logo

14-الدینیة واللادینیة

الدینیة واللادینیة

إنه قد بدأ في الغرب حرب في أواسط القرن السادس عشر، انتھی بالملوكیة المقدسة لبابا في آخر الأمر. وكان في ملوكیته ینوب عن الله تعالیٰ. وكان یدعیٰ أنه ما یقوم به علی وجه الأرض یبقی في السماء أیضاً. وقد مضی علیه زمان أن امبراطور رومة ھنری الرابع ظل قائما علی أعتاب قلعة بإیطالیة كان البابا مقیما بھا ثلاثة أیام ولیالھن خاسر الرأس عاري الرِجل یظھر العجز ویستغفر، ولكنه لم یفتح له بابه. وفي أواخر القرن الخامس عشر ومطلع السادس عشر قام مارتن لوتھر یتحدیٰ للبابا وسلطته. وتقدم كل من ایراسمس (Erasmus) وكالون (Calvin) وزونگلی (Zwingly) بھذه الحركة المقاومة في مناطق أخری لأروبا ونتج من كل ذلك حرب عظیم قام عامة الناس فیه مع ھؤلاء المصلحین فانھزم البابا وانتھت سلطته للأبد.

وتوصلت حركة نھضة العلوم (Renaissance) في الغرب إلی عروجھا نتیجة لھذا الفتح الملموس للناس. وقد جاءت ھذه الحركة بفتوحات لا نظیر لھا في التاریخ الإنساني كله. فإنھا كشفت عن أسرار الطبیعة التي لاتحصیٰ ولاتعد. وسببت للناس تسھیلات كثیرة وفیرة. وأقامت سلطة الإنسان علی البحر والبر. وجعله قابلا أن یجیئی بخبر الثریا وأن ینزل إلی الثریٰ، حتی أن الإنسان نفسه لیتعجب من إنجازاته الخطیرة ویشعر بسلطانه علی العالم الطبیعي إلی حد یحیر العقول وأن رؤیاه قد تحول إلی حقیقة قائمة الیوم.

والحرب ضد النظام البابوي وحركة النھضة العلمیة ھذه كلاھما مما یفتخر به الإنسان. فلا ریب كان ادعاء البابا باطلاً. للأن الدین الحق لا یسلم لبابا ولا لكاھن أن یحول بین الله وعباده، فإبطال ھذا الدعوی كان واجباً والذین قاموا بھذا العمل إنما قاموا بإثبات عمل ثابت حق كما كان أمر النھضة العلمیة فإن العلم والمعرفة، أكبر متاع للإنسان وكل محاولة لإیجاده والاكتشاف فیه تقدر حق تقدیرھا بلاشك ولا شبھة ولكن من سوء حظ الإنسان أن نفسیة رد الفعل لم ترد البابا فقط في ھذا الحرب وفي ھذه الحركة، بل ردت الحقیقة الكبریٰ لھذا الكون أن الإنسان ھو المخلوق لله سبحانه وتابع لحكمه ومسئول أمامه.

ولم ترد ھذه الحقیقة بناء علی دلیل واستدلال محكم فقد مرت علی ھذا الحدث الضخم أربعة قرون، وما كتب علی ھذا الموضوع في الغرب بعد دراسة ذلك كله بدقة نظر واستیعاب قد توصلنا إلی نتیجة أننا بوسعنا أن نقول بثقة كاملة أن ذلك الرد كان مبتنیاً فقط علی التعصب الاعمیٰ ومشاعر الكراھیة والتنافر الغیر منتھیة. وما كتبه الأقلام وما قاله اللسان في ذلك ھو مما یبعث الإنسان علی الاستحیاء والندامة. فقد جُوزت الجھالة في عصر العلم والدلیل والباحثون عن الحقیقة أعرضوا عنھا وعُباد العلم قد ردوا العلم. فھذا ھي المأساة الكبری لعصرنا إذا بكت الأرض علیھا وثكلت السماء لا یعجب علیه أحد.

(١٩٨٧م)