logo

21- العام والخاص

العام والخاص

لیس ھناك طریقة في أیة لغة من لغات العالم أن وضع كل لفظ لمعنی خاص واحد ووضع كل أسلوب لمدلول واحد فقط. فھما یدلان عموماً علی معاني متعددة. ویُقضی أنھا قد استعملا في مفھوم خاص دائما علی أساس حكم القرائن المختلفة، من تألیف الجملة وعرف المتكلم ونظم الكلام وسیاق العبارة وسباقھا وما إلی ذلك. وتكون صورته أن الذھن یضع أمامه كل ھذه الاحتمالات فیقضي قضاءه ذلك تارة بأدنی تأمل فیه وتارة بعد التفكر والتدبر العمیق. ومن أجل ھذه الحقیقة اللسانیة قد قال الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" عن الخاص والعام في القرآن ما مفهومه: أن اللغة محتملة للمعاني فإذا ما یأتي عامه أو خاصه جزءاً للكلام فلیس من الضروري أن یؤدیا علی كل حال معنیان وضعا له أصلا. فقد نزل كتاب الله علی نھج أن یكون ھناك لفظ عام ویراد به خاص ویكون اللفظ خاصا یراد به عام.

(انظر الرسالة للشافعي ص ٢٣٠)

وھذا ھو الأمر الذي لم یتفطنه بعض الناس وفھموا منه خطأ أن الإمام الشافعي أیضا یری دلالة الألفاظ علی معانیھا ظنیة. علی أنه یقول فقط إن اللغة تحتمل مفاھیم ووجوھاً مختلفة ولذا لاینبغي التبادر في تعیین معنی آخذا باحتمال واحد فقط، بل یجب التدبر في تعیین منشأ المتكلم ومراده نظراً إلی سیاق العبارة وسباق الكلام. وعلیه لایقال لخاص أنه قاطع علی مدلوله ولعام أن یدل باللزوم علی الأفراد كلھم تحته. وھناك طائفة من الأصولیین اختلفوا من ھذا المذھب في اللغة. ولكن الحق فیه مع الإمام الشافعي. وسبب ذلك أنه لیس مجرد اللفظ یوصل القاري ویبلغ السامع إلی نتیجة حاسمة متصلة بمفھومه بل مواقع استعماله في الكلام تقوم بذلك، وقد قلنا في ذلك البحث في مقدمة كتابنا "المیزان" ما یسمی بالأصول والمبادي:

"وقد اختار القرآن الكریم في أمكنة كثیرة أسلوبا أن جاءت ألفاظه عامة بظاھرھا ولكن یراد بھا الخاص بدلالة السیاق والسباق القاطعة، فمثلاً یذكر القرآن "الناس" ولكن لم یرد به أحیانا العرب كلھم فضلا عن سایر العالم، وورد فیه تعبیر "علی الدین كله" ولكن لم یرد به أدیان العالم كلھا. ویستعمل لفظ "المشركون" ولایستخدمه في الذین أشركوا. ویأتي بألفاظ "وإن من أھل الكتاب" ولم یرد به أھل الكتاب في العالم كله. و’أحیانا یأتي بتعبیر "الإنسان" ولم یرد به جملة بني آدم. فھذا ھو أسلوب عام للقرآن، إذا لم روعي یبطل مراد المتكلم أساسا في تفسیر المقام ویدخل الكلام في مكان غیر مراد فلابد أن یُبقی حكم وسیطرة عرف وسیاق وسباق القرآن علی ألفاظه وتعبیراته علی كل حال."

وھذه ھي نوعیة اللغة التي من أجلھا یطلب علماء القرآن ومحققوه أنه لابد من فھم بواطن الألفاظ كی تصل إلی مراد المتكلم ولا یحكم فقط بظواھر الألفاظ. وقد قام رسول الله صلی الله علیه وسلم بھذه الخدمة لكتاب الله وأوضح بأقواله مایتضمنه القرآن من مضمرات مما قد یصعب الوصول إلیھا للذین یتقاصرون في فھم ھذه الدقائق للفظ والمعنی. والإمام الشافعي یصر علی أنه لاینبغي الإعراض عن تفھیم النبي صلی الله علیه وسم وتبیينه ھذا علی أساس ظواھر القرآن وھو مصیب فیه. فإنه بیان للقرآن وبیانه لایكون مخالفا للقرآن. والرسول تابع لكتاب الله ومبین لمدلوله لا مغیر له. ویجیئ الإمام مرة بعد أخری بأمثلة لذلك في كتابه وینبه علی ما جاء به النبي صلی الله علیه وسلم مما یتصل بأحكام القرآن وھو بیان للقرآن لا غیر. وإن لم یذعن له فلا یكون ذلك اتباع للقرآن بل انحراف منه لأن منشأ المتكلم ومراده ھو ما یتضح من تفھیم وتبیین الرسول ولا یختلف منه.

ومن أصدق قولاً من الإمام الشافعي في ذلك! ولكن قد تطرق الضعف إلی استدلاله أنه لم یمكن من إثبات وبرھنة العلاقة بین اللفظ والمعنی في أكثر المواضع، التي یعبر بھا بالبیان وكذا من إثبات كیفیة حدوث العلاقة بینھما. فكانت النتیجة أنه اقتنع ببیان روایات عن النبي صلی الله علیه وسلم التي لایمكن أن تكون بیاناً في أیة صورة. علی أنھا كانت مظنة للبحث أن رواتھا ھل فھموا مراد النبي صلی الله علیه وسلم ورووه بطریقة صحیحة أم لا؟

فالذین اختلفوا مع الشافعي في ذلك ھذا ھو منشأ اختلافھم.

وقد حاولنا في "المیزان" أن نبرھن موقفه برھنة تامة لأنه صحیح مبدأیاً. ویمكن لأھل النظر أن یقرؤا ھذه المباحث في مبحث "المیزان والفرقان في مقدمة ’المیزان‘ بإسم الأصول والمبادي. مما تتضح ھذه الحقیقة أن ما جاء عن الرسول صلی الله علیه وسلم في الروایات عن أحكام القرآن ھو مضمر لألفاظ القرآن، والذي قد بینه النبي صلی الله علیه وسلم بتفسیراته. ولذا یجب علی طالبي القرآن أن یتربوا علی فھمه بالخوض في بواطن اللفظ وأن لایجسروا علی نسخ القرآن بھا أوردھا مطلقا.

(٢٠١١م)