logo

13-في عيد ميلاد النبي صلی الله علیه وسلـم

في عيد ميلاد النبي صلی الله علیه وسلـم

ھذا شھر ربیع الأول. قد ولد في ھذا الشھر من قد نعته الله عزوجل بقوله رحمة للعالمین. ورأه ابن مریم مكتوبا في إحدی فخذیه وفي لباسه أنه: سید الأسیاد وملك الملوك، الذي ھو سید العالم إلی یوم القیامة، الذي طُوي له الأرض كله وأعطي جوامع الكلم وجعلت له سائر الأرض مسجدا. ورعب له الكفر وأعطي المیزان ومعه الحدید كی یتم به حجة الله علی الناس وختم به النبوة وأنزل علیه القرآن وقضي فیه علی الأرض أنه لا یمكن حصول الھدایة الغیر متبدلة لله سبحانه وتعالی الی یوم البعث والنشور إلا بكتاب جاء به.

فھذه الشخصیة العملاقة قد ظھرت في مسرح العالم بھذا الشھر، ولاریب أن ھذا الشھر كله بالنسبة إلیه مغبوط للدھر ونشتھي أن نمضي كل ساعاته في الاحتفالات السارة، ولكن من العجب الكبیر أنه لم یحتفل بھذا الشھر الصحابة الكبار الأبرار أمثال الصدیق والفاروق وعثمان وعلي وبوذر وبلال الذین أحبوه حبا لیس فوقه حب ولم یجعلوه "عید میلاده'' الیوم الذي في صباحه الشارق خرج من بطن آمنة كدعاء للخلیل ووعد للمسیح علیھما السلام. ولما كان في الدنیا طلع علیه ھذا الیوم مراراً وتكراراً وحان ھذا الشھر حینا بعد حین ولكن جری نھر حیاته جریاً عادیا ولم تشھد أنظار السماء ولو للمحة أی تموج فیه فیا للعجب لماذا کان ذلك؟

نحن نحتفل بیوم "إقبال" وبیوم "جناح". فما ھم ھؤلاء بمقارنة ھذه الشخصیة العظیمة! فإذا کان جائزاً لمادحیھم أن یحتفلوا بھما بیوم میلادھما فلماذا لا یجوز الاحتفال بشخصیة تتسم بصفات عارف السبل وختم الرسل ومولی الكل؟

الذي أعطی غبار الطریق السیر إلی واد السیناء.

وما زال یختلج ھذا الخلجان في صدري حتی انحلت ھذه العقدة بحمد الله تعالیٰ وبرزت لي الحقیقة أن كافة أخطاء فكریة وعقیدیة لنا تنشأ عن نظریاتنا كما قال الشاعر الفارسي ما مفھومه:

إذا كان وجه الحقیقة مستتر عنا تمثلناه وتعبدناه وهو من مأثم نظرتناالعابدة للتمثيل

واتضح لي أننا أكبرناه ولكن من جملة زمرة الأشخاص الذین كنا نستأنسھم وھو لم یكن شخصا من تلكم الزمرة أساسا. فنتج من ذلك أن سائر أیامنا في الأرض كانت له ولكن خصصنا یوماً لمولده. وكان قمراً نیراً في كل شھر ومع ذلك رأیناه فقط في مطلع ربیع الأول. وكان كل عام من التقویم الالھي معنوناً باسمه ولكن تقرر یوم لعید میلاده في تقویمنا بعد ٥٧۰ من میلاد المسیح علیه السلام. فكان من آثام أنظارنا أننا تمثلناه وتعبدناه.

فقد أردنا أن نغلق البحر في بئر وأن ننزل الصحراء في صحن الدار ونجعل السماء رداءً ولكن الذین كانوا معه واصطحبوه من صدیق وفاروق وعثمان وحیدر و بلال وبوذر أنھم رأوا البحر بحراً والصحراء صحراء والسماء سماءً فاتضح لھم أن الذی یجب أن یذكره كل قلب وأن یرفع إسمه من كل منارة المسجد إذا انفلق الصبح فیكون ذلك حط لشأنه الكریم أن یخصص له یوم میلاد ویحتفل شھر ربیع الأول به. لأنه حبیب كل نفس وحبیب العالم كله لایخصص لشھر ولا لیوم. إنھا شخصیة لكل یوم ولكل شھر ولكل عام ولذا لایحتاج إلی "عید میلاد النبی" ولا احتفال ربیع الاول، ولكن یجب أن یكون ھناك نداء واحد صباحاً، ظھراً في دلوك الشمس إلی غسق اللیل ویجب أن ترتج نغمة واحدة وھو نغمة أشھد أن لا اله الا الله، واشھد أن محمدا رسول الله، لأن ھذه النغمة كما قال الشاعر لاتحتاج إلی موسم:

 یفصل فیه الزھرة من الخزامی، فلا اله إلا الله ھو نغمة لكل موسم ربیعاً كان أو خریفاً.

(١٩٩۰م)