logo

9- معجزة الفن

معجزة الفن

قال غالب أكبر شعراء الأردیة ما مفھومه

إن الجمال الكامل لا یحصل لكلام یا أسد (اسم غالب) حتی لا یحترق قلب المتكلم له.

في المحلة التي أسكنھا واجھة مسجدھا الجامع یجری فیھا عملیات العمارة منذ شھور سالفة. وكان ھناك قبل أبواب ساذجة تدخل منھا في ردھات المسجد والآن أریدت تحویلھا إلی محاریب لھا صدعات وأجزاء مسقفة علیھا تاج. وابتدأ العمل قبل ثلاثة أو أربعة أشھر. ورأیت أن جدران الصدارة تھدمت في أیام والبناء الجدید قد قام من الأساس إلی السقف في بضعة أیام. وكان ظني أن صحن المسجد سیكون خالیا من اللبنات والطین وغیرھا في أسابیع عدة فقط. ولكن إذا بلغ الأمر إلی بناء أبراج التاج والمنارات فإذا بھا وكأن الوقت قد ركد وأیدی الصناع والمھندسین  قد توقفت عن العمل. وكان قبل ذلك أن لم یكد البناء أن یتأسس حتی یبلغ الجدار إلی النھایة والآن یستغرق بناء برج وبناء صدعاتھا وقممھا عدة شھور. وھذا مسجد صغیر لحینا. ولا علم لي أن البنائیین للمسجد العالمكیري والقلعة المعلاة ومحاریب التاج وأبراحھا كم أمسوا وأصبحوا علی ھذه البنایات، فإن جلس بناء ینحت الشفة الجوھریة فمالم تمر علیه الشھور لاتبرز زاویة الفم.

كما یقال أن

 العقیق تم تشقیقه مئة مرة فجاءت جوھرة.

وھكذا كل إنتاج یبلغ إلی مرتبة الكمال. فإن من الشعر إذا توفر لك لوازمه من القافیة والردیف یكون شعرا ویحصل لك دیوان شعر في كل شھر ثاني. ومن الشعر ما لقوله تردف اللیل بالنھار حتی تستیقظ الدیك والطیر والسمك. ففي الصورة الأولی إذا لم تفقد اللوازم تحصل لك النتیجة في بضعة أیام. وفي الصورة الثانیة لا تأتي الثمرة من اللبنات والتوابل بل تتولد من حرقة القلب كما قال الشاعر الاردي:

لوناً كان أو لبنة وحجرا، قیثارة كانت أو حرفا وصوتا إنما تجیئی المعجزة والبراعة في كل فن من حرقة القلب.

ولم تحدث أول مرة في زماننا ھذا أن الناس قصروا في الفرق بین الصورتین وبین نتائجھما. إن تاریخ بنی آدم معظمه مفعم بتلك الحوادث. ففي ھذه الدنیا قد مر أن الناس حاولوا تقییم جعفر زتلي وغالب بعَد شعرھما. وأرادوا تقییم یوحنا والمسیح علیھما السلام بعدد من آمنوا بھما فمن لھم یقول لھم، كما قال الشاعر:

إن نظرك قاصر ویدك مغلولة فھل ھذا ذنبك أو ذنب النخل الطویل الرفیع؟

(١٩٨٩م)