجوم والكواكب) ستتحول كلّها إلى أرض وسماء جديتين. ويؤكد القرآن أنّ هذه المرحلة الحاسمة ستشهد نفخة بوق ثانية ينهض بها الأموات من أجداثهم، ويُقَدّمون إلى محكمة العدل التي أعدّها الله لهم.
