logo

67 إیصال الثواب

إیصال الثواب

قد أوضح الله تعالیٰ في القرآن المجید كأصل مبدئي أن كل شخص مسئول عن فعله ولا یحمل شخص مسئولیة شخص آخر "ولا تزر وازرة وزر أخری". كما أنه قد أوضح أیضا أن من یُجزیٰ شخص في القیامة یُجزاه كصلة لعمله ولا ینال شخص جزاءَ عملِ الآخر فلیس ھناك شیئ بغیر سعي وعمل كما قال تعالیٰ:

"ألا تزر وازرة وزر أخری، وأن لیس للإنسان إلا ما سعی، وأن سعیه سوف یُریٰ، ثم یجزاه الجزاء الأوفی. (النجم: ٣٨.٤١)

ومع ذلك فإن الحقیقة ھي أن لا یبلغ إلی حضرة الله سبحانه عمل الإنسان الظاھر فیحقه للأجر بل ھو تقوی القلب الذي یكون باعثا للأجر. وھذا التقویٰ لیس شیئاً قابلاً للانتقال. ومكانه قلب الإنسان ولا ینتقل من القلب، إلی مكان آخر حتی یساھم شخص آخر في ثمراته. والأضحیة عبادة عظیمة نذرھا لله سبحانه بتوجیه وجوھنا ووجه ذبیحتنا إلی القبلة بإحساس أننا نذر أنفسنا لله تعالیٰ في الحقیقة فقد قال تعالیٰ في ذلك:

لن ینال الله لحمومھا ولا دماءھا ولكن یناله التقویٰ منكم. (الحج: ٣٧)

فإن وضعت ھٰذین المقامین للقرآن أمامك بقي صورة واحدة أن ینالَ انسان جزاءً أو عقابا عند الله تعالیٰ بعمل الآخر حسناً أو سیئاً ،أن الشخص الواحد كان له دخل في ذاك الجزاء أو العقاب بطریق النیة أو الإرادة، أو سعیاً وجھدا مباشرة أو غیر مباشرة عن أي وجه كان. وله صور عدیدة مثلاً إنه علم أحد الخیر والصلاح أو أقام نموذجا حسنا بحسنة جاء بھا أو ساھم في توفیر الأسباب له كما قال النبي صلی الله علیه وسلـم. إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جاریة، أو علم ینتفع به أو ولد صالح یدعو له. (رواه مسلم، رقم: ٤۲٣۲)

ولا یتعجب أحد بذكر الولد في ھٰذه الأشیاء الثلاث. لأن الولد في الواقع ثمرة لجھد الوالدین. فإن كان الوالدین مؤمنین صادقین فإنھما یعلمان أولادھما كافة أعمال الخیر قبل كل شیئ من الصلاة والزكوة والصیام والحج والزكوة وغیرها. فإن تعذر لھما عمل صالح فلا حرج أن یعمل به ولدھما بل یجب علیه أن یفعله ،كما علم من إرشادات النبي صلی الله علیه وسلـم فإنه مما تقتضیه السعادة. وبسبب النیة والإرادة یُثاب الأولاد أیضا. فجاء في الأحادیث أن امرأة من خثعم جاءت النبي صلی الله علیه وسلـم وقال یا رسول الله فرض الحج علی أبي ولكنه لایستطیع الركوب لشیخوخته أفلا أحج عنه قال: بلیٰ (مفھوم ما جاء في البخاري، رقم: ١٨٥٥، ومسلم رقم: ٣۲٥١)

كما سئلته إمرأة من جھینة: یا رسول الله نذرت أمي الحج وماتت أفلا أحج منھا؟ قال افعلي أرأیتِ إن كان علیھا الدین أفلا تؤدین؟ فھٰذا دَین الله فأدیه فإن قرض الله أحق أن یؤدیٰ. (رواه البخاري مفھومه، رقم: ١٨٥۲)

وعلاوة علی الوالدین یمكن إعطاء تلك الحیثیة والمكانة لشخص آخر مثلاً للأستاذ أو الشیخ من العائلة، والظاھر أن حكمه أیضاً یكون حكم الوالدین. فالآثار الواردة في الباب محمولة علی ھٰذه الضابطة. ودون ذلك إذا عُمل عمل ما لأحد یعود أجره وثوابه علی العامل لا علی غیره. فقد روي أن امرأة رفعت صبیھا إلیه وسألت :

ھل ھٰذا یحج؟ فقال نعم ولكن أجره لكِ. (رواه مسلم، رقم: ٣۲٥٣) 

فأقصیٰ ما یمكن أن یقال علی أساس مقولة النبي صلی الله علیه وسلـم ھٰذه أن من عُمل له عمل صالح فلا حرج في ذلك العمل الصالح وإن لم یبلغه أجره ،لأن عامله یثاب علی كل حال. ولكن لایعني ذلك أن یكون ھناك لجواز لاحتفالات راجت في المسلمین بإسم إیصال الثواب. فإنھا بدعة سیئة لا أساس لھا في القرآن ولا في الحدیث.

غیر أنه یجب أن یُلاحظ فیما یتعلق بالآیة الكریمة "لیس للإنسان إلا ما سعیٰ". أن أسلوب النفي ھنا استخدم لنفي الاستحقاق وتلك الضابطة مُتصلة بمناسبة عند ما یفصل بین الناس للذھاب إلی الجنة أو النار. فإذا ما استحق شخص بإیمانه وصالح أعماله الجنة فلا تنطبق علیه تلك الضابطة بل إنه یستحق أفضال الله وإنعاماته فقد صرح القرآن أن الذریة إذا ما استحقت علی أساس إیمانھا الجنة لدرجة ما، فإن الله تعالیٰ ترفع درجتھا إلی درجة متساویة مع مرتبة الوالدین إتماما للنعمة علیھما وتجمع بینھما في مكان واحد. كما قال: "والذین آمنوا واتبعتھم ذریتھم بإیمان ألحقنا بھم ذریتھم وما ألتناھم من عملھم من شیئ. (الطور٥۲: ۲١)

ویتفرع مما ذكر آنفا أن الصورة نفسھا تستلزم إذا كان الأمر بالعكس أي إن كان الوالدان في درجة أقل من الأولاد فیجب أن ترفع مدرجھم إلی مدرج الأولاد لأن العلة أي العلاقة القلبیة بین الأبوین والأولاد متواجدة ھنا أیضا كما كانت في الصورة الأولی.

(۲۰١١م)