علی وفاة الوالد
قد ارتحل من الدنیا الشخص الذي كان وجوده لنا بمثابة ظل رحمة الله علینا. فقد توفي والدي في صباح ١٩ من ینایر عام ١٩٨٦م. وكان یتمنی أن یلقی ربه وھو یسیر علی أقدامه. واستجاب الله له دعاءه ھذا فإنه إذ ذھب إلی فراشه ما كان یظن أحد أنه لا یری صبح الیوم المقبل. إنه نھض من النوم لصلاة التھجد حسب عادته وتوضأ وأخبرنا أنه یواجه صعوبة في التنفس. وذھبنا كلنا إلیه، وكنا نرى أنه ستستقر حالته عن قریب. ولكن نفسه ما كان أن تستقر. وكنا قائمین عند فراشه ورأیناه لعله كان یرید أن یضطجع فساعدناه فوضع رأسه علی وسادة ولفظ نفسه الأخیر في ثوان.
إنه بدأ سفر حیاته مع بدایة ھذا القرن العشرین. ولما كان إبن عشرین ونیفا تقریباً تقدم إلی واد التصوف. وظل طول حیاته متشبثا بذیوله. ولم یتوخ سبیل الرخصة فیما اعتقده دینا. وكان یجب شیخه حبا شدیداً. وكان یستشھد مرات ببیت ما مفھومه" إنی شغف قلبي حبه منذ صغري وكان ما كان"
وكان ھناك تباعد كبیر بین نظریاته وأفكاري بعد السماء والأرض. وكان یحاول أن یقنعني بمذھبه واتقدم بما ثبت من الكتاب والسنة في ذلك، وأحیانا جرّ ذلك إلی قیام الجدل والمناظرة بیننا. ولكن بحمد الله لم یتولد قط تنافر وتباعد في علاقاتنا الودیة. وظل مقیماً عندي ومن الحق أنني لم استوف خدمته كما ھي حقه ولا ریب أنه استوفی حق حبه لي استیفاءً كاملاً وكانت حرفته أباً عن جد إجارة الاراضي، وبعد وفاة الجد المرحوم شغف بحرفة الطب ثم ظل شغوفا به وما أقل ما بذل منه علی نفسه وعلی أھله وعیاله مما یکتسبه به. وكم نذر كل ماله لشیخه. فقد ظل غیر متعلق بدنیا وما فیھا من ذخارف. وظل مطمئنا وقائماً علی روتینه فی السراء والضراء سواء. یغدو صباحاً ویقفل مساءً في أكثر الأوقات وكلما رأیته خارجاً أحسست أنه شغوف بسفر بلا نھایة لا منزل له، كأنه یقول بلسان الشاعر الفارسي ما مفھومه:
ذقت لذة السفر والطیران فلم استقر بمنزلي فتارة جلست علی فروع زھرتي وتارة وجدتني علی شاطئ النھر.
فكما كان یجلس عند شخص ما لثوان عدیدة وھو في طریقه فقد قعد مثل ذلك وانتھی سفر حیاته. ولا ریب لیس لنا علم بنھایة سفرنا أین ومتی. ولكننا نعلم علم الیقین أنه مختتم لا محالة فإن الحقیقة الكبریٰ لھذا العالم،
أن كلنا نسیر إلی واد الصامتین وھو نھایة سفرنا.
(١٩٨٦م)
