logo

43- إتمام الحجة من الرُسُل

إتمام الحجة من الرُسُل

إنه قد خلق ھٰذا العالم للإمتحان. ونتیجته اللازمة الجزاء والعقاب والذي تم له تعيین یوم القیامة. ولإثبات ھذه الحقیقة علی معیار تثبت به التجارب والحقائق العلمیة بطریق التجارب المعملیة قد یقوم الله تعالیٰ بإقامة قیامة صغریٰ ھنا في ھذا العالم. والطریقة التي کانت تتبع لذاك أن الله تعالیٰ كان یرسل رسوله إلی قوم شاءه، والذي بدوره یُتم علیھم الحجة ثم قُضي علی ذلك القوم في ھذا العالم بإنصاف كامل. وتكون صورته أن ینجوا المؤمنون، أما المنكرون فجاءھم العذاب من العلي القدیر. یمحوھم من الأرض أو یعذبھم الله بعذاب المحكومیة الآبدة بالذلة والھوان. وقصص الأمم البائدة من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط والأمم الأخری كھذه، التي جاءت في القرآن ھي كلھا حكایة لھذا العذاب الالھي.

ویقول القرآن إن ھذا العذاب لم یأت علی قوم بغیر إتمام الحجة علیه من الرسل فقال: وما كنا معذبین حتی نبعث رسولا. ویمكن أن یُثار ھنا سؤال أن كیف یكون إتمام الحجة ھذا؟ فقد عُلم من تصریحات القرآن أن ھناك ثلاثة أشیاء لازمة لذلك:

أولا: تواجد رسول من الله في العالم یدعو قوماً إلی الإیمان به.

ثانیاً: یُمھل لھذا لقوم إلی أجل محدد، أن إذا شاء القوم یأتون فیه الرسولَ ویستمعون إلی كلام الله من لسانه مباشرا لأن وجه وصوت الرسول ھما معجزتان بنفسھما.

ثالثاً: تظھر معیة الله تعالیٰ للرسول ومن معه من أصحاب في مرأی منھم بدرجة أن لن یمكن معها إقامة رأي آخر. فقد قال الله تعالیٰ إنه لم یبق بعده عذر للقوم یعذرھم أمام الله: لئلا یكون للناس علی الله حجة بعد الرسل. فیؤمر المؤمنون إذا أمكن لھم. وإلا كانت تؤمر الملائكة أن تمطر علیھم بعذاب من الله سبحانه.

وكان النبي صلی الله علیه وسلـم رسول الله وقد بعث إلی أرض الله لإقامة تلك القیامة الصغریٰ للمرة الأخیرة. ومن ھنا أمر أصحابه صلی الله أن ینفذوا قضاء العذاب الالٰھي علی المنكرین بعد إتمام الحجة علیھم من الرسول فقال في مشرکي العرب:

 فإذا انسلخ الأشھر الحرم فاقتلوا المشركین حیث وجدتموھم وخذوھم وأحصروھم واقعدوا لھم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة فخلوا سبیلھم إن الله غفور رحیم. (التوبة: ٥)

وكما قال في أھل الكتاب العرب:

قاتلوا الذین لایؤمنون بالله ولا بالیوم الآخر ولا یحرمون ما حرم الله ورسوله ولا یدینون دینَ الحق من الذین أوتوا الكتاب حتی یُعطوا الجزیة من یدٍ وھم صاغرون. (التوبة: ۲۹)

ویتضح من سیاق الآیات المذكورة وسباقھا أن حكمھا كان خاصا بمشركي العرب وبأھل الكتاب المتواجدین في جزیرة العرب. ولكن رأینا أن خلفاء الرسول من صحابته الأبرار. عاملوا نفس المعاملة مع بعض الأمم والأقوام خارجَ جزیرة العرب أیضاً، والتي تتحدث عنھا ھذه الآیات. والظاھر أنه كان اجتھاداً منھم یمكن أن یصوب أو یخطأ. ولكن اجتھادھم كان صحیحا قطعاً عندنا. والدلیل علیه أن سائر الشروط المذكور أعلاھا لإتمام الحجة من الرسل كانت قد تمت بكل معنی الكلمة في حق ھؤلاء الأقوام والأمم أیضاً.

