عقوبة قتل العمد
لم تزل النفس الإنسانیة محترمة دیناً وأخلاقاً، فقد صرح الله تعالیٰ في كتابه أن لا یقتل أحد نفساً فإنه جریمة كبری من سائر الجرائم بعد جنایة الشرك. فقتل نفس عند القرآن ھو قتل الإنسانیة جمعاء وأمرت به بنو إسرائیل بكل تاكید ،وھٰذا الحكم متواجد حتی الیوم في نفس الألفاظ في كتاب "التلمود" وجاء ذلك في المائدة كما یأتي:
من أجل ذلك كتبنا علی بني إسرائیل أنه من قتل نفساً بغیر نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جمیعاً. (٥:٣۲)
واتضح من ھٰذا الفرمان الالٰھي أن نفس الإنسان یزھق فقط في صورتین. إما أن یقتل أحداً وأما أن یخرج علی النظم الإجتماعي ویعتدي علی أنفس الآخرین وأموالھم وأعراضھم. وتعبیر الفساد في الأرض اختیر لأداء ھٰذا المفھوم. فكل قتل سواه ھو قتل بغیر نفس إذا ارتكبه أحد أصبح مجرما جانیا علی الله تعالی، بحكم الإسلام وشرعه في جانب وفي جانب آخر كان جانیا معتدیا علی وارثي المقتول والحكومة والمجتمع كله. وقد قال الله تعالیٰ عن نفسه إن مرتكبي ھٰذه الجنایة لایستحقون أیة رخصة ولا محاباة، یحبط أیمانھم وعملھم وكل شیئ ویدخلون جھنم خالدین فیھا فقال عزوجل:
ومن یقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جھنم خالداً فیھا وغضب الله علیه ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً. (النساء: ٩٣)
والفریق الثاني ھم ورثة المقتول. فقد جعل الله لھم سلطة كاملة علی نفس القاتل، ولذا لایحق لأیة محكمة دنیویة أو حكومة أن ترعی له وتعطي له محاباة ،فالمحكمة والحكومة كلتاھما مسئولتان عن مساعدة الورثاء إن أصروا علی أخذ القصاص منه وأن تنفذا بكل قوة وكل دقة ما أرادوا من النكال به. فقال في سورة بني اسرائیل:
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لولیه سلطانا فلا یسرف في القتل إنه كان منصوراً. (٣٣)
ویلیه الاجتماع المسلم الذي تمثله حكومتھم، فعلی المجتمع المسلم قد فرض الله أن یقتص من القاتل للمقتول. فھو مسئول إذا قتل شخص في دائرة سلطانه ونفوذه عن أن یفتش عن القاتل ویفحص عنه ویقبض علیه ویقتص منه مطابقا للقانون. وأمر المجتمع المسلم أن یراعي المساواة الكاملة في الاقتصاص. والمرتبة الاجتماعیة لشخص وشرفه بین الناس لایكون سببا لأیة محاباة له في معاملة القصاص. فالأدنی والأعلی والثري والفقیر والشریف والوضیع والسید والعبد،الكل متساؤون في معاملة القصاص لاتفریق ولا امتیاز بینھم. كما قال تعالیٰ:
يٰٓاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلٰي اَلْحُــرُّ بِالْحُــرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنْـثٰى بِالْاُنْـثٰى فَمَنْ عُفِيَ لَه مِنْ اَخِيْه شَيْءٌ فَاتِّـبَاعٌۢ بِالْمَعْرُوْفِ وَاَدَآءٌ اِلَيْه بِـاِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيْفٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَـة فَمَنِ اعْتَدٰى بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَه عَذَابٌ اَلِيْمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيٰوة يّٰٓاُولِي الْاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ. (البقرة: ١٧٨- ١٧٩)
وتزال ھٰذه الفرضیة فقط في صورة، عند ما لم یطالب ورثة المقتول النفس بالنفس وقبلوا أن یعاملوا مع المجرم الجاني معاملة العفو. بعد ذلك یحق للمحكمة والحكومة إما أن تصر علی الاقتصاص ولا تقبل أي عفو من قِبل الورثة، وإما قبلت ذلك العفو نظراً إلی نوعیة الجنایة ولرعایة ظروفه وحالاته إن شاءت ،وتأمر القاتل أن یؤدي إلی ورثة المقتول دیة القتل بالمعروف. وقد مرت آیة رقم ١٧٨ للبقرة في المذكور أعلاه وجاء فیھا قدماً:
"فَمَنْ عُفِيَ لَه مِنْ اَخِيْه شَيْءٌ فَاتِّـبَاعٌۢ بِالْمَعْرُوْفِ وَاَدَآءٌ اِلَيْه بِـاِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيْفٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَـة."
