logo

36- الخلافة

الخلافة:

(كتب إجابة علی نقدات وجھت إلی – الإسلام والدولة: رؤیة مضادة)

لاشك أن لفظ "الخلافة" یُستخدم الیوم كاصطلاح منذ قرون ،ولكنه رغم ذلك لیس مصطلحاً دینیاً. إن المصطلحات الدینیة لاتجعل مصطلحات دینیة باستعمال الرازي والغزالي والماوردي وابن حزم وابن خلدون. ولا كل لفظ یتداولھا المسلمون بمفھوم خاص یصیر اصطلاحاً دینیا. فإن المصطلح الدیني یكون إذا استعمله الله ورسوله كإصطلاح،ویتحقق ثبوته إذا ثبت ذاك المفھوم الاصطلاحي بنصوص القرآن والحدیث أو بنصوص صحائف إلھامیة أخری. فإن الصوم والصلاة والحج والعمرة وغیرھا مصطلحات دینیة لأن الله ورسوله قاما باستعمالھا بھذا المفھوم الإصطلاحي الخاص في أمكنة كثیرة.

ولفظة الخلافة علی عكس من ذلك لفظة عربیة وتستخدم لإعطاء معاني النیابة والاستخلاف والحكم والسلطة. وھذه ھي مفاھیمھا اللغویة وھذه اللفظة استعملت في القرآن والحدیث في كل مكان في مفھوم من ھذه المفاھیم اللغویة.

وقد قدم البعض من أھل العلم العدید من آیات القرآن مع بقاء لفظة "الخلیفة" و"الخلافة" في ترجمة معانیھا كی یستیقنھا الناس أن القرآن الكریم قد استعمل ھذا اللفظ في مفھوم اصطلاحي خاص. ولكن علیك أن تری تلك الآیات في أیة ترجمة القرآن المعتمد علیھا أو في تفسیر موثوق به فسوف تتضح لك الحقیقة اتضاحاً لایبقی عندك ألفاظ للتعلیق كما نفدت الألفاظ لواحد من أصحاب العلم الناقدین عليّ.

وفیما یأتي نقدم أراء بعض العلماء الكبار في تفسیر الآیات المتصلة بالخلافة:

١. البقرة: ٣۰. یقول الشاه عبدالقادر في ترجمة الآیة: وإذ قال ربك للملائكة إنی جاعل في الأرض خلیفة أي نائباً. واختار الترجمة نفسھا الشیخ محمود حسن الدیوبندي.

۲. سورة ص ٣۸: ۲٦. یا داؤد إنا جعلناك في الأرض خلیفة أي نائباً فاحكم بین الناس بالعدل. شاه عبدالقادر واختار الترجمة نفسھا، المولانا محمود حسن.

٣. النور ٣٤: ٥٥. وعد الذین آمنوا منكم وعملوا الصالحات لیستخلفنھم في الأرض أي یجعلكم حكاماً نائبین كما استخلف الذین من قبلکم. واختار الشیخ محمود حسن أیضا نفس الترجمة.

وھنا ألفاظ "النائب والحاكم" ھي ترجمة للخلیفة والاستخلاف وواضح أنھا لا تحوز بمفھوم اصطلاحي دیني بل ھو معنی لغوي وإلا فإن كل لفظة عربیة جاءت في القرآن تكون مصطلحا دینیاً.

وھذا ھو الوضع في الأحادیث والآثار. فلفظة الخلافة فیھا ومشتقاتھا جاءت في المفاھیم اللغویة المذكور أعلاھا، حتی أن لفظ "الخلیفة" جاءت لله سبحانه وتعالی . ومن ھناك إذا أرید وصف "الحكومة المھدیة" أو التي ’علی طریقة نبویة‘ فلم یكف لفظ الخلیفة أو الخلافة لھذا المفھوم وإنما یزاد فیھا "الخلافة الراشدة" أو "علی منھاج النبوة" لإعطاء المفھوم المراد. وقد جعل علمائنا ھٰذا مصطلحا بتقدیر العبارات كھذه. واعتباراً بھذا یمكن أن یقال إنه مصطلح لعلم السیاسة عند المسلمین أو لعلم الاجتماع عندھم كما أن ھناك مصطلحات أخری للفقه والكلام والحدیث والعلوم الأخری. ولكنه لایكون اصطلاحاً دینیاً. لأنه لم یكن ھناك شخص إلا الله ورسوله فیحق لھما فقط أن یجعلا لفظا اصطلاحا دینیا. فلا یثبت ذلك إلا بإرشادات لله ورسوله ولایثبت ذلك بطریق مقدمة ابن خلدون.

