logo

4. قافلة بعد قافلة

قافلة بعد قافلة

الزمن الذي كنت فیه في ریعان شبابي كان زمن التنظیمات والمؤسسات التي قامت للثورة الإسلامیة. والإنسان یتأثر بما حوله من نظریات وأفكار. وانطلاقاً منه نحن عدة من الاخوان والأصدقاء في أیام الطلب في الكلیة قد عزموا علی إقامة معھد بإسم "دائرة الفكر" وأبرزھم كان صدیقنا الحمیم الدكتور ساجد علی وھو الآن یترأس قسم الفلسفة في جامعة بنجاب. فكان عندي حجرة مكتریة علی شارع ''لنك میكلود'' وقد كنت عزمت علی إجراء مجلة شھریة "خیال" من ھناك فابتدأ ذلك المعھد من تلك الغرفة. وكان یھدف إلی إقامة حركة للثورة الإسلامیة یعمل لھا ھذا المعھد كمركز علمي وبمثابة مركز القیادة. وكنا أردنا تأسیس دارالعلوم أیضا لأننا نرید أن خریجي ھذه الدار سوف یقودون الحركة في المستقبل. وكان ھذا تصوراً رومانسیا فكنا نتصور وقتئذ أن ما فاتته جماعة السید أبي الأعلی المودودي سیُتدارك بھذا الطریق. فما زلنا نتلاقي ونتدارس في تلك الحجرة لشارع لنك میكلورد لمدة ثلاثة أشھر أو أكثر ثم شعرنا أن الھدف الذي نستھدف إلیه یطلب أن نقضي معا وقتا أكثر مما نقضیه الأن ولذا قطع أخواننا الذین یسكنون في دار الإقامة أن یغادروا إقامتھم ونكتري داراً بمبلغ یحصل لھم من جمع مصروفات الجیب ومصروفات الإقامة، حیث یقام مركز للحركة. وبیتي یقع في ذلك الزمان في حي سلطان فورة، بقرب محطة القطار بلاھور ووجدنا بیتاً قریبا منه بعد البحث عنه فتم انتقال جمیع الأصدقاء فیه. واقترحنا إسم "جامعة الحمراء" لذاك الدار الذي كنا نرید اقامته، وبمناسبة ھذا الإسم اعتزمنا إخراج مجلة "الحمراء" وبتشاور الأصدقاء تم القرار لطباعة المجلة علی تنضید الحروف لا علی طریقة الكتابة التي تنضد فیه الحروف وتشكل العبارة بجمع الحروف. والذین جربوا بھذا النمط الطباعي یعرفون أنه معرض للأخطاء الكثیرة التي تحتاج إلی تصحیح بدقة النظر وثقوب البصر. وحدث معنا حادث أن سلمنا القراطیس المصححة إلی أصحاب المطبع واطمئنا أنھم سوف یقومون بتصحیح الأخطاء ولكن إذا جاءتنا المجلة المطبوعة علمنا أنه لم یتم ھناك تصحیح أي خطأ فلم یكن لنا بد سوی إضاعة النسخ المطبوعة.

وكان ذلك أول حادث واجھناه بسبب عدم التجربة وثُني بأن اضطررنا إلی تخلیة الدار التي اكتریناھا وكنا سنستعمله كمركز لحركتنا في الأشھر العدیدة القادمة. ولم نعثر علی الدار الجدید إلا بعد مشقة شھور وھي واقعة في قسم J لمادل تاون ورقمھا ٢٩، فحمدنا الله أن لم یطل زمن التعطل وبدأنا العمل من جدید.

