logo

5. أستاذ حارس

أستاذ حارس   (بعدي)

إن موطني أبا عن جد كانت قریة ’داؤد‘ في مدیریة سیالكوت ولكني ولدت في قریة متجاورة لپاك فتن ونشأت وترعرعت في ھذه البلدة وضواحیھا. وبلغت من العمر حدا حیث یترك العقل التفكیر في بعض الأحایین والقلب لایتقلب في بعض الأوقات ونتیجتًا لذلك نأتي بالأعاجیب التي نستغربھا جدا فیما بعد،وقال الشاعر الاردي مامفھومه

إني في ھیام الحب اتردد ھنا وھناك ثم اقضي العجب علی ذلك.

فمنذ عشرین سنة من الیوم قد كنت طالباً للجماعة السادسة أو السابعة. ومع التعلیم المدرسي الرسمي قد بلغت آنذاك في كتب الدرس النظامي إلی "كافیة" و"شرح الجامي" كما یغلب علی ظني. وقد فتحت عليّ أبواب مدینة العلم فقد كنت أخرج إلی المكتبة المدنیة كل یوم بعد العصر. وكانت بیتي في ضاحیة، فخرجت منه وبلغت كل یوم المكتبة ماشیا علی الأقدام فما أغرب وأجمل شوق الطلب وذوقه. فھذا ظل عملي الروتینی أعواما وأعواما ولكن لم اتذكر أن اشتكی طبعي التعب والاكتئاب، وھو كما قال الشاعر الفارسي

التعب والاكتئاب لا یلتحقان بطالب صادق

فإن العشق مرشده في الطریق بل العشق ھو المنزل له.

وفي طریقی إلی المكتبة رأیت ذات یوم أن حارساً لأحد البنوك أنظاره تتعاقبني إلی مدی بعید. وكنت صغیراً فطرأ علی ھواحبس الخوف وأحاسیس الحیرة الناشئة من ذاك الوضع أول مرة. ولكن لما تكرر ذلك لأیام عدیدة غلب إحساس التجسس علی الذعر والحیرة. كنت أرید أن استفسره عن ذلك فما أجترئ وھو أیضا كما شعرت، یرید أن یقول لي شیئا فما یھتدی له، كأنما كان الأمر كما وقع لغالب الشاعر الاردي في معترك العشق

إذا كان الأدب متردداً وفي الصراع فما ذا یكون وإذا كان الحیاء مانعاً من القول فما ذا یكون؟

ومضت أیام كثیرة، وفي مساء كنت أرجع من المكتبة حاملا كتاباً علمیا في موضوع الخلافة وكنت أتصفح أوراقه أثناء قطع الطریق ولم انتبه أن بناء البنك قد قرب. ونظرت فإذا به قائما صاداً طریقي ثم نظرت إلی وجھه، تقطر قطرات الماء من لحیته والأغلب أنه كان قد توضأ الآن. ونظراته براقة وجبھته تتلالؤ من جمال السجود. فسألني بأسلوب ودي أنت تقرأ ھذا الكتاب؟ أنت تقرأ الكتب العلمیة كھذه ماعدا الكتب الدراسیة؟ فأومأت بالموافقة ، فقال: ذات یوم رأیت كتاباً عربیا في یدك ألك معرفة باللغة العربیة؟ نعم لي إلمام بھا ،أجبت. أین تعلمت اللغة العربیة؟ لما سألني ھذا بالعربیة قضیت العجب ولم أوقن بسماعتي لساعة. فانظر إلیه مرة وتارة أنظر إلی بذلته الجندیة الحرسیة، فإنی قد رأیت الكثیر من الجھلاء في ملابس الخاصة وكانت ھذه تجربة أولی أن رأیت عالماً في ملابس العامة. إقرأ الكتاب الذي تحمله فإنه كتاب رجل كبیر، وسأعطیك كتاباً آخر في نقد ھذا الكتاب نقداً علمیاً. ومن الضروري أن تقرئه أیضا قبل إقامة رأي فإن في دنیا العلم الأشخاص لایحملون أیة أھمیة بل الدلیل یحمل كل مكانة ھنا.

ثم إنه منحني كتاباً في الیوم القابل وختمته في الیوم نفسه، وھذه كانت فرصة أولی إذ وقفت علی أھمیة الدلیل وھذا الوقوف أكبر رأس مالي ومتاع الحیاة لي حصلته من حارس. وفیما بعد قد حصلت علی الشھادة العلیا من أكبر معھد علمي بلاھور في الفلسفة والأدب الإنجلیزي ولم أحصل أكثر من ذلك من ھناك، ھذه ھي حقیقة وكم فكرت أثناء الطلب أن جمیع زملائي وأساتذتي لیتھم یمرون بذلك الممر أیضا في طریقھم إلی المكتبة.

وبعد أعوام كثیرة وفي الشھر الماضي ذھبت إلی پاك فتن ولقیت الشیخ ولي محمد علی باب من ذاك البنك. فكان الیوم أیضا قائما بعد عشرین عاماً كما رأیته أول مرة، ولا أعرف ھل تخرج من مدرسته شخص آخر أم لا،

أو إنه ترك أسلوبه وھجر تعلیمه من بعدی.

١٩٨٦م