أما أن یجب علی المسلمین أن تكون لھم حكومة موحدة في العالم وأنه حكم قرآني فكل من له إلمام بالقرآن یعرف أنه خالي تماما من حكم كھذا. إلا أن ھناك إثنان من الأحادیث یُقدمان في حق ھذا الأمر. الأول قال رسول الله صلی الله علیه وسلـم كانت بنو إسرائیل تسوسھم الأنبیاء إذا مات نبي خلفه نبي ولا نبي بعدي وتكون الأمراء ویكثرون قیل فماذا تأمرنا فیھم؟ قال أوفوا العھد للأول فالأول بعده. (رواہ البخاري رقم ٣٤٥٥ ومسلم رقم ١٨٤٢) وثانیھما:

إذا بوسیع لخلیفتین فاقتلوا الثاني منھما (رواہ مسلم، رقم ١٨٥٣) وھناك كلام علی ھذا الحدیث الثاني من جھة السند ولكن بفرض صحته أیضا فلا یُجحد الحقیقة أن الحدیثین لا یقولان شیئاً ما یُراد بھما. وإنما یدلان علی أن المسلمین إذا قاموا بالبیعة لشخص ثم یبغی علیه شخص آخر فعلیھم أن یبقوا علی البیعة الأولی وأنه إذا قام آخر وباعوا علی یدیه أیضا البعض، یُقتل مع ذلك. والظاھر أن ھذه إرشادات معقولة تماماً.

ومن ھنا لما تقدم أنصاري بعد وفاۃ الرسول صلی الله علیه وسلـم باقتراح ثنائي أن یكون " منا أمیر ومنكم أمیر" فرده سیدنا عمر رضي الله بقوله إذاً یكون سیفان في غمد واحد. ونبھھم سیدنا الصدیق رضي الله عنه أنه لا یكونان أمیران في دولة واحدة. فتكون اختلافات ویكثر الفساد بدلاً من الصلاح ویسود الفوضیٰ وتحل البدعة محل سنة رسول الله التي تركھا للناس ،إن ساد أمیران في دولة واحدة. (انظر لما جری بینھم من محاورة في السقیفة بتفصیل: السنن الكبری للبیھقي، رقم ١٦٥٤۹ – ١٦٥٥۰)

فإن صحت نسبة ھٰتین الروایتین إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم فإنما یتلخص ما قاله صلی الله علیه وسلـم فیما بیناه آنفا. ولن یخرج منھما أن رسول الله قد أمر المسلمین بإقامة دولة واحدة وحكومة موحدة في العالم كله. وأنه إن كانت دعاة الإسلام قد نجحوا في جعل أكثریة المواطنین في أمیریكة أو بریطانیة أو في بلد آخر مسلمین فلیس لھم أن یقیموا دولتھم دولة مستقلة في مناطقھم فإذا قاموا بذلك أثموا، كما یأتم المسلمون الیوم المواطنون لبلدان أكثر من خمسین دولة. فھذا الزعم غیر منطقي تماما وھو من قبیل تأویل  القول بما لا یرضی به قائله.

ولیتنبه العلماء أنه لا ینبغي تمدیدُ واجب دیني من حدوده الطبیعي فلیس لعالم ولا لفقیه محدث أن یكلف الناس أمرا مالم یكلفھم الله تعالی. ولذلك كتبت وھأنا اكررہ تكریرا أن في بلدان الأكثریة المسلمة یرجو ویتمنیٰ كل شخص منا أن تقوم تلك الدول بإقامة دولة متحدة لھا ولنا أن نبذل جھودنا لتحقیق ھذه الأمنیة. ولكن لا أساس لھذا الخیال أنه مأمور شرعي وواجب دیني یأثم المسلمون بإخلافه.

(۲۰١٥م)