الجھاد والقتال
الجھاد معناه بذل أقصی الجھود لحصول أي غرض. وقد استخدم لفظ الجھاد في القرآن لسعي عام في سبیل الله كما أنه جاء في معنی الحرب أو القتال في سبیل الله أیضا. وقد بین القرآن صورتین لذلك.
أولاً الحرب ضد الكفر.
وثانیاً الحرب ضد الظلم والعدوان.
الصورة الأولی لاتتعلق بالشریعة مباشرة وإنما تتعلق بقانون إلٰھي لإتمام الحجة. وینفذ ھذا القانون في ھذا العالم دائماً بأمر الله المباشر وبطریق أشخاص شرفھم الله تعالیٰ برسالاته. وھذا المنصب قد أُعطي لمحمد رسول الله صلی الله علیه وسلم آخرا وختم به في التاریخ الإنساني.
فإن الحروب التي شنھا الرسول وصحابته ضد الكفر لیست قتالات محضة بل كانت عذاباً من الله، نزل أولا علی مشركي العرب ویھوديھا ونصاراھا ثم علی أقوام العالم المتجاورة للعرب وكان ذلك وفقا للسنة الالھیة الجاریة ومن حیث الأمر الالھي. وختمت النبوة علی النبي صلی الله علیه وسلم ولذا قد انتھی حق الحرب علی الناس من أجل كفرھم مع سائر الحقوق الناتجة منھا والمتفرع علیھا من حق إخضاع الناس وقتلھم أو ضرب الجزیة علیھم والإبقاء علیھم صاغرین محكومین إلی أبد الآباد ،بعد أن ودع النبي صلی الله علیه وسلـم وصحابته ھذا العالم. فلایحق الآن لیوم القیامة لأحد شن الحرب علی قوم من أقوام العالم لھٰذا الغرض ولا أن یجسر علی إنفاذ الجزیة علی محكوم ومفتوح بسبب كفره.
والصورة الثانیة ھو حكم شرعي باقي، فبقي الآن ھذه الصورة الثانیة للجھاد والقتال متاحة للمسلمین وھو الحرب علی العدوان والاضطھاد. فیقام الجھاد اليوم في الشریعة الإسلامیة لتحقیق ھذا الغرض فقط. ولا یكون قط استجابة لھوی نفساني ولا لحصول جاه ولا ثروة ولا لتسخیر ملك ودولة ولا للسمعة والذیت ولا تلبیة لعاطفة شرسة من عواطف الحمیة والعصبیة أو العداوة الشخصیة.
إن الأغراض والطموحات الفردیة والأھواء لاتمت بأیة صلة إلی ھذا الجھاد والقتال. إنه حرب لله یقاتله عباده امتثالا لأمره وفقا لإرشاداته في سبیله. فإنھم یكونون في ھذا الحرب كمثل آلات وجوارح فقط، لایفون بمقاصدھم ومطامحھم بل مقاصد الوھیة، فلیس لھم أن ینحرفوا من حیثیتھم ھٰذه أي انحراف.
وبعض أھم دفعات قانون القتال في سبیل الله الذي جاء في القرآن ھي كالتالي:
١. أي حكم الجھاد متوجه إلی جماعة المسلمین. فآیاته الواردة في القرآن لم تخاطب المسلمین في مكانتھم الفردیة، إنھم مخاطبون لھا من حیث الجماعة كالحدود والتعزیرات، وعلیه ففي ھذا الصدد لایحق لفرد مسلم أو لطائفة منھم أن تشن الجھاد بنفسھا وإنما یحق ذلك فقط لنظم جماعي للمسلمین.
۲. وجاء حكم الجھاد في القرآن لاستئصال الفتنة. وتطلق الفتنة في القرآن علی إجبار شخص لِتبدیل لدینه أو انحراف منه ظلما وتعسفا، الأمر الذي یعبر عنه في الإنجلیزیة بلفظة Persecution. وتدخل تحته كافة صور وأشكال التعدی علی المال والنفس والعقل والرائي فیقام الجھاد ضد أي شكل من أشكال العنف والعدوان.
٣. ولا یفرض الجھاد علی المسلمین مادام لم توفر لھم قوة حربیة إلی حد خاص بإزاء العدو. فكان من الضروري أن یزیدوا في قوتھم الحربیة بدرجة لازمة، إلی حد أمرھم القرآن في عصر الرسالة نظراً إلی الأوضاع المتواجدة فیھا، ھدفا إلی إتمام ھذه المسئولیة مع استحكام وجودھم الأخلاقي. ولذلك قد أقام القرآن أنذاك نسبة الواحد في مواجھة الإثنین بینھم وبین أعداءھم.
٤. وعدم المشاركة في الجھاد فعلا جریمة فقط في صورة النفیر العام أن یتقاعد مسلم في بیته. ففي ھٰذه الصورة یكون عدم المشاركة جریمة كبیرة مثل النفاق. وإذا لم یكن كذلك فیكون الجھاد فضیلة یتسابق فیھا المتسابقون ولكنھا درجة من درجات الفضیلة فقط ولایكون من الفرائض اللازمة التي یأثم إمرأ في عدم إتیانھا.
٥. ولایتم الجھاد بصرف النظر عن الحدود الأخلاقیة. الأخلاقیات متقدمة علی كل شیئ وفي كل حال. ولم یأذن الله لشخص ما أن ینحرف عنھا حتی وفي مواقع الحرب والقتال. ومن أھم الإرشادات القرآنیة في صدد ذلك ھو الوفاء بالعھد فإن الغدر ونقض العھد ھما من كبری المآثم. فإن كان ھناك قوم معاھد یضطھد المسلمین فلایستطیع بلد مسلم معاھد له أن ینصر إخوانھم إخلافا للعھد. وکما إذا كان ھناك قوم كافر لم یخرج لمقاتلة المسلمین أو اختاروا سیاسة عدم الإنحیاز علی المواقع الحربیة بوجه من الوجوه فلایؤذن اتخاذ أي إجراء ضدھم كذلك. القتال یُشن فقط ضد المقاتلین (Combatants) لاغیر.
(۲۰۰۹م)