وفي ١٩٧١م في شھر یونیو صادفنا بالالتقاء بمحامي من لاھور إسمه الجودھري محمد أنور وكان معه صدیقه سید بدر بخاري أیضا بمناسبة اللقاء به. وتأثر الصدیقان بمشروعنا الدعوي فجاءنا باقتراح أنه تقام حلقة لدرس القرآن الكریم في حیه بشارع علامه اقبال للتقدم بھذا العمل الدعوي. فأقیمت الحلقة في السابع من یولیو لتلك السنة نفسھا وھكذا حصل لنا إرشاد وتوصیة من رجال كبار عدة. كان البارز منھم السید أرشد بخاري والشیخ محمد أرشد. وكان صدیقان مؤظفان في شركة وافدا وكانا یحضران من قبل في دروس الدكتور أسرار أحمد بصورة منضبطة كبیرة وكان الدكتور یلقبھما بـ "الأرشدین".

واستمرت ھذه السلسلة للمدارسة لسنتین تقریباً وقد ارتبط بنا الكثیر من الناس ولذا تم نظم الحركة ونسقھا في إمارة السید بدر بخاري. وكان الشیخ عبد الرحمن المدني أحد كبار علماء أھل الحدیث یسكن قریباً منا فقد شارك في ھذه الحركة كما اتصل بھا بعض المشاركین الآخرین للدرس، ولكن لم تطل الحركة طویلاً لأن الشیخ بدر البخاري كان في مرحلة عمره مما یشكل علیه قیادة الحركة كھذه ولذلك قد انھیت الحركة في شھور عدیدة بعد التشاور مع الأعضاء.

وفي مارس ١٩٧٣م قد قمنا بإصدار مجلة "إشراق" من "دائرة الفكر" وكنا نری أنه إذا حصلت الإجازة الرسمیة لأ صدرناھا کمجلة شھریة منتظمة ونبلغ رسالتنا عبر ھذا المجلة إلی الجماھیر، ولكن بعد قلیل علمنا أن حصول الإجازة عسیر صعب فلم نتمكن من العمل بھذا المخطط. وبعد عدة شھور طلب منا صاحب الدار الإضافة في الاكتراء و لم یمكن لنا في تلك الأحوال المتأزمة استجابة طلبه فبسببه اضطررنا للتخلي عن ذاك الدار في مادل تاون. ثم بقینا لعدة شھور متناثرین وبقیت المؤسسة معطلة.

وبعد المشقة الشدیدة وجدنا داراً آخر في أحمد بلاك لغاردن تاون واجتمع الأصدقاء مرة أخری واستأنفت سلسلة الدرس والمدراسة من جدید. وبعض الاخوان لم یرتضوا باسم "دائرة الفكر" فاخترنا إسم"دار الاشراق" مكانه لمعھدنا. ومن الطالبین الذین اتصلوا به فی البدایة بقیت أنا وساجد فقط. أما الشیخ أفضال احمد ومستنصر میر والجودھري إلیاس أحمد ومحمد رفیق فکانوا زملاء جدیدون معنا.

وصدیقنا ذوالفقار أحمد خاں أیضا من بقایا ذلك الزمان. والذي كان یسكن قریباً منا. ما كان زمیلا للمعھد ولكن یعد من أصحابه وكذلك كان أصغر نیازي ومحمد طارق میكش فكانا مقیمان معنا بسبب علاقة الصداقة.

