logo

8. الشعلة والدار

الشعلة والدار

في الأشھر السالفة العدیدة اضطررت إلی تبدیل بیتي مرتین. أولا ارتحلت من نیو غاردن تاون إلی اقبال تاون ولم تمض علی ذلك إلا خمسة عشر أو عشرون أسبوعاً فقط أن صاحب الدار الجدید بإقبال تاون قد قضی بشراء البیت فكان كما قال الشاعر:

جئنا ولم نكد نجلس حتی أخرجنا

وأنا قد تجشمت الكثیر في حصول ھذا البیت ثم تزینیه ولم یخلد في ظني أننی سوف اتخلی منه علی عجل كھذا. وكان صاحب الدار أیضا یحس ذلك، إلا أنه جاءنی وذكر لي أعذاره وھو نادم جداً. فلو انكرته لسكت یقیناً. وخیل إلیّ أنه كیف أجد اللذة التي في الجمع بین الشعلة والدار، لا أجدھا في طمأنیة تحصل لي ھنا إذا انكرت المغادرة. لذا وعدته للتخلي عن الدار وقال الشاعر، ما مفھومه:

أنظر أنی جمعت الأسباب لتعمیر المسكن ثم أنظر أن الشعلة أیضاً اتمنیٰها

وفي أثناء الخمسة عشر سنة قد تحولت من مسكن إلی مسكن آخر. والمرء مضطر إلی مغادرة سكن الغیر. وكلما طلبني صاحب دار أن اتخلی منه لشعرت بأنه تذكیر لحقیقة كبری. وھو أننا نسكن في الدنیا في بیت غیرنا وھو طالب لامحالة للتخلي عنه في یوم ما. ونجادل في الدنیا صاحب دار، ولكن لا امكان للجدال أمامه. وھنا نذھب بكل متاعنا ولا یكون ذلك ھناك، فنحن مضطرون أن نتنازل عن مسكنه یوماً ونكون مسئولین أن كیف تعاطیناه. فھذه حقیقة كبری لھذا العالم لا مفر لأحد منه. وكل حادث ھنا یذكر لنا ذلك الواقع الحقیقی كما قال الشاعر الفارسي ما مفھومه

إن الحوادث تكون بمثابة مدرسة للأھل العقل والفكر فإن لطمة الموج لا تقل عن عصا في ید الأستاذ.

(١٩٨٦م)

8. الشعلة والدار - مقامات - أفكار