logo

30- زوال المسلمین وانحطاطھم

زوال المسلمین وانحطاطھم

إنه ظل المسلمون لألف سنة علی الأقل قوة كبریٰ للعالم، فلایناھضھم قوم ولا أمة في العلم والحكمة، والتدبیر والسیاسة والثروة والحشمة. فكانوا یحكمون علی العالم كله. قد منحھم الله ھذا الملك واستردھم ھو منھم. وقانون الله الجاري في الأقوام والشعوب في صدد التقدم والانحطاط ھو أنه ینتخب قوما مطابقا لقانون الابتلاء له للرقي والتقدم. ولكن إذا تم انتخاب قوم لذاك الغرض فإنه لایغیر "ما بقوم حتی یغیروا ما بأنفسھم"، فلا ینحط قوم حتی یتسفلوا إلی حضیض الانحطاط في العلم والأخلاق انحطاطا كاملا.

ویختص بالمسلمین أمر آخر أیضا وھو أنه ما برح العرب أن یكونوا أصلھم، ومعظم العرب ھم بنو إسماعیل ومعلوم أن بني اسماعیل ھم ذریة إبراھیم علیه السلام. ولذا أطلقت علیھم السنة الالھیة التي جاءت في ذریة إبراھیم علیه السلام أنھم یكونون أئمة للناس ماداموا قائمین علی الحق. وإذا انحرفوا من الحق عزلوا عن منصب الإمامة وعذبوا بالمحكومیة والذلة والنكبة. فإذا راح المسلمون مبتلین بھذا العذاب فلیس الأمر إذاً ھینا لینا. ولم یكن تحت مؤامرات الغیر كما یزعم ذلك زعماءنا السیاسیون وقیادتنا الدینیة عموماً، بل له أسباب متعینة وتم ذلك تحت تلك الأسباب. فتعمل وراءھا القوانین الاٰلھیة للعزل والنصب. فإذا رحنا نفھم ھذه الأسباب تتضح الحقیقة أمامنا. وھذه الأسباب ثلاثة أساسیا وھو كالآتي.

أولاً: المسلمون حاملوا كتاب الله، ولیس ھذا كتاباً محضا بل إنه میزان من الله. أنزل لیحكم بین الناس ویفرق بین الحق والباطل وأن یتقدم المسلمون بكافة قضایاھم ومشكلاتھم علیه وأن یقبلوا مایصدر منه من قضاء في اختلافاتھم بدون أي تردد. وأن یكون للقرآن المرجعیة المطلقة في كل أمور الإیمان والعقیدة والدین والشرع ومركزا وحیدا للعلم والعمل للمسلمین. فكل تحقیق وكل رأي وكل وجھة نظر تكون تابعة للقرآن أبداً، حتی أن مقولة من أقوال الرسل لاتكون حكما علیه بل یكون القرآن ھم الحَكم علی كل شیئ غیره. ولكن من سوء الحظ أن المسلمین منذ قرون عدیدة لم یتمكنوا من إقرار مكانة كتاب الله ھذه لا في علمھم ولا في عملھم. ومن ثم راحوا ضحیة ترك القرآن أذلة كما یقول اقبال الشاعر الحكیم.

ثانیاً: إن الدنیا ھو عالم الأسباب، وھذه الأسباب في الأكثر تنشأ عن براعة الإنسان في العلم والتكنولوجیة. فإن الخزائن التي أودعھا الله الارض أو التي في السماء یمكن استخراجھا فقط عن طریق ھذه المھارة والبراعة. ویَشھد التاریخ الإنساني أن حیاته ومماته مادامت منحصرة علی مھارته في العلوم الطبیعیة إلی حد كبیر فضلاً عن العروج والانحطاط. وھذه الحقیقة ثابتة في كل صفحة للتاریخ منذ اكتشاف النار وإیجاد الدولاب إلی اكتشافات محیرة للعھد الحدیث. والمسلمون بدأوا الاشتغال بھذه العلوم لكن لم یلبثوا أن انصرف أذھانھم الكبیرة إلی الفلسفة والتصوف وظلوا مشتغلین بھما في الأكثر بدون حاجة إلیھما لأن السؤالات التي تبحث عنھا الفلسفة والتصوف فإن كتاب الله قد نزل بجواب حاسم علیھا بما فیه كفایة وحجة بالغة. فإشتغال المسلمین بھذین قد جنی علیھم جنایة كبیرة وحرمھم من الاشتغال بكتاب اللہ في جانب ومن الاعتناء بالعلوم الطبیعیة في جانب آخر.