وفي ذلك الزمان كان یتاح لي الشھود في حضور الشیخ المودودي، فذھبت إلیه ذات یوم وذكرت عملي ھذا له فاستفسر عن التفاصیل واستعلمني بتعریف الزملاء له. وذكرته مشكلاتي والموانع التي تسبب التعرقل والتعطل مرة بعد أخری والتمست إلیه أن یشرف علی نشاطاتنا فتفضل بالقبول لِھذا الملتمس. ثم تم فتح الحساب المشترك بیني وبینه في البنك 'الحبیب' لاچھره لاھور وبدأ المولانا جمع ألف روبیة شھریا من جیبه الخاص، وانتقلنا من قطعة أحمد بلاك إلی مبنی معطاة لنا من قِبله في ١- اے ذیلدار بارك اچھره. وكان المولانا یریٰ أن معھدنا سوف یقوم بفعالیاته كفرع "لإدارة المعارف الاسلامیة" أو كإدارة جدیدة أخری. وقد كنت اخترت قبل عام عضویة الجماعة الإسلامیة. ولكن لم یرتض بعض كبار الجماعة بما أمر به الشیخ المودودي عن أعمالی وبدأت حملة جدیدة ضد كل ذلك وما مضت سبعة أو ثمانیة شھور حتی شعرت بأنه لم یمكن لنا العمل ھناك في تلك الأحوال وقد أبلغني أسلم سلیمي رغبة الجماعة أنھا ترید إقامة مركز الانتخابات في المبنی الذي یسیر فیھا معھدنا فھذه الأوضاع کانت تطلب منا أن نخطو خطوة جدیدۃ. فتشاورنا وأخذنا الإذن من الشیخ المودودي ثم ارتحلنا إلی "مریدكے" قریة الأخ إلیاس أحمد متجاورة بلاھور علی دعوته ھو، ووصلنا إلیھا في أواخر سنة ١٩٧٦م وتلقینا فی ١١ ینایر من ١٩٧٧م كتاباً من الشیخ فتح محمد أمیر حلقة بنجاب للجماعة الإسلامیة أطلعنا به أن عضویتي في الجماعة الإسلامیة قد تم إنھاءھا. وكان عبارة عن سطرین فقط قضت علی عضویتي بدون أدنی اشارة إلی الأسباب الداعیة له. وكان الشیخ میاں طفیل محمد أمیراً للجماعة الاسلامیة بباكستان فكتبت إلیه كتاباً وطلبت منه سرد أسباب ودواعی لھذا القضاء ولكنی حرمت من الإجابة علیه.

وھذا الوصل والفصل كان تجربة ھامة في حیاتي، فأثناء ھذه البرھة من الزمن قد شھدت عن قریب رجلا عظیما جدا، صلیت معه صلوات كثیرة وتحدثت إلیه حدیثا طویلا وتأدبت بأدابه وأخذت منه دروسا للصبر والحكمة وفھمت منه دقائق البیان واللسان. وسمعت منه شفاھا وجھة نظره عما جری في "ماچھی گوتھ" وما حدث قبله وما بعده وتبادلت معه الآراء عن اختلافه العلمي مع الشیخ الإصلاحي. وسمعت منه انطباعاته الودیة للإمام الفراھي كما سمعت منه حكایات حبه لأبي الكلام آزاد ومحمد علي جوھر والعلامة إقبال. فھذه اللقاءات معه ھي رأس مال الحیاة لي وأنا أذكر المولانا المودودي حتی الآن كما یذكر الولد المھجور أباه، واعتقد جماعته بمثابة إخواني. وبالرغم من الخلافات الكثیرة للنظریة وأسلوب العمل أشعر بھم علاقة الحب معھم كما یشعر أي شخص مع أسرته. والذین حملوا لؤاء الحملة المعارضة لي لعلھم لایعرفونني ولذا لا أشكو بھم وأحسن الظن بھم أنھم لم یفعلوا بما فعلوا به إلا لصالح الجماعة في ظنھم. والمولانا قبل ذھابه إلی أمریكة في اللقاء الأخیر معه قد قال لي:

" یا أخي لي توقعات كبیرة منك. علیك أن تصغی كل الإصغاء إلی ناقدیك وإذا تنزلوا إلی الحضیض فاختر طریق ''إذا مرّوا باللغو مروا كراماً'' معھم. فإن أرادوا تھیجبك وإثارتك فباالرغم من كل افتراءھم وبھتانھم لاتثر ثم یكون الله معك وتھزم أعداءك في مجالك أنت إن شاء الله".

