العلم الا ضطراري:
یوزع العلم إلی قسمین: بدیھي ونظري، ویعرف البدیھي بعلم یحصل بذاته بغیر ما تفكر ولا تدبر، ونظري یعرف بعلم یكتسب من البدیھي نفسه بطریق التفكر والنظر وعُلم من ذلك أن البدیھي ھو الأصل والأساس وكل شیئ ما عداه فرع له.
وقد ابتدأت الفلسفة من بحث و تمحیص عن الحقائق الخارجیة، ثم بدأ الكلام عن ماھیة المدارك وفرض البدیھي أصلا وعلامته أنه لایختلف فیه أحد. إلا أن الإنسان یفكر ویختلف في كل شیئ. ومن ثم تولد الظنون والشبھات في ھذه التعریفات والتقسیمات. فالآن یصر فریق إصراراعلى أن المعلوم ھو المحسوس فقط وھو الأصل یتفرع منه سائر الأفكار والمشاعر مما نعلمه بحواسنا فقط، فدماغ الإنسان ھو اللوح الخالي (Tabula Rasa) لایوجد فیه شیئ قبل إدراكنا. والجماعة الثانیة تقول إن العلم في الحقیقة ھو واردات النفس وخلجات الصدر ولا نوقن بوجود موجود إلا النفس المدركة. والفریق الثالث یدعي أنه لیس ھناك شیئ یقیني ماعدا الأثر المحسوس الملموس. علی حین أن الفریق الرابع یعلن عن عدم قطعیة الإثنین: الحس والفكر، ولذا فلا یوجد عندھم شیئ یقال له الیقین والقطع في الدنیا.
وما ھي النتیجة عن ھذه المباحث؟ الفریق الأول قد أنكر العقل، والروح والإلـٰه والمعاد. الثاني لا یؤمن بھذا العالم المحسوس، والثالث ینكر كلاھما ولایثبت إلا العلم المحض والرابع ینفي العلم والیقین مطلقا فلا یؤمن بھما. وحینما قال دیكارت (Descartes) "انا أفكر فانا موجود فإنه حاول لإخراج العلم والتفلسف من ھذا التشكیك[1] كما أن في عصر ما بعد الحداثة إن ھذه السوفسطائیة ترید إثبات مدلولھا من طریق تحلیل اللغة. فإنھا تقول إن أیة علامة أو لفظة (Signifier) لاتبین معنا معینا مستقلا لشیئ معین (Signified) لأنه لایوجد وجود محتم لشیئ معین. إنك تعني أي معنیً لِلفظ عبَر الفاظ أخری متواجدة في جملة ما. فإذا أضفت لفظا إلیھا أو أسقت منھا لفظة ستتغیر دلالة الجملة بأسرھا. ویعني ذلك أن ھناك لا وجود لأیة دلالة لا في الألفاظ ولا في الجمل ولا في أي شیئ. وكل لفظة في جملة ما لا تحتمل دلالة بكل معنی الكلمة ولذا تؤخر الدلالة إلی تواجد لفظ أو ألفاظ أخری في الجملة.
وكذلك فإن المعنی یتجه جھة ما بطریق ألفاظ مختلفة. وسیاق العبارة یغیر المعاني دالماً فلا تكون حتما قطعیا أبدا. ولذا الأقدار والقیم المتصلة بالمعاني أیضا بلا معنیً ولا تكون حتما. وبالأسف إن حاملي ھذه النظریة لم ینتبھوا إلی أن استدلالھم ھذا بنفسه ینم عن یقينھم بصحة نظر ودلیل. فمن الحقیقة التي لاتجحد أن إبطال الیقین لا یحصل إلا بیقین آخر أكبر منه، وھو اضطرار الإنسان. فإنه ینتج كل إبطال إحقاقاً لشیئ آخر. ومن مأساة الإنسان أنه ربما یعرض عن ذلك مغلوبا بعواطفه. فالحریة الشخصیة والفردیة التي لھا یموتون ھؤلاء إنها ھي الأخریٰ قیمة من القیم والإصرار علی نفي كل القیم والأقدار لاتھدف إلا وإثبات قیمة أخری كأنھا الحال ما یعبر عنه المعجز المطلق. فھذا ھو حكایة سفر للذین خرجوا بحثاً عن الحقیقة من غیر ترشید للوحي الالھي ولم یكن إقبال علی خطأ حین قال ومفھومه:
إن العلم القائم علی العقل والدلیل ھو لیس الإفرط الحیرة.
