logo

3-3- شريعة الصوم وأحكامه.

4- الحجّ والعُمرَة

    تُعتَبر هاتان الشعيرتان في الديانة الإبراهيمية ذروة العبادة، ويبدأ تاريخ كلٍّ منهما بإعلان سيدنا إبراهيم، بعد بناء بيت الله، أنّ على الناس جميعاً أن يُيَمِّموا وجوههم شطر البيت الحرام، ويُكرِّسوا نفوسهم لعبادة الله وتجديد التزامهم بالإيمان بإله واحد. والمرتبة الأسمى التي ينالها الإنسان من عبادة الله هو استعداده للتضحية بحياته وثروته في سبيل الله. والحجّ والعُمرَة هما دليلان واضحان على هذه التضحية ووجهان لحقيقة واحدة، لكنّ الفارق بينهما هو أنّ العمرة موجزة، أمّا الحجّ فأشمل وأوسع وأدلّ على الغاية التي من أجلها تتمّ التضحية بالمال والنفس.

    أخبرَنا الله تعالى أنّ الشيطان قد أعلن الحرب عليه وعلى الإنسان منذ اليوم الأول. وبناءً على ذلك خلق الله سيدنا آدم وأنزله إلى الدنيا لتكون ذريّته في أتم الاستعداد لمحاربة عدوّها الرئيسي إلى يوم القيامة في شكل اختبار خُلِق العالم بناءً عليه، ويعتمِد عليه مستقبل البشرية نجاحاً أو فشلاً، ويتطلب بذلَ المال والنفس لتحقيق النجاح.

    يترك عباد الله انغماسَهم في عَرَض الدنيا، ويهجرون ملذّاتِهم وممتلكاتِهم امتثالاً لأمر الله، ثم يتقدّمون إلى ساحة المعركة مردّدين: لبّيك اللهمّ لبّيك، ويضربون خيامهم في وادٍ كالمحاربين.

    يصلون في اليوم التالي إلى حقل مفتوح طلباً لمغفرة الله وهم يصلّون ويتضرّعون إليه، ليمنحهم النصر في هذه المعركة، مُصغين بكلّ جوارحهم إلى خطبة الإمام.

    ووفقاً لهذا التمثيل الرمزي (الحجّ هو حرب مع الشيطان) فإنّهم يؤدّون صلواتهم قَصْراً وجمعاً، ثم يعودون إلى خيامهم، بعد قضاء مدة قصيرة في الطريق، ثم يرجمون الشيطان بعد ذلك بالحجارة، ويضحّون بأنفسهم لله تضحيةً رمزية عن طريق التضحية بالحيوان بدلاً من الإنسان، ثم يحلقون رؤوسهم ويتوجهون إلى مكان القرينة الحقيقي بعد أداء طواف النَّذر، ثم يعودون إلى خيامهم. وبعد يومين أو ثلاثة أيام يرجمون الشيطان مرةً ثانية. وهكذا، ومن زاوية هذه الرؤية، فإنّ الإحرام في الحج والعُمرة هو رمز لتخلي المؤمن عن ملذّاته ومفاتن الدنيا ومشاغلها مرتدياً قطعتي ثياب منفصلتين غير مخيطتين كراهب حاسر الرأس، شِبه حافي القدمين، ممتلئاً عزماً وتصميماً على الوصول إلى حضرة الله.

   والتلبية هي الاستجابة لنداء سيدنا إبراهيم الذي أطلقه وهو واقف على صخرة بعد إعادة بناء الكعبة، والذي وصل صداه إلى كلّ ركن من هذا العالم، فيستجيب له عباد الله مردّدين: (لبيك اللهم لبيك) معترفين بفضل الله، مؤكدين إيمانهم بالتوحيد.

    وطواف النذر هو تقليد قديم موروث عن الحنيفية الإبراهيمية، إذ يقوم الحُجّاج بتمشية الحيوانات التي سيُضحّى بها ذهاباً وإياباً أمام المذبح.

    ويرمز استلام الحجر الأسود إلى تجديد العهد مع الله، فيقوم الحاجّ بوضع يده على الحجر الذي يرمز إلى يد الله، ويقبّله لإعادة تجديد العهد مع الله حسب التقاليد القديمة، إذ يُسَلِّم الحُجّاج - وفقاً له - حياتهم وأموالهم إلى الله مقابل الفوز بالجنة.

    السعي هو الطواف حول المكان الذي قُدِّم فيه سيدنا إسماعيل كأضحيّة. وقد رأى سيدنا إبراهيم ذلك المكان وهو واقف على تلة الصّفا (جبل الصَّفا)، حتى إذا سمع نداء ربه مشى بسرعة إلى جبل المروة، وهكذا فإنّ طواف الصفا والمروة هو طواف النَّذر الذي تمت تأديته أمام الكعبة أول مرة، ثم أمام المذبح بعد ذلك.

    وعرفات هو بديل الكعبة حيث يحتشد المحاربون ضدّ الشيطان، ويطلبون إلى الله أن يغفر ذنوبهم، ويصلّون إليه طالبين العون والمَدَد.

    ومزدلفة هي المكان الذي يتوقف فيه المحاربون لقضاء الليل، حيث يصلّون مرة أخرى، ويتضرّعون إلى الله عندما ينهضون صباحاً لينطلقوا إلى أرض المعركة.

    يرمز رمي الجمار إلى لعن إبليس ومحاربته، وينتهي هذا الطقس بإصرار المؤمن على هزيمة العدو، ولا شيء أقلّ من ذلك.

    من المعروف أنّ العدوّ الأبدي للإنسان (إبليس) مصرّ على الوسوسة في عقول الناس. ومع ذلك، إذا قاوم العبد ما يفعله إبليس، فإنّ هجومه سيَضعف شيئاً فشيئاً، ويُعتبَر رمي الجمرات لمدة ثلاثة أيام (الجمرات الكبرى والوسطى والصغرى) رمزاً لتلك المقاومة واستمرارها.

    ترمز التضحية بالحيوان إلى التضحية بالبشر، وتعني أنّ المؤمن مستعدٌّ لتقديم حياته في سبيل الله. ويرمز حلق الرأس إلى أنّ الذبيحة قد قُدِّمت، وأنّ عملية التضحية تمّت. ويُمكِن لمن أدّى فريضة الحجّ أن يعود الآن إلى دياره وهو يحمل على جسده ورأسه الحليق رمز العبودية الأبدية لله.

    توضّح التفاصيل السابقة عظَمة الحجّ الذي فرضه الله على كلِّ مسلم قادر على تحمّل نفقاته مرة واحدة في الحياة.