 وأضع دائما نصائحه لي ھذه أمامي في كل تقلبات الحیاة. وكان من أثر ذلك أنني كما قال الشاعر

أنا في ھذه الغابة المظلمة أخرج من كل شجرة الببول أشجاراً للسرو والسمن صباح مساء

وقد كنت اذكر كیف انتقلنا إلی ’مریدكے‘ من لاھور إذ تذكرت اللقاءات مع الشیخ المودودی وبعدت فی السرد كما یقال "كانت الحكایة لذیذة فأطلت بیانھاً" وزمیلنا الجدید ملك محمد اشرف كان متزوجاً وبعد المجیئ ھنا نحن – أنا ومستنصر میر – كلانا قد تزوجنا أيضا فلم یمكن لنا الآن البقاء علی منھج دار الإقامة، وتغیر الأوضاع كان یقتضي أن یكون ھناك تدبیر معقول لكفالة الزملاء فحاولنا لھا محاولة كثیفة ولكن لم نتمكن من توفیر الوسائل اللازمة لذلك. فتوصلنا إلی نتیجة حاسمة بعد بذل الجھود المستطاعة لعامین، أن لیس ھناك مندوحة إلا أن نطوي بساط المعھد مرة أخری ففي أحد مساءات ابریل ١٩٧٨م قطعنا الأمر بعد بحث وتمحیص عدة أیام. وزملاء السنوات اضطروا للرجوع إلی بیوتھم وفي قلوبھم قلق وأسف. وفي الوقت نفسه أحرزت الإجازة الرسمیة لإصدار مجلة "إشراق" وكان بإسم مستنصر میر. فصدر أول عددھا في ینایر ١٩٧٩م وكان افتتاحیة العدد علی الموضوع نفسه فقد كتبت فیھا:

 "في نوفمبر عام ١٩٧٥م قد وجدت أكادیمیة دار الاشراق ظلت تعمل بانتظام إلی ابریل ١٩٧٨م في قریة مریدكے بعیدة من لاھور بمسافة ٢٦ كلومترا والآن معطلة منذ شھور. البعض من زملائي رجعوا إلی بیوتھم بعد بذل الجھود الكبیرة لشھور عدیدة والبعض منھم سوف یرجعون. وكان ھذا عملاً بدأ ومرّ بمراحل عدیدة للسعي الحثیث إبقاءً علی وجوده ووصل إلی نھایته. وأحبائي یلحون علي أن أكتب شیئا عن بدایته ونوعیته والأسباب الداعیة لتعطیله لكي یھب الناس الذین یریدون إحیاءه وإذا كان لدیھم من عزم وإرادة قاموا بتفعیله. أنی لا أعلم متی سیستأنف العمل مرة أخری ولكنی استطیع أن أقول إنه لم یثبط من عزمي شیئ وأنا مؤقن بأن ھذا العمل یستحق الجدارة ولي شعور كامل بأني استطیع أن آتي به. فإن شاء الله تعالی سوف تستأنف ھذه القافلة عملھا. ولا اعتقد أنھا قد انتشرت ولكني اُحس أنھا نزلت في منزل الإستجمام والاستراحة، لعله للتزود ولعله لاستیئاف سفر جدید وأناأسمع صوت الجرس وأخذت القلم بیدي.

وأضفت قائلا:

"إن ذلك كان متضحا أمامی أن ھذا العمل لیس عملاً جزئیا. فمن یجیئی لأجله علیه أن یجیئی للیوم واللیلة والحیاة كلھا. وكنت أعلم أنه یجب علی المعھد أن یتكلفل كل حاجیات من سوف یأتیه لبذل كل ما یحوزون به في سبیله ولذا انطلقت من بدایة الأمر من جھتین البحث عن رجال العمل والبحث عن توفیر الوسائل اللازمة لھم.

ولي إحساس شدید أن طبیعتي ھي أنسب للأمر الأول وھي غیر أنسب بالكلیة للأمر الثاني. وانتج ذلك أن نجحت نجاحا بارزا في جمع أرباب العزم وأولي الھمة ومع ذلك فقد فشلت كل الفشل في البحث عن الوسائل والإمكانیات.

ولیس ھناك مناسبة أن أحكي ھذه الحكایة بتفصیل وتحلیل فإنھا حكایة فرھاد بغیر عمود وقصة إرواء غلیل الأشواك بدم القلب ولذا أوجزت ایجازاً كاملاً ھنا. نعم قد یكون ذلك شاقا علی الاخوان ولكن كان ھذا وقتا مناسباً لحكایتھا فعسی ألا یكون التفات المحبین بعد.

