logo

25- الاجتھاد


الاجتھاد

إن مصطلح الإجتھاد جاء في حیزالوجود من حدیث منقطع إسناده عند أيمة الحدیث. ولكن جملة من ھذا الحدیث قد صارت مأخذا لھذا الاصطلاح الھام للفقه الإسلامي. فیروی أنه صلی الله علیه وسلم لما بعث معاذاً إلی الیمن عاملا علیھا سأله: بماذا تقضي به؟ قال أنظر في كتاب الله قال فإن لم تجد فیه؟ قال أنظر في سنة رسول الله، قال فإن لم تجد فیه؟ قال اجتھد رأيي ولا آلو. (رواه أحمد، رقم ٢١٥٠٢) فألفاظ "اجتھد رأيي" ھي مأخذ ومصدر لھذا المصطلح. وقد استعمل علماء الأصول ھذا في مدی الحدود التي تتعین من الحدیث. أي یكون الاجتھاد أبداً فیما سكت عنه القرآن والسنة من أمور. فلا علاقة له بما قد صرحه الكتاب والسنة. ووجه ذلك أن نصوص القرآن والسنة ھي محل للتدبر لا محل للإجتھاد. ولأھل العلم أن یراجعوھما مراراً وتكراراً لتعیین المنشأ والمناط. ولھم أیضا أن یختلفوا السلف في تأویل الكتاب والسنة. ولكن لیس لھم تبدیل أو تعطیل أمر الكتاب والسنة أو حكمھما من اجتھادھم.

فھذه ھي دائرة الاجتھاد. ففي روایة معاذ – إن صحت – أیضا قد أوضح رسول الله صلی الله علیه وسلم ھذه الحقیقة بسؤاله عنه فإن لم تجد في القرآن؟ فإن لم تجد في السنة؟ فإذا وجد شیئ في الكتاب والسنة فلیس لمسلم أن یحید عنه فإن إیمانه یقتضیه أن یستسلم له بدون قیل و قال. فحقیقة الإسلام ھو الانقیاد الكامل لله ورسوله. وقد أخطأ بعض مفكري العصر الحاضر الكبار في فھم أحكام وآراء الخلفاء الراشدین. ففي الواقع لایتصور أحد منھم الاجتراء علی تبدیل أو تعطیل حكم الله. وما یرونه تعطیلا أو تبدیلا إنما كان من تضمنات ومضمرات الحكم الأصلي الذي أوضحه الخلفاء الراشدون بتطبیقاتھم العملیة، فینبغي أن نتعلم منھم أسالیب الفھم والتدبر في القرآن الكریم بدلامن تولید جواز التعطیل أو التبدیل في أعمال الخلفاء الراشدین.

فالاجتھاد في ھذه الدائرة ضرورة لكل مسلم كالھواء والماء فلا ینسد بابه أبداً والواقع أنه لم ینسد أیضا. فبا الرغم من إصرار وإلحاح البعض علی انسداد بابه بعد القرن الرابع الھجري، الواقع یشھد أنه لم یزل العلماء والفقھاء یتواجدون ویبرعون في فنون مختلفة واجتھدوا في كل زمان ولا یزالون یجتھدون الیوم أیضا.

وقد شرف الله تعالیٰ الإنسان بنعمة العلم والعقل. وأعطیت ھذه النعمة له كي یسترشدھا في أموره. وھذه الأمور متنوعة وغیر متعینة وقد أنزل الله تعالیٰ شریعته فقط في أمور یحتاج العلم والعقل فیھا إلی الترشید ولأن الإنسان لیس أعمیٰ یحتاج في كل شیئ إلی إرشاد السماء المباشر، والأحكام الشرعیة محددة جدا فكان من الضروري أن یصار إلی الإجتھاد. فكل سر التقدم مكتوم في الاجتھاد. لاتمضي الحیاة قدماً بدونه. والسبب الكبیر لانحطاط المسلمین أنھم قد فقدوا صلاحیة الاجتھاد في العلوم الطبیعیة والاجتماعیة وكفاءة البحث العلمي فیھا من حیث الأمة.

ولیتضح ھنا أنه لیس ھناك شرائط للاجتھاد، فعلی الناس أن یجتھدوا إذا أخطأ أحد منھم صوّبه نقد آخر. فقد یمضي الإنسان قدما بھذا الطریق. ویتولد مجتھدون من الدرجة الرفیعة كنتیجة لھذا العمل. ولاشك إذا سلمت مبدأ التقلید یجب علیك أن تسلم لكافة الشروط التي تشترط في بیان الاجتھاد، لأنه في ھذه الصورة لایكون الاجتھاد نفسه واستدلاله أصلا متأسساً علیه، بل یكون ذلك ھو شخص المجتھد الذي یكون مرجعا للتقلید. ولكن إذا كان البناء عند الكل عارفا كان أو عامیا علی الدلیل، كما كان الأمر في عصر الصحابة والتابعین فیكون الأساس ھو نفس الاجتھاد لا شخص المجتھد، فینظر ھل یتم معتبراً علی معیارات العلم والعقل أم لا. ففي ھٰذه الصورة لاتسئل عن مسلمٍ، إذا كان شخص غیر مسلم یأتي بحل معقول لقضیة ما لا اعتراض علیه بل یقبل اعتباراً به كضالة للمؤمن.

فمن الحقیقة التي لاتجحد أن معظم الاجتھادات فیما یتعلق بسیاسة المدن، أصول المعیشة ومجالات نظم البلاد ونسقھا وأصول المواطنة ھي التي تمت علی أیدي غیر المسلمین والمسلمون سلموا بھا في عامة الأحوال. وعلی سبیل المثال نظام الدیموقراطیة وقیمھا وضوابط الإدارات المبتنیة علی أسس الدیموقراطیة. نعم، القرآن قد أعطی مبدأ الدیموقراطیة ولكن المسلمین لم یؤسسوا علیه نظاما، ووضعه غیر المسلمین. ورغم ذلك انت تری أن علماء المسلمین الیوم وفقھاءھم ومعظم الجماعات الدینیة لیس فقط یسلمون ھذا النظام بل یؤدون دوراً طلیعیا في تقویة وتعزیز ذلك النظام. وھذا ھو مسلك صحیح في أمور سكتت عنھا القرآن والسنة فعلینا أن نزاوله.

(٢٠١١م)