5-4- أطواره وأماكنه:
ذكر القرآن أيضاً مراحل القيامة التي يمرّ بها الناس، وأماكن استقرارهم خلال رحلتهم إلى لقاء ربّهم، وهي حقيقة مؤكّدة وحتمية رغم بطء حدوثها. تبدأ المرحلة الأولى بالموت كحتم وقضاء يأتي صباحاً أو مساءً، وفي الطفولة أو الشباب أو الشيخوخة. وقد يأتي الموت المرء وهو جنين في أحشاء أمه، أو بعد مولده من حيث لا يحتسب، وذلك بعد إقامة قصيرة في هذا العالم. والموت هو مسلَّمة بديهية تفرض نفسها على الإنسان شاء أم أبى، ويمكن تعريفه في الرؤية القرآنية بأنّه انفصال شخصية الإنسان الحقيقية (الروح) عن وعائها (الجسد)، أو هو مغادرة الروح الخالدة الجسدَ الفاني. ويتولى قبضَ الأرواح مَلَك قائم على رأس مجموعة من الملائكة، وقد كلّفه الله بهذه المهمّة مثلما تكلِّف أجهزة الدولة أحد موظيفها القيام بعمل يقع تحت نطاق اختصاصه.
ويصور القرآن عند هذه النقطة ما يحدث لأرواح الذين كفروا بالأنبياء بعد ما أتتهم البينات بصدق نبوءتهم، إذ تتولى الملائكة معاقبة الكافرين بالضَّرب والصفع، متوعدةً إياهم بعذاب رهيب ينتظرهم. أمّا مَن آمن بالأنبياء وبرّأ ذمَّته من شوائب الإنكار والشِّرك والاعتداء على حقوق الآخرين بأيّ وسيلة، فإنّ الملائكة تستقبله بالبشاشة والترحيب وتبشرّه بالفردوس.
أمّا أماكن استقرار أهل القيامة فتُسمَّى على التوالي: البرزخ، والمحشر، والجحيم والجنة. فالبرزخ هو العالم الآخَر الذي يبقى الأموات خارج نطاقه حتى يوم الحساب، وقد أُطلِقت كلمة (القبر) مجازياً في بعض الأحاديث النبوية للدلالة على ذلك العالم الذي سيبقى الناس فيه أحياء بأرواحهم خارج حدود أجسادهم المادية، ويكون فيه إدراك النفس (الروح) وعواطفها وتجاربها ومشاهداتها مماثلة تقريباً للصور الحُلْمِيّة. ويتضح ممّا ورد في القرآن أنّ الناس الذين حُدِّد مصيرهم تحديداً حاسماً فئتان: فئة الصالحين الذين ثابروا على إيمانهم بالله وينتظرهم الثواب، وفئة المنكرين الذين جحَدوا الحقَّ بدافع الخُيَلاء والغرور، وينتظرهم العقاب، وأمرُ هؤلاء واضح ومحسوم، ولذلك فإنهم لن يخضعوا للحساب والمساءلة، بل سيدخلون مباشرة الجنة أو النار دون أن يخضعوا إلى ما يشبه التحقيق الجنائي الذي يتحرّى الحقيقة قبل إصدار الحكم.
والمكان الثاني هو المحشَر، إذ يقول القرآن: إنّ الناس سيُبعَثون بعد نفخة الصور الثانية من قبورهم، ويقفون في المحشر، وقد مُنِحَ كلّ واحدٍ منهم روحاً وجسداً جديدين ليكون مؤهَّلاً لمواجهة الله، لكنّ الروح والجسد هذين يحملان سمات الشخصية نفسها التي عاش بها في الدنيا.
وينقسم الناس في ذلك اليوم إلى ثلاث مجموعات هي: السابقون إلى معرفة الحقّ، والصالحون، والمجرمون. سيَحمِل من ينتمي إلى الفئة الأولى والثانية كتاب أعماله بيمينه. أمّا مَن ينتمي إلى الفئة الثالث فستُربَط يداه خلف ظهره، ويُؤتى كتابَه بشماله من خلفه.
يصف القرآن الجحيم بأنها ساءت مقرّاً، وهي بئس المصير، وبئس المآل. يصطلي المجرمون بحرِّ نارها، وتتشوّه وجوهم، وتنطفئ عيونهم، وتنسلخ جلودهم، ثمّ تصل إلى قلوبهم فتشويها، وأعناقهم مغلولة، وأيديهم مربوطة بالسلاسل، ويندمون على كفرهم، ويُحرَمون من رحمة الله الذي يُشِيح عنهم، ولا ينظر في وجوههم.
ويصف القرآن، في المقابل، الجنة بأنّها مأوى الصالحين الفسيح، ومقرّ السعادة الأبدية حيث لا تجتمع فيها الأضداد، ولا يقترن فيها الحزن بالسعادة، ولا القلق بالرضا، ولا المشقة باليسر، ولا العذاب بالنعمة كما تقترن في الدنيا. راحتها سرمدية، ونعيمها دائم، وأيامها ولياليها خالدة، وسلامها أبدي، ومصادر سعادتها لا تنضب، وجمالها لا يُشوَّه، وكمالها لا ينقص. وسيمنح الله فيها عباده الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا يدٌ لمست، ولا أخيلةٌ أحاطت.