ومتی ابتدأ ھذا العمل قد كتبت عن ذلك. وكانت البدایة صعبة فإذا استھلت اتصل بھا الأصدقاء والاخوان من حین لآخر، حتی بلغ عددھم إلی سبعة زملاء في ١٩٧٥م ومن بینھم كان أفضال أحمد ومحمد أشرف حاملا الماجستیر في علم المعیشة والأخ ساجد علي في الفلسفة وإلیاس أحمد في علم السیاسة ورفیق أحمد في اللغة العربیة ومستنصر میر في اللغة الانجلیزیة والأخ منصور الحمید كان حامل شھادة ما یُسمی بـ ایم بی بی ایس في الطب واضافة إلی ذلك الأخ مستنصر میر قدأحرز أيضا شھادة سی ایس ایس وأخذ التربیة والتدریب في الأكادیمیة المدنیة (سول اكیڈمی) وقد شمل في قافلتنا، قافلة الفقراء. بعد إكمال تربیته ھناك وقبل بضعة أیام من توظیفه.وإیثار كل واحد من ھؤلاء لا نظیر له، والكل فتیان حاملوا كفاءات ومؤھلات كبیرة. ومن الحقیقة أن تاریخ الاكادیمیة یتمتع بكل ما كان لدیھم من عزیمة، وذوق العلم، وجمال السلوك وحرقة القلب. واعتقد أنی استفدت بھم استفادة جیدة. ولي إحساس أنھم كانوا قادرین علی إعطاء المعھد المقبل الكثیر ولكن لم یتمكنوا من القیام بممارساتھم بسكون وطمأنینة حتی لعدة شھور. فإن قلة الوسائل المالیة قد تسببت التعطیل في ھذا العمل مراراً وتكراراً. فكل تاریخ ھذا المجمع مفعم بالأزمات المتواصلة فقد انتھی التدریس ھنا وابتدأ ثم انتھی مرة بعد أخری. ومع ذلك نحمد الله علی أن تمت ھنا بعض الأعمال وبقی القلیل، واعتقد أنه إذا أتیحت الفرصة لسنة أو لسنتین لاكتملت المرحلة الأولی من جھدنا. والآن كل شیئ معطل. ونحن العدید من عباد الله عزوجل الضعاف ساعون في إحیاء ھذا العمل بعزیمة جدیدة في أرض ’مریدكے‘ العقیمة ولا نعلم متی تنتھي مرحلة التعطل ھذه ولكن أرجوا الله عزوجل أنه لا یضیع ھذا العمل''.

وھنا انتھت المرحلة الأولی من جھدي، وكنت أری بعد الرجوع إلی لاھور أن سوف أصدر الآن المجلة فقط وقد حصلت الإجازة الرسمیة لمجلة "إشراق" بإسم مستنصر میر غیر أنه لم نصدر إلا عددین له أن خطط الأخ مستنصر میر للذھاب إلی أمیركة ثم إنه كان بیني وبینه بعض الخلافات عن سیاسة المجلة ولذا لم تكتمل أمنیتي ھذه واضطررنا إلی إغلاق "إشراق" مرة أخری.

