قضیة الشعبیة:
إن شعور الوطنیة علی أساس اللون، النسل، اللغة والقیم الحضاریة بجانب وحدة الموطن والمسكن ودیع في فطرة الإنسان، وجبل علیه البشر. نعم إن الإنسان كلھم بنو آدم ومع ذلك فإن القرابة القریبة التي تشعر بھا إلی أقرباءك لاتشعر بھا إلی أناس آخرین. وھو أمر یتعلق ویصدق علی القوم والأمة أیضا. فكما أن إنساناً ما یتظاھر بفردیته باللنسبة لشخصیته ھو ولأسرته وأقرباءه ویتسابق مع الآخرین، ویحس في نفسه محركاً ودافعاً قویا یدفعه إلی الأمام والأسبقیة، یشعر ذلك الشعور لقومه ووطنه أیضا. وھذا الشعور للتشخص الفردي یؤدي بالبشر إلی أن یصبحوا یجعلون یشكلون المعاشرة العامة ویتناصرون في أمور الحیاة. وقد عبر به القرآن بمصطلح "التعارف" وأنه وجدت بسبب ذلك شعوب وقبائل.
والإسلام دین الفطرة. الأمر المبغوض عنده ھو الاستكبار الشعبي لا الشعب نفسه. واستكراه الأقوام وداعیات المقت والحقارة والامتیازات والفوارق النسبیة التي تفضي إلی تذلیل الشعوب الأخری وتحقیرھم واستغلال ثرواتھم.
ولاشك أن الإسلام ینظر إلی كل شیئ منھا بنظر المقت والكراھیة الشدیدة ویجعلھا إثما كبیرا وجنایة شدیدة ضد الإنسانیة ولكنه لاینفي الوطنیة ،بل إنه یسلم كل أساساته التي تثبت لھا في علم السیاسة. كما أنه لایعترض علی التظاھر بعاطفة الوطنیة إظھاراً مھذبا والتسابق بین الأقوام والأوطان في مختلف میادین وشعب الحیاة. كما أنه لایجعلھا غیر جائز إذا ثارت طائفة من المسلمین تطالب لھا حقوقا ،وتعرف نفسھا تعارفاً قومیا أو تطالب لھا إقامة دولة مستقلة علی أساس الشعبیة والوطنیة. وعلیه فإن الفكرة إن أساس الشعبیة والوطنیة في الإسلام ھو الإسلام نفسه لاتصح. لأن القرآن لم یقل إن المسلمین ھم قوم أو شعب واحد أو یجب أن یكونوا شعباً واحداً، إنه یثبت فیھم تواجدَ شعوب وملل مختلفة. وإنما قال عنھم: إنما المؤمنون إخوة (الحجرات: ١۰) فمن منظار القرآن إن أساس العلاقات بین المسلمین ھو الأخوة لا الوطنیة. فإنھم إخوة بالرغم من انقسامھم إلی عشرات الدول والممالك بإخاء الإیمان والإسلام.
ویمكن أن یُطلب من المسلمین أن یكونوا علی وقوف تام بحالة إخوانھم في الدول الأخری، وأن یمدوا إلیھم ید العون والمساعدة في متاعبھم ومعاناتھم وأن یقفوا معھم إذا واجھوا اضطھادا وتعذیباً. وأن یعطوا لھم الأولویة في العلاقات الاقتصادیة والاجتماعیة، وأن لایقفلوا أبوابھم علیھم تحت أي ظرف من الظروف، لكن لایمكن مطالبتھم بالتخلي عن دولھم القومیة وھویاتھم الوطنیة وجنسیاتھم المتباينة ولا أن یصبحوا أمة واحدة ودولة موحدة. ومثلما یمكن لھم إنشاء دُولھم القومیة المنفصلة ،كذلك إذا كان لدیھم حریة ممارسة الدین والشریعة، یمكنھم التعایش السلمي في دول وبلدان غیر مسلمة كمواطنیین وكأمة علی أساس الوطن. فلا یكون شیئ من ھٰذا غیر قانوني وغیر جائز وفقا للقرآن والحدیث.
(۲۰۰۸م)
