logo

41-أساس القانون

أساس القانون

إن الإنسان خُلق حرا فلیس محكوماً لأحد سوی خالقه جل وعلا. وعلیه فلا یحق لأحد فرداً كان أو دولة، أن یقید علی علمه وعمله بأي تقیید أو يتخذ إجراءات ضد شخص ما علی نفسه وماله وعرضه. فھذه الحریة حقه المولودي وھبت له من خالقه سبحانه. ووثیقة حقوق الإنسان الدولیة إظھار لھٰذہ الحقیقة. تسلمتھا الأمم الدولیة كافة وضمنتھا في دساتیرھم بعدم إخلافھا. وذلك یدل علی أن شعور ھذه الحریة مستودع في فطرة الإنسان وھو مجبول علی أن لا یسلبه أحد فردا كان أو مؤسسة أو دولة.

وقد وجھھم النبي صلی الله علیه وسلـم إلی ھذه الحقیقة بمناسبة حجة الوداع حین قال في أسلوبه البلیغ:

"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بینكم حرام كحرمة یومكم ھٰذا في شھركم ھٰذا في بلدكم ھذا. (رواه البخاري: رقم الحدیث ٦٧)

ولكن ھل حریة الإنسان ھٰذه وحرمة دمه وماله وعرضه حرمة مطلقة؟ الجواب علی ھٰذا السؤال لا. إنھا تنتھي یقینیاً إذا أتلف حقا أو تعرض للإقدام علی نفس إنسان آخر وماله وعرضه. فھنا یتفق الشعور الأخلاقي للإنسان وشریعة الله كلاھما أنه بعد ذلك یحق لكل اجتماع أن یسلبه ھٰذه الحریة وینكر حرمة دمه وماله وعرضه.

إن ھٰذا ھو الأساس في الواقع للتقنین في إدارة الدولة. فإن تقنین جمیع التشریعات یتم لمنع الناس من إتلاف الحقوق وارتکاب التعدي أو لتأدیب المرتكبین للتعدي. فمن ھنا ینطلق كل حقوق التقنین لكل إدارة ولكل حكومة ولكل برلمان وینتھي إلیه.

وما أمر الله تعالی به الإدارة الجماعیة للمسلمین لتعقیب وتأدیب المرتكبین لجنایات القتل، السرقة والزنا، والقذف والحرابة ذلك أیضا متأسس علی أن ھذه الجرائم كلھا اعتداءات علی نفس الإنسان ودمه وماله وعرضه. وعلیه لما ثارت قضیة التشریع لشاربي الخمور في زمان الخلافة الراشدة فتقدم سیدنا علیؓ متأسسا رأیه علی ذلك أن المرتكبین لشرب الخمر یُعاقبون عقوبة القذف، لأنھم "إذا شربوا سكروا وإذا سكروا ھذؤا ھذیانا وإذا ھذءوا اتھموا الناس كذباً". (أنظر بدایة المجتھد ۲/٣۲۲) وھذا یعم لأمور أخری من نكاح وطلاق وتقسیم الوراثة وما إلی ذلك من أمور. فكلھا تتعلق بالدولة إذا لم یؤد شخص حقوق الله التي عینھا في ھذه الأمور ویرتكب ھكذا جریمة الإتلاف. وقانون استئیذان الزوجة الأولی للنكاح الثاني وقانون عدم جواز نكاح الصغیرة في دولة باكستان تم تشریعه آخذا بھٰذا المبدأ. فكل حكومة في العالم وكل إدارة التقنین مسئولة لإثبات جواز تشریعاتھا وضوابطھا بھذا الأصل، ویحق للناس أن یستعرضوا جمیع تشریعاتھا في ضوء ھذا الأصل وإذا رأوا أن ھناك قانوناً أو ضابطا غیر متأسس علی ھذا الأصل أنكروه ولم یخضعوا له.

ولذا فإن أقدمت حكومة ما علی سبیل المثال علی وضع قانون أن لیس للناس أن یتظاھروا بشعاراتھم الدینیة مثلاً الحزام والصلیب، العمامة والسیف، أو أن یعطوا جزءا كذا وكذا من أموالھم إذا طلقوا نساءھم، أو لا یحلقوا لحاھم أو لایلبسوا الخرز ولا یستمعوا إلی الموسیقی أولا تلبس النساء النقاب ولا یرتدین الخمار علی رؤسھن، أو وضعت تشریعاً علی عكسه أن المرأة لاتخرج من البیت بغیر النقاب أو لاتعزم الحج والعمرة بدون محرم أو لا تشارك في السیاسة والتصویت ولا تسوق السیارة أو لاتحترف بالوظیفة الفلانیة والفلانیة فإن الحكومة تعدت حدودھا یقینیاً. فأي شیئ مما ذكر آنفا إن كان حكماً شرعیا فإن الناس مسئولون عند الله في صدد الاتیان به أو إخلافه. فلیست لحكومة ما إجراء تشریعات وإصدار أوامر في الأمور كھذه. لأن الله تعالیٰ قد صرح صراحة تامة أن من الأحكام الإیجابیة الدینیة الصلاة والزكاة فقط حكمان أن يحق للحُكم الجماعي الإسلامي أن یطالب المسلمین امتثال الأمر فیھما. وبعد ذلك علیه أن یخلي سبیلھم ولایجبرھم لتنفیذ شیئ علیھم بطریق السلطات التشریعیة وقال تعالیٰ:

"فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوٰة فخلوا سبیلھم. (التوبة: ٥)

فقد أمر نبي الله صلی الله علیه وسلم بھذا حین كانت الحكومة الالٰھیة قائمة علی الأرض، وقد كتبت تفسیراً لھذه الآیة:

وذلك یعني أنه لایُطالب مسلم أكثر من ذلك علی الصعید الحكومي والقانوني لتحقیق مقتضیات الإسلام وواجبات الإیمان لأنه إذا لم یأذن الله لرسوله في حكومته ھو أكثر من ذلك فمن أین یُؤذن للآخرین ذلك. (البیان، الجزء الثاني، ص ٣۲٥)

(۲۰١٥م)