وفي ذلك الوقت بعض الطالبین كانوا یزورونني لیتعلموا مني بعض الكتب في آداب اللغة العربیة، وكان من أبرزھم المولانا أبوشعیب صفدر علي وسعود أكبر پاشا. وكان ابوشعیب ولد الشیخ غلام نقش بند الذي كان تلمیذا رشیدا لمولانا حسین علي ''وان بھجراں'' وكان عالما بارزا جیدا لسرگودھا. ونظراً إلی كفاءاته الكبیرة كنت أرید منه أن ینتقل إلی لاھور. ومن الذین تعاونوا معنا تعاونا كبیراً في زمن الابتلاء لمریدكے كان أحدھم الدكتور فروخ حسین ملك وكان ینتمي إلی " طبقتنا " وحین استلفتت انتباھه إلی ضروریات العمل الدعوي فتلبیتاً لدعوتي قد قام بتأسیس "مؤسسة فروخ" وأعطي اھتمامھا إلی الشیخ صفدر میر والد مستنصر میر. وبإیعاز مني قد أراد إصدار مجلة باسم "الإعلام" ومع أنه كان اسمي أیضا علی لوح المجلة لكن تم تعیین الأخ ابوشعیب كمدیر للمجلة نظرا إلی الضروریات العملیة وقد سُررت جدا أن تيسرت الأسباب الضروریة لإقامة أبی شعیب بلاھور كنتیجة لإصدار المجلة، ولكن لم تستمر ھذه ھي الأخری لمدة طویلة فإن الأخ ابوشعیب قد نال وظیفة في جامعة بنجاب بعد سنة أو سنتین وأغلقت المجلة.

وكانت ھذه الأیام حینما عرضت علی الأستاذ الإمام أن ینبغي أن تم تحویل حلقة تدبر القرآن إلی مؤسسة منتظمة. وقد قامت ھذه الحلقة بعد مغادرته الجماعة الإسلامیة، فأجاب الشیخ علی اقتراحي وقد كتبت دستور الحلقة بإیعاز منه فقامت المؤسسة باسم "إدارة تدبر القرآن والحدیث" ومجلة "تدبر القرآن" الفصلیة تصدر من ھذه المؤسسة وقد أزمعت أن أعمل كزمیل لھا تحقیقاً للمقاصد التي نھدف إلیھا. ولكن اتضح لي علی عجل أن شیوخ الحلقة لا یرتضون به فكان یناسب لي بعد أن لم ازل اعمل علی منھجي أنا دون إحداث أي نزاع معھم منعزلا عن الإدارة.

وكانت جماعة من الطالبین آنذاك یقرؤن علي وكان منھم نعیم رفیع وكان كلما یزورني یلح علي إلحاجا أن یجب إحیاء ذاك العمل الذي قد انتھی في عام ١٩٧٨م وبسبب التجارب الماضیة لم أكن لأرضي به. ولما صاحبه بعض الزملاء الآخرون أمثال خالد ظھیر وآفتاب الشمسي في ھذا الإصرار والإلحاح فأجبت أخیراً لدعوتھم. فتم تشكیل ھیئة منتظمة في إمارة الأخ سعید نواز الذي كان كان أكبرنا سنا. وتم عقد جلستھا الافتتاحیة في قاعة جناح بلاھور وحضره كثیر من العلماء والفضلاء وأصحاب الفكر والقلم. وتولدت منھا تلك المؤسسة في یونیو عام ١٩٨٢م والتي تقوم الیوم في ٥١ مادل تاؤن، لاھور باسم "المورد". ثم بعد مدة قصیرة تم إحیاء مجلة إشراق من جدید فی عام ١٩٨٥م واستمرت تصدر كمجلة لسنة أو سنتین ثم في عام ١٩٨٧م حصل لي الإجازة الرسمیة لھا. وأحمد الله علی أن ھذه المجلة لم تزل تستمر صادرة حتی الیوم بغیر أي انقطاع. وابتدأت مجلة رینی سان (الانجلیزیة) تصدر منذ عام ١٩٩٥م وما تزال تصدر وإدارتھا منذ أول یومھا مفوضة إلی الأخ شھزاد سلیم. ومجلة إشراق كانت مفوضة إلیّ ولكنی قمت بتفویضھا أیضا إلی ولدي جواد أحسن. وأرجو ان تظلا تصدران بإذن الله وعونه ھكذا. وفي أثناء الخمسین سنة قد جاءت إدارتان أخریتان في حیز الوجود ونسبتا إلیّ وھما "الأنصار المسلمون" ودانش سرا" ترأسھا رجال كبار من أمثال الشیخ وصي مظھر ندوي والدكتور محمد فاروق خان ولكنھا لم تطل حیاتھما الا لبعض الأعوام. غیر أن مؤسسة "المورد" لا تزال قائمة منذ ربع قرن من الزمان وتوقعاتي أنھا تظل قائمة بعنایة الله سبحانه و تعالی. نعم مضی علیھا أیضا زمن الابتلاء والتعطل بعد عام ٨٧م ولكن تم إحیاءھا في ١٩٩١م بفضل المساعي الجبارة المشكورة لصدیقنا الكریم الأخ ألطاف محمود رحمه الله ولم یتخللھا أي خلل في أعمالھا وفعالیاتھا بعد ذلك.