وعلی خلاف ذلك فإن القرآن یؤسس استدلاله علی علم طبیعي مفطور علیه وملھم في النفس الإنساني. فإن ھذا العلم ھو في الواقع أساس لكل علم وعمل للإنسان وفكره واستدلاله. فلاشك أن الإنسان أول ما ینظر إلی شیئ ھو بدیھي فبطریق ابتناءه أصلاً وأساساً ینطلق الإنسان في بحثه وتفتیشه. إنه لا ینتبه أنه في الحقیقة علمه الفطري الذي یوصله إلی البدیھیات ویھدیه إلی النظریات. وإن لم یكن ھذا العلم المفطور لا یوجد ھناك بداھة ولا نظر ولا استدلال. لأن الشیئ الوارد من الخارج ھو الموضوعات. وحكمھا لا یأتي من الخارج وإنما یحصل في النفس من قبل. وھو الذي یحكم ویبدل موضوعات إلی مواضیع حدیثة لیحكم علیھا حكما ثانیا. والذوق والإدراك كلاھما ظھور لذلك. والأول منھا مصدر للعمل والثاني مصدر للعلم. وھو مرجع ومنبع لكل من الذات والصفات، والحامل والمحمول، والفعل والانفعال، والحسن والقبح والمدرك وغیره وھو مصدر الفرق والامتیاز في الذات وعوارضه.
والأثرات التي تصل إلی النفس الإنساني عبر الحواس فإن العلم الملھم ھو الذي یقوم بالإستدلال علی المؤثرات بتلك الأثرات. وبه یتحصل الیقین بالوجود الخارجي. فالإنسان لا ینكر قضاءه ما دام ھو إنسان وھو یحكم ویسیطر علی النفس الإنساني. ولذا ھذا التسلیم والانقیاد لیس شیئا خیاریا. بل إنه مجبول علی التسلیم بقضاءات ذاك العلم بمثل ما یتسلم وینقاد لمقتضیات جبلیاته. وأنت تقول إن الإنسان ینكر كل شیئ فلماذا لایستطیع إنكار ذاك العلم؟ والجواب علی ھذا التساؤل أنه یستطیع إنكاره بلسانه بلا شك ولكن حینما ینكره بلسانه یكذبه في الحال عمله وجوارحه وأحواله. فكل انسان سلیم الطبع یتوضح له أن إنكاره لیس إلا مكابرة محضة صریحة. وبناءً علی ذلك قد عبر عنه الإمام حمید الدین الفراھي بالعلم الإضطراري وأصاب حینما قال إن ھناك مھبط إلھام في النفس الإنسان ویجدر أن نعبر به بالمركز فیھا. وبه یتواجد العلم الذي نقول له الفطري ویلیه البدیھي والنظري، وانطلاقا منه فتقسیم العلم لیس فقط بین البدیھي والنظري بل ینبغي أن یكون العلم موزعا إلی الجذري، الفطري ثم البدیھي والنظري. فإنه ھو الحقیقة.