ولیس ھذا فقط بل في المدارس القدیمة إنھم مازالوا یكررون تلك المباحث العقیمة للفلسفة والتصوف التي لیست إلا مثالاً حیّا لِـ"علم لاینفع". فإن العالم قد قطع أشواطاً بعیدة للتقدم والرقي وھم مندھشون له فقط.

ثالثاً: لقد تغافل المسلمون غفلة شدیدة عن تربیتھم الأخلاقیة ومن نتائجه الوخیمة أن تری كل رذائل الأخلاق من الكذب، والخیانة، الغبن وعدم الائتمان، السرقة والغصب، الخلط، أكل الربا، التطفیف، البھتان إخلاف الوعد، الاشتغال بالعلوم السفلیة، وفتنة التكفیر والتفسیق، وعبادة القبور والتقالید الشركیة والأفراح التافھة وما إلی ذلك من الجرائم والمھالك عامة في المجتمعات المسلمة إلی حد كبیر مبكي ومدھش. وھذه كانت جرائم بني اسرائیل بسببھا لعنتھم الأنبیاء وأبعدوا من رحمة الله. فقد بلغ المسلمون أیضا إلی ذلك الحد. وإذا كنت ترید أن تری صورتھم فعلیك بصفحات الإنجیل حیث قد سرد المسیح علیه السلام قائمة الجرائم التي كانت ترتكبھا بنو إسرائیل؛ علماءھم وأحبارھم، ومفكروھم وأرباب الحل والعقد لھم. ومستعمرات المسلمین، أبوابھم وجدرانھم، أزقتھم وأسواقھم كل ذلك ینادي بكل صوت عالي

ھا ھم مسلمون یستحي الیھود إذا رأتھم

وعلیه فزوال المسلمین وانحطاطھم رھین لھٰذه الأسباب التي سردناھا آنفا.

وإذا أرادوا الخروج من ھٰذه الحالة الحرجة للإنحطاط فلا یمكن ذلك إلا بإبعاد تلك الأسباب التي أفضت بھم إلی الانحطاط وإلا ظلوا علی ھٰذه الأحوال من النكبة والذل والعبودیة. ولایحصل لھم ذلك من الجھاد والقتال ولاعن طریق حركات المقاومة. وتاریخھم الممتد إلی مئتي سنین من سرنغافتنم إلی أفغانستان یشھد ذلك – لأنھم راحوا الیوم محكومین بقانون البطش لله، وقانون الله عادل غیر منحاز.

فإنھم حینما یریدون أن یخرجوا من ھذا المأزق بمقاتلة الغیر، فإنھم في الحقیقة یحاربون الله الذي قد سلط علیھم عباداً له أولی بأس شدید، فھذا عذاب الله والاتقاء به والنجات منه لایحصل بتلك الطرق التي یھدیھم إلیھا قیاداتھم الدینیة والسیاسیة ،أو الذین لقبوا أنفسھم بالمجاھدین. فبھذه الطرق لایمكن لھم إنھاء نفوذ الطاقات الكبریٰ في بلدانھم ولا إخراج الیھود والھنود من فلسطین وكاشمیر المحتلتین.

إنه علی ھؤلاء أن یطالعوا دعوات الأنبیاء علیھم السلام في القرآن وفي الأناجیل، فسوف یرون أن رسل الله وانبیاءه سواء كانوا أتوا في زمن أسارة بني إسرائیل ببابل أو جاؤا في عھود الحكام الروم، إنھم لم یھدوا قومھم إلی ھٰذه الطرق. إنھم كانوا ینبھون قومھم علی ذنوبھم وآثامھم ،وعلی عكس من ذلك إن ھؤلاء یتعرضون لجرائم الآخرین ولعنھم وسبابھم ویتفنون في ذلك. وعندنا كتاب الله عزوجل القرآن الكریم. فلتنظر فیه من أوله إلی آخره. لیس هناك إدانة ولاشجب لحكومات بابل والروم بل ستری فیه آثام وأخطاء بني إسرائیل في كل مكان.

ولابد لنا أن نسرد للمسلمین ھذا السرد لقرار جرائم یرتكبونھا، لأن ما وعده الله لبني إسرائیل وعده للمسلمین أیضا. أن أوفوا بعھدكم لي أوف بعھدي إلیكم. فإن رحمتي تنتظركم وإن عدتم وأصررتم علی ما أنتم علیه عدنا وجعلنا عذابنا یضرب ظھوركم. فاعتبروا یا أولی الأبصار.

۲۰١۰م