logo

2. **إسمي

إسمي: إنه عجیب أمري في إسمي أیضا، فقد أحبت والدتي "جاوید" ولما ذھب بي والدي بعد الولادة إلی شیخه یدعو لي فقال له: "ینبغي أن یكون إسمه علی طریقتنا نحن الفقراء، فسمّوه "كاكوشاه". إنی أری أن الملوك یزورونه زیارة مفداة." وخالتي الصغیرة قد أقامت عند والدتي لسنوات عدیدة، وأبي وأمي كلاھما كانا یحبانھا حبا جما. كان لھا إبن أكبر منی لثلاث سنوات سمته برفیق. وبمناسبة ذلك كانت تصر علی أن اُسمی بشفیق ولم ترض إسماً غیر ذلك. ثم جاءت خالتنا الكبیرة تزورنا وقالت: إنی سمیته بـ "كاكا محمد" من قبل. فماذا نفعل اذن؟ وقد توصل أھل بیتي إلی حل سھل أن قبلوا كل ھذہ الأسماء. وعلیه فكل ھؤلاء الكبراء كانوا یسمونني بأسماءھم المرضیة في حین حیاتھم.

ولما حان وقت الالتحاق بالمدرسة كان الوالد غیر متواجد لأنه في ذلك الزمان كان یرحل لزيارة زاویة شیخه ''بكوتلي مغلان'' لشھور عدیدة في بعض الأحیان. وكان له صدیق حمیم ندعوھم بالعم، ففي غیاب الوالد ذھب بي للإلتحاق بالمدرسة وقد تم لي انتخاب نفس المدرسة التي كان یدرس فیھا إبن خالتي "رفیق".

وفي وقت تسجیل الإسم لما سألني العم عن الإسم أخبرته بتلك الأسماء كلھا فاضطرب اضطراباً شدیداً و حار في الأمر ونظر إلی "رفیق" مستفسراً فأجاب: كلھم یدعونه في البیت "شفیق" فتوقف قلیلا ثم أُدرج ذلك الإسم في المدرسة. فلما بلغت الأشد رغبت إلی الإسم الذي ارتضیته لي ولكن ماذا نفعل بتسجیل المدرسة؟ فلما كلمت في ذلك الأمر إلی أحد أساتذتنا إسمه محمد صادق قال: إن تغییر الإسم في ھذه المرحلة صعب ولكن بما أنك تمیل إلی قول الشعر فاقترح أن تختار "جاوید" كإسم شعري وأكتب إسمك شفیق أحمد جاوید أو تختار "جاوید أحمد" كإسم قلمي إذا لم ترض بـ "شفیق" فاستجبت لاقتراحه، وأصدقائي كانوا یدعوننی بإسم "جاوید" من قبل فاشتھر ھذا الإسم منذ أیام الكلیة. ثم إذا جاء وقت إحراز جواز السفر كتب نفس الإسم في كل مكان.

كنت في الصف التاسع فیما یغلب علی ظني أن زرت لاھور بمناسبة زواج أحد أبناء العمة ومازلت أصحب عمي الكبیر محمد لطیف خاں لخمسة عشر یوماً وكان یحب أباه وجدی نور الھي حبا شدیدا بالغا إلی حد العشق فكان یحكي لي قصصه صباح مساء ویقول إنه كان كبیر القریة ومصلح الاجتماع وكان الناس یرجعون إلیه بسبب الصلاح والرشد والحنكة للفصل في نزاعاتھم وخلافاتھم ویذعنون له فیما یحسم لھم من قضاء، وكلامه أثر في نفسي تاثیرا قویا أن صرت اتفكر كل وقت في جدي وإذا لجئت إلی النوم رأیته في المنام واستمر ذلك لعدة أیام.