وھذه الإدارة أقیمت علی شعور أن عملیة التفقه فی الدین في المسلمین لم تبق علی النھج السوي المستقیم ولذا فإن الدعوة الدینیة المبنیة علی أسس القرآن والسنة خالصتاً والمنعزلة تماما عن التحزبات المذھبیة والتعصبات السیاسیة صارت غریبة نكرة للمسلمین. وأصبح القرآن الكریم وھو الأساس للدین، مجالا للحفظ والتلاوة فقط. والعلوم التي قد تكون آلة موصلة إلی القرآن علی الأقل، صارت مقصودة بالذات. أما الحدیث النبوي فقد تم انقطاعه بأساساته المتواجدة في القرآن والسنة وراح كل الإرتكاز علی تحصیل الأصول والفروع لمدرسة خاصة وإثبات علوھا وفضیلتھا مقارنة بالمذاھب الأخری.

فقد تأسست ھذه الإدارة لإصلاح ھذا الوضع الحالي. ولذا فإنھا تھدف أساسیاً إلی القیام بأعمال علمیة وتحقیقیة متصلة بالعلوم الإسلامیة أولا ثم نشرھا واشاعتھا علی نطاق أوسع بكافة الطرق المتاحة ثانیا ثم الإھتمام بتعلیم و تربیة الناس وفقا لذلك ثالثا. والمنھج المختار لحصول ھذا الھدف یتلخص بما یلی:

١. أن یكون الإھتمام بالتذكیر بالقرآن علی الصعید العالمي.

٢. الاھتمام بتعلیم القرآن الكریم والسنة النبویة وتعلیم التشریع الإسلامي والإیمان وتربیة الأخلاق وفقا لھا.

٣. إتاحة الزمالة العلمیة للعلماء والباحثین الصحیحي الفكر وتوفیر التسھیلات اللازمة لھم لأعمالھم العلمیة والدعویة والتحقیقیة.

٤. تحریض الناس وبعثھم علی ان یقیموا حیثما أمكن لھم:

(ا). مدارس ومعاھد دینیة للعلوم الدینیة تھدف إلی إعداد العلماء والباحثین صحیحي الفكر والعقیدة.

(ب) إقامة مدارس ذات المستویات العالیة إلی درجات ایف اے، ایف ایس سی ودرجه A، تھدف إلی إنماء الكفاءات الإبداعیة للطالبین وتربیتھم الدینیة وتھذیب أخلاقھم.

(ج) إقامة مدارس أسبوعیة لتربیة طلاب المدارس العامة ترسخ فیھم دعوة القرآن عن طریق القرآن نفسه حتی یتمكنوا في المراحل القادمة لحیاتھم أن یقوموا علی الدین بكل انشراح صدر وطمئانینة.

(د) إقامة زوایا وتكایا حیث یلتجئی إلیھا الناس تاركین لأشغالھم الدنیویة من حین لآخر ویستفیدون بصحبة العلماء والصالحین الأبرار ویتعلمون منھم الدین وأن یھتموا بتزكیة القلوب وتھذیب النفوس معتكفین للذكر والعبادة لأیام عدیدة. فھذه المؤسسة محور كل أعمالي ومساعي الأن. وقفت ما بقي من أیام حیاتي لھا ماعدالأعمال العلمیة وادعوا المولی تعالیٰ أن یرزقنا الإخلاص فی العلم والعمل.

ولیس ذلك علی الله بمستنكر.

(٢۰۰٧م)