ویقول القرآن إن المخلوقات مجبولة علی إقرار الخالق، وجودھا یتقاضی ویحتاج إلی وجود الخالق. وإنھا لا تحتاج إلی استدلال منطقي لإثبات الخالق وإنما تحتاج إلی التوجیه والتنبیه إلیه. فمن الحقیقة التي لاتجحد أن مخلوقاً لاینكر خالقه بل إنه إذا وُجه إلیه یندفع إلیه ویشتاق كما یندفع العطشان إلی الماء. فقد قال القرآن إن الله سبحانه تعالیٰ حین سألھم: ألست بربكم؟ قالوا بلی شھدنا. ولكننا نعلم أن الإنسان في ھذه الحیاة الدنیا ربما ینكر الرب بسبب المكابرة فقط. ولكن حینما ینكر الخالق ففي الوقت نفسه یبحث في دائرة علمه عن فاعل لكل انفعال وعن مرید لإرادة وعن موصوف لصفة ومؤثر لأثر وعن ناظم علیم حكیم لكل نظم. وعلمه كله حكایة عن بحثه وفحصه ھذا. إنه تكذیب عملي یوضح حقیقة إنكاره وجحوده أتم توضیح.
وھكذا شعور الخیر والشر. فقد قال القرآن إن تمییز الخیر والشر وشعور خیریة الخیر وشریة الشر ملھم في النفس الإنساني مع تخلیقه ولكن الإنسان یجحد في بعض الأحیان وجحوده لیس شیئ إلا المكابرة. فإنه حینما ینكره فإذا أسیئ إلیه فإنه یری تلك الإساءة إساءة بدون أدنی تردد. ویحتج علیھا ولیس ھذا فقط بل إذا أُحسن إلیه یظھر مشاعر العز والاحترام إلی محسنه كما أنه إذا أوجد اجتماعیة قام باللزوم بنظم حق وإنصاف فیه وإداراته للقانون والعدالة والمؤسسات العالمیة كل ذلك یشھد له.
وكذلك دلالة الألفاظ علی معانیه، یقول القرآن عن نفسه إنه نزل كمیزان وفرقان وحكم فاصل في النزاعات والخلافات. وأنه قد بلَغ أمانته لدرجة قاطعة أن یكون الإنسان مسئولا علی أساس ذلك ویدخل الجنة أو النار به. فإرشادات القرآن ھذه مبتنیة علی الیقین الفطري الطبعي الذي ما زال الإنسان موقنا له بسبب صلاحیات النشر بالنطق والبیان وقطعیة الإبلاغ من خلال النطق ويبینه أیمة الفقه والحدیث كقاعدة أصولیة مجمع علیھا: ما ثبت بالكتاب قطعي موجب العلم والعمل. نعم لا یذعن لھا المتكلمون المتأثرون بزیغ وضلال الفلسفة ویصرون علی كون دلالة الألفاظ علی مفاھیمھا ظنیة ولذا فان الألفاظ القرآن لن تكون فارقاً بین الحق والباطل بل تكون ذلك البراھین العقلیة.[2]
وھذا ھو الآخر إذا نظرنا فیه مكابرة صریحة إذ حین یقولون ذلك یبینون لنا وجھة نظرھم بتلك الألفاظ نفسھا بغیر أدنی تردد أن قولھم ھذا لایصل إلی المخاطبین لھم بقطعیة كاملة. ولیس ذلك فقط بل إذا استمعوا إلی الآخرین أو یقرؤون كتاباتھم فلا یلحق بھم ھذا التردد أبدا. وإذا كان ھناك بحث أو نقاش یدخلون فیه وكل لفظ لھم یصدق ما أقول. فھذه شھادة النفس الإنساني علی النفس الانساني ولا شھادة أكبر منھا وقال تعالیٰ: بل الإنسان علی نفسه بصیرة ولو ألقی معاذیره. (القیامة: ١٤- ١٥)
ویقول ابن القیم رحمه الله:
من ادعی أنه لا طریق لنا إلی الیقین بمراد المتكلم، لأن العلم بمراده موقوف علی العلم بانتفاء عشرة أشیاء.[3] فھو ملبوس علیه ملبس علی الناس، فإن ھذا الوضع لم یحصل لأحد العلم بكلام المتكلم قط، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصیة الإنسان، وصار الناس كالبھائم، بل أسوأ حالا، ولما علم عرض ھذا المصنف من تصنیفه، وھذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أكثر من ثلاثین وجھا مذكورة في غیر ھذا الموضع. (أعلام الموقعین ٣/١٥٩)