وفي تلك المناسبة لقیت رجلا آخر من كبار الأسرة إسمه مقبول أنور داؤدي وكان كاتبا مقبولا لكتابات أطفالیة دینیة، اشتھر بھذا الإسم بسبب قریتنا "داؤد". وكان الإسم الكامل لوالدي أیضاً محمد طفیل الجنیدي إلا أن بعض الأشیاء تستلفت إلیھا الإنسان دفعة". فعند لقاء الشیخ الداؤدي قد خیل إليّ لأول مرة أن ینبغي لي النسبة كھذه. وفي أیام الصبا یشغل الإنسان بعض الأمنیة كھذه كما كنت اتفكر ذلك لیلاً و نھاراً. وكلمت في ذلك والدي ذات یوم فاقترح عليّ أن أضیف نسبة "داؤدي" إلی إسمي اتباعاً للشیخ مقبول داؤدی. ثم أضاف قائلاً: إن حصلت البیعة علی شیخي فكنت "جنیدیا" أیضاً.

ولكن كانت أمنیتي أن نُسبت إلی جدي الذي سمعت عنه الكثیر بطریق العم فصار الأن أسوۃ تتبع. واذا تفكرت في النسبة إلیه یتبادر إلی الذھن لفظات "نوري" و"مصلحي" ولكن یاباه الذوق. فكنت في ھذا الحیص والبیص أن زارنا شیخان. وكان من عادة الوالد استضافة الفقراء السیاحین والأطباء والرھبان لشهور عدیدة ومرات كثیرة. فھذان أیضاً وردا مثل ذلك واحد منھا كان غلام رسول وحشي من أصحاب شیخ الوالد وثانیھما کان فقیراً وزاھد آخر. إسمه عبد الله وكان وحشي كاتباً جیداً قد كتب كتاب شیخه "لیلیٰ مجنون" بیده فكان یسمعنا ذاك الكتاب ویفسر لنا أسرار ورموز التصوف أثناء شرحه له. وكان عبد الله یشغف بتاریخ العرب الجاھلي. فكان یحدث وقائعه وأیامه للوالد. وظللت جالساً في مجالس ھؤلاء الشیوخ واستمع إلی أحادیثھم مصغیا إلیھم كل الإصغاء.

فقد حكی عبد الله في ھذه المجالس وھو یقص قصة أن أبا الآباء لبني غامد كان قد حاول لإصلاح ذات البین وستر لذلك حادثا متوغلا في القدم فلُقب بغامد لأجل ذلك وصار ''غمد الأمر'' یستعمل في معنی ''أصلح الأمر'' في اللغة بعد ذلك. وقد صدق ذلك حینما راجعت مراجع اللغة، فقد جاء في أقرب الموارد: غامدة أبوقبیلة ینسب إلیھا الغامدیون وقیل: ھو غامد وإسمه عمرو ولقب به لإصلاحه أمرا كان بین قومه. وأضاف أن ھذه القبیلة یقال لھا الغامدي بسبب تلك النسبة. فلم ألبث أن خیل إليّ أن نفس الفصل في القضایا كان جدي یقوم به. وانطلاقا منه جاء تعبیر ''غامدي'' وسررت به جدا وذكرت لوالدي فارتضی له، ولكن بما أن البیئة القرویة لمدیریة ساھیوال لم تأذن لي ذلك فلو استعملته في ذلك الوقت لكان موضع سخریة ولذا بدأت أكتب ھذه النسبة بعد برھة من الزمن غیر أني قد أبرمت في الیوم نفسه أن یكون ھذا اللفظ جزءاً من إسمي.

وأفراح الطفولة والمراھقة وأوائل الشباب مستغربة عجیبة فحین نتذكرھا فیما بعد نتعجب من أشیاء صارت ھامة في عالم الخیال والفكر والعمل في أیام الصبا. فلم أقدر الیوم علی التعبیر بمدی فرحي من نیل ھذه اللفظة بالنسبة للجد. والزمان یتقلب إذ لایثیر الیوم واقع ما مھما كبر وعظم، اھتزازاً في القلب والعقل مثل ذاك الاھتراز. فكل الأشیاء من ھذا القبیل تصیر بلا معنی إلی حد كبیر مع مر العصور وكبر العمر. كما قال الشاعر الاردي ما مفھومه

فحكایات دنیا الجدیدة كل یوم

صارت رسما لقصة عھد الشباب

(٢٠٠٧)