وھذا إذا تدبرت بیان الرخصة والعفو في نفس الأسلوب الذي استعمل في آیات الصوم فقد جاء في آیة الصیام: يٰٓاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ. وجاء في القصاص: يٰٓاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ. وجاء في آیة الصوم: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيْضًا اَوْ عَلٰي سَفَرٍ. وجاء ھنا: فمن عفي له من أخیه شیئ. وجاء ھناك: فعدة من أیام أخر. وقال ھنا: فاتباع بالمعروف. وطالبوا القرآن یمكن لھم النظر مقارنةً بالآیات أن تألیف الجملة في كلا المقامین سواء، وأبیحت في كلا المقامین الاستفادة بالعفو والرعایة من غیر إلزام وإجبار. وانطلاقا من ذلك فكما أن المسلمین لم یلزم علیھم أن یتركوا الصیام في حالة المرض أو السفر لزوماً فھكذا الحكومة والمجتمع، الذین فرض علیھما الاقتصاص لم یلزم علیھما أن یقبلا العفو والرعایة الذي أعطیه القاتل الجاني من جانب الورثة. فقد انتھت فرضیة القصاص بعد العفو لا جوازه ،ولذا یحق للحكومة والمجتمع كل الحق الإصرار علی الاقتصاص نظرا إلی نوعیة الجنایة وظروف الجارم الجاني وأن ینكرا بقبول ذلك العفو والرعایة.
ومن أجل دلالة القرآن ھٰذه قد قمت بترجمة معاني ھٰذه الآیات في "البیان" كالتالي:
"أیھا المؤمنون! قد فرض علیكم قصاصُ من قتل منكم بترتیب آتي: إذا كان القاتل حر یُقتل به الحر نفسه، وإذا كان العبد قتل به العبد نفسه، والمرآة تقتل بھا المرءة نفسھا، فمن عفي له شیئ من أخیه (فلكم قبوله أو رده، وبصورة القبول) اتباع بالمعروف ویعطیٰ الدیة عن طیب قلب. فھٰذا تخفیف لكم من ربكم ورحمة، فمن اعتدیٰ بعد ذلك فله (في القیامة) عذاب شدید. ولكم في القصاص یا أولی الألباب لعلكم تتقون. (البقرة: ١٧٨-١٧٩)
فاتضح من ذلك أن القرآن یصر علی أنه لا محاباة ولا تخفیف للقاتل بدون رضا الورثة ولكنه لایصر علی التخفیف لزوماً إذا رضوا بذلك. فھٰذا الفرق دقیق لطیف وحكیم. فإن الإصرار علی الصورة الثانیة تؤدي إلی إتلاف حق المجتمع وتتولد منه حالة نأسف بھا ونحزن علیھاحتى الآن في قضیة ریموند دیوس وقضیة شاه رخ جتوئي. وفي عدم الإصرار علی الأمر الأول إتلاف لحق الورثة، وتبطل الحكمة الملحوظة ھنا بإطفاء نار الانتقام والثأر للورثة وأن تندمل جروحھم بطریق إذا أظھروا العفو للقاتل یكون لھم إحسان ومنة مباشرة علیه منتج نتائج مفیدة جدا في المستقبل.
وأخطأ فقھاءنا عند ما لم یلاحظوا ھٰذا الفرق الدقیق وقطعوا الأمر الجسیم مثل القتل من الاجتماع قطعاً، وجعلوه قضیة فیما القاتل وأولیاء المقتول محضا. وقانون القصاص والدیة القائم علی ھٰذا المسلك للفقھاء في ھٰذا الأمرخاطئ عندنا. فیجب أن یتم فیه إدخال تعدیلات لازمة وتكوینه مطابقاً للكتاب الالٰھي الكریم في أقرب وقت ممكن. لأننا بحكم الإیمان والعقیدة مسئولون فقط للقرآن والسنة، لا لتفسیر خاص لھما. فنلتمس من العلماء أیضا أن یتفكروا وینظروا فیما قدمته ھنا من رأي. فإن ھٰذه قضیة متصلة بدین الله ویجب أن ننظر فیه مرتفعین علی كل التعصبات.
(۲۰١٣م)