وتفصیله كما یأتي:

١. كان النبي صلی الله علیه وسلـم موجودا بنفسه في ھٰذا العالم إذ أرسل رسلَه إلی أقوام العالم یدعوھم إلی الإیمان به. وكل من له وقوف وإلمام بتاریخ زمان الرسالة أنه صلی الله علیه وسلم نبّھَھُم علی أنه رسول الله وأنه لم تبق لھم رخصة وأمان في الدنیا والآخرة بعد أن دعاھم إلیه إلا أن یقبلوا الإسلام. فھٰذه الرسالات قد كتبت وتم إرسالھا إلی النجاشي ملك الحبشة ومقوقس ملك مصر، وخسروا ابرویز امبراطور ایران وقیصر ملك الروم، وعظیم بحرین منذر بن ساوی، وھودَة بن علی صاحب الیمامة وحارث بن أبي شمر حاكم دمشق وجیفر ملك عمان. ومضونھا لم یختلف بكثیر. وھنا ننقل رسالته صلی الله علیه وسلم التي بعث بھا إلی قیصر كي یعلم منھا أن ما ھو أسلوب وشأن وإذعان ھذه الرسالات النبویة. فقد كتب إلی قیصر ما یلي:

"بسم الله الرحمن الرحیـم، من محمد عبد الله ورسوله إلی ھرقل عظیم الروم. سلام علی من اتبع الھدی. أما بعد، فإني أدعوك بدعایة الإسلام، أسلم تسلم یؤتك الله أجرك مرتین. فإن تولیت فإن علیك إثم الأریسین. ویا أھل الكتاب تعالوا إلی كلمة سواء بیننا وبینكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شیئاً ولا یتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشھدوا بأنا مسلمون. (رواه البخاری، رقم الحدیث٧)

۲. وھذه الرسالات قد كتبت في محرم الحرام السنة السابعة للھجرة بعد مرجعه صلی الله علیه وسلـم من الحدیبیة وقد عاش أربع سنوات كاملة بعد ذلك علی أقل حد. وفي أثناء ھذه المدة قد سافر إلی تبوك أیضا حذراً من أي إقدام عسكري من الروم. فلم تكن ھذه المدة قلیلة فكان بوسع أعیان وأعاظم رجالات ھؤلاء الأمم أن یزوروا النبي صلی الله علیه وسلم إذا شاؤا ویلتقوا بخاتم الرُسل علی أرض الله تعالیٰ ویروه بأم أعینھم.

٣. وكان ظھور المعیة الالھیة في معارك بدر وأحد وأحزاب وخیبر ضد مشركي الجزیرة العربیة وأھل كتابھا، كأنه إعلان من الله ورسوله لتعذیبھم، فكان إعلاما للأقوام والأمم الأخری أیضا حین كانت قریش مكة أنھزمت مع كافة قوتھا وھیمنتھا مطابقا لما جاء به القرآن من تنبؤات صریحة في ذلك، وأھلكت صنادیدھا وفتحت مكة وأخذت تولیة كعبة الله أول بیت بني لعبادته منھم. ودخل العرب في دین الله أفواجاً وحصل التمكن لدین الله ونفذت شریعته ولم تبق سلطة لدین آخر في أرض العرب. ولم یكن ذلك فقط، بل لما ھجم المسلمون علی الأقوام والأمم التي قد تم إطلاع وإخبار ملوكھم ورؤساءھم أنھم سوف ینھزمون بحكم إتمام الحجة علیھم من الرسول صلی الله علیه وسلـم ولا تبقى دولتھم في أرض الله الآن. فانكسرت دولھم وحكوماتھم وتناثرت في الھواء كبیوت الرمل، فھذه حقائق ثابتة للتاریخ ظھرت في مرأى ومسمع من الناس في ذلك الزمان. وما قام به الصحابة رضي الله عنھم قاموا بحكم تلك البراھین. واكبر الظن أنھم یضعون ھذه الحقائق أمامھم في دعوتھم. لأنه لیس لنا وجه لسوء الظن أن الصحابة كانوا يتخذون إجراءات ضد قوم ما أو علی شخص ما بدون إخبارھم إیاه بھٰذه الحقیقة.

(۲۰١٦م)