logo

53- قضیة رؤیة الھلال


قضیة رؤیة الھلال

قد عین الله عزوجل شھر رمضان للصوم وشھر ذي الحج لأداء الحج. وھٰذان شھران قمریان. فظل السُؤال قائما من صدر الإسلام أن كیف یتم تعیینھما؟ وكان الناس مطلعون قبل التقدم الھائل الذي حصل في علم الفلك علی أن الشھور القمریة لاتزید علی ثلاثین یوماً. غیر أن المشاھدة العامة تشھد علی أنھا قد تكون تسع وعشرین یوما. ولما جاء القرآن الكریم بحكم صوم شھر رمضان كله صار من المظنون أن بعض الناس قد یصرون علی إتمام ثلاثین یوماً امتثالاً لصوم رمضان. فنبههم النبي صلی الله علیه وسلـم في ذلك أن رؤیة الھلال ھي الأصل فصوموا لرؤیته وأفطروا لرؤیته ولیس من الضروري إتمام الثلاثین یوماً لذلك. نعم إن كان المطلع مغموما فالإتمام واجب. فھٰذا ھو إرشاد النبي صلی الله علیه وسلـم الذي قد تصرف فیه بعض الرواة حتی عم ھٰذا الخیال في عامة الناس أن النبي صلی الله علیه وسلـم قد أوجب علی الناس رؤیة الھلال نفسھا. ومن حسن حظنا أن الألفاظ النبویة قد جاءت في صورتھا الأصلیة في روایة من روایاتھا الکثیرۃ، رواھا الإمام مسلم. فقال:

الشھر تسع وعشرون، فإذا رأیتم الھلال فصوموا، وإذا رأیتموه فأفطروا، فإن غم علیکم فا قدرواله. (مسلم، رقم الحدیث: ۱۰۸۰)

ھٰذا من روایة سیدنا عبد الله بن عمر وقد رویت ھٰذه الألفاظ بعینھا بطریق من روایة أبي ھریرة رضي الله عنه. یتضح منه أن رؤیة الھلال لم یشترط في تعیین الشھر بل أوجب بدایة الشھر بعد رؤیة الھلال حتی لا یُصر الناس علی إتمام الثلاثین، ظانین من عند أنفسھم أن القرآن جاء بصوم الشھر كله ولذا یجب إتمام الثلاثین. فقد بدأ الحكم في الحدیث من لفظ "الشھر تسع و عشرون".

وبناءً علیه نضطر إلی رؤیة الھلال وإذا تمت الثلاثون یوماً فلا حاجة إلی رؤیته. لأن العلم الحاصل لنا في ھذا الأمر قطعي صریح شھدنا الھلال أو لم نشھد ،نری بحكم التجربة أن الشھر السابق قد انتھی والشھر اللاحق قد ابتدأ. وتقدم العلم وحكم بالقطع في التسع والعشرین أیضا، فإننا نقطع الیوم أن متی یتولد القمر للعالم. ولذا فإن كان ھناك تقویم قمري اعتباراً بتولد القمر ویجعل مكة المكرمة مركزا له وتتوافق معه الاحتفالات الدینیة بأسرھا فلا مانع في ذلك. ومراد الدین في ذلك ھو تعیین الشھر، فحینما كانت رؤیة الھلال وسیلة له تم اختیار تلك الوسیلة ،فإن كان الیوم یتسیر ذاك التعیین من وسیلة أخریٰ لایعترض الدین علیھا. فكما أننا لانتقید برؤیة طلوع الشمس وغروبھا للصلوات بعد اختراع الساعة، لانحتاج إلی رؤیة الھلال كذلك لتعیین الأشھر القمریة. والقضیة إنما ثارت بسبب تصرفات الرواة في حدیث. فإذا جمعنا طرق الحدیث جمیعا ونظرنا فیھا اتضحت الحقیقة بعد ادنی تأمل أن النبي صلی الله علیه وسلـم قد أراد شیئاً آخر.

(۲۰۰٨م)