logo

70- الأزواج المطھرات

الأزواج المطھرات

إنه بحكم الفطرة التي فطر علیھا الإنسان فإن إدارة الأسرة تقوم في صورتھا المثالیة الخیرة إذا كان الزواج یتم بین امرءٍ واحد وامرأة واحدة. وھٰذا تمثل أیضاً في حیاة النبي صلی الله علیه وسلـم من حیث ھو إنسان. فإنه لاحظ ذلك ولم یخطر بباله قط أن یتزوج إمرأة في تواجد زوجة له من قبل. فإن قد قرن بالسیة خدیجة وكان عمره الشریف إذ ذاك خمسة وعشرون سنة. وكانت السیدة ذات ولد وسبق أن توفي زوجان لھا قبل ذلك. ولكنھا من أجل طینتھا الطیبة كانت توصف وتمدح بخديجة الطاھرة. وقد مضی شباب النبي صلی الله علیه وسلـم كله في رفاقتھا فإن ھٰذا الزواج بینهما قد ظل قائما إلی25 سنة علی أقل حد، حتی توفي وقد بقي وحیدا لتحمل مسئولیات الأمور المنزلیة.

وجاءت في الروایات أن صحابیة وھي خولة بنت حكیم جاءت النبي صلی الله علیه وسلـم وعرضت علیه اقتراح نكاح آخر بعد السیدة خدیجة. فقالت:

یا رسول الله، كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خدیجة ..... أفلا أخطب علیك؟ (الطبقات الكبریٰ لابن سعد، ٨/٥٧) فسئالھا ھل ھناك أحد نخطبھا؟ فقالت باكرة وثيبة أیضا إذا شئت. فسئالھا من ھي البكر قالت عائشة ابنة صدیقك أبي بكر. ومن ھي الثیبة؟ قالت سودة بنت زمعة آمنت بك وھي مؤمنة. قال لھا لكِ أن تخطب وتری. فخطبت ونجحت في كلا المقامین (روی مفھومه أحمد، رقم: ۲٥۲٤١)

 فقام النبي صلی الله علیه وسلـم بتزوج بالإثنتین ولكنه بنی بسودة فقط وجاء بھا إلی بیته والتي كانت معاصرة له في العمر وكانت آئمة. وكانت جدیرة بقیام المسئولیات المنزلیة بأحسن ما یرام. فظلت واحدة تعایشه إلی أربعة سنوات، حتی أن الصدیق رضي الله عنه قد استلفته إلی أن تجیئی بزوجته عائشة أیضا إلی بیته ،فأزمع أن طلق سودة بنت زمعة أولاً. فقالت له سودة إنھا بلغت من عمرھا إلی حد أن لاتحتاج إلی علاقات زوجیة ولذا سوف تتنازل عن حقوقھا في حق عائشة ولكن لایطلقھا لأنھا ترید أن تحشر في یوم القیامة مع أزواجه ،فقبل النبي صلی الله علیه وسلـم ما أرادت وترك إرادة الطلاق. وبعد ذلك بقیت عائشة فعلاً زوجة واحدة للنبي صلی الله علیه وسلـم. (انظر: الطبقات الكبریٰ لابن سعد ٨/٥۲)

ففي حیثیته البشریة  ھؤلاءكن ازواج النبي صلی الله علیه وسلم فقط ولم یتزوج بإمرأة غیرھن في حیثیته ھٰذه. ولذا فمن یوجھه إلیه تھمة تعدد الأزواج ویحاولون محاولة خبیثة لتدنیس حیاته المطھرة الطیبة، لانستطیع أن نقول فیھم شیئاً إلا أنھم لایخافون الله. إنھم یتھمون من؟ الشخصیة التي في ریعان شبابه لخمس وعشرین سنة لم یجترئ أحد توجیه تھمة إلی سیرته العالیة وسلوكه المطھر. والذي عند ما تزوج في ربیع شبابه تزوج بإمرأة آیمة ذات أولاد. والذي في الاجتماع العربي الذي كان ھناك رواج عام لتعدد الزوجات عاش ۲٥ عاما علی الأقل في رفاقة إمرأة واحدة. ولم یخطر بباله نكاح ثاني. والذي عندما نكح بعد وفاتھا نكح إمرأة بالغة من العمر إلی الخمسین آیمةً. والذي تزوج بباكرة واحدة طول عمره وقد أخر زفافھا لأعوام لكي لا تشتكي زوجته الثانیة والتي جيئ بھا لتحمل تبعات الحیاة المنزلیة عدمَ الالتفات. ففي شخص كھٰذا لایتجاسر علی التفكر بأن طرأته نزوة إلی الزواجات بعد البلوغ إلی الخمسة والخمسین سنة، فبدأ نكاحا بعد نكاح تسكینا لشھواته وبعد تعدیل في قانون شرعه ھو بنفسه، إلا مریضُ النفس وبلید الفطرة.

ولا شبھة فیه أنه صلی الله علیه وسلـم قد تزوج بثمان نساء أخریات في أخیر أعوامه الثمانیة من عمره الشریف، وقد جاء القرآن بقانون خاص له. ولكن ھٰذه الأنكحة الثمانیة لم تتم في حیثیته البشریة ولا من جراء أمنیته ولا تسكیناً لھوی النفس. بل كانت قد تمت تحقیقا لمسئولیاته الرسالیة من حیث خاتم رسل الله في الأرض، وبأمر من الله أو بإیماءه. ولایجحد ھٰذه الحقیقة إنسان سلیم الطبع، والذي قد سعی لفھم ھٰذه القضیة متجنباً سائر التعصبات. وإلیكم تفاصیل ذلك:

١. قد استشھد الكثیر من المسلمین في حروب البدر والأحد فصارت إعالة نساءھم الآیمة والیتامیٰ معضلة جماعیة في دویلة المدینة. فنبه القرآن أولیاء أمور الیتامیٰ إلی أن رعایة أموال الیتامیٰ وأملاكھم وحقوقھم لیست أمرا ھینا لینا ،فإن خافوا أن لا یعدلوا فیھا فلھم أن ینكحوا أمھات ھؤلاء الیتامیٰ المباحة لھم مثنی وثلاث ورباع. وكان ذلك اقتراح من الله تبارك وتعالیٰ فكان علی النبي صلی الله علیه وسلم أن یلبي علیه تلبیة أولیة ،فلبی علیه فعلاً ونكح من ثلاث نسوة أیامیٰ أخریات وكن: حفصة بنت عمر، زینب بنت خزیمة وأم سلمة بنت أبي أمیة.

۲. قد جاء القرآن بتعلیمات وإرشادات لإنھاء رسم العبودیة ولرفع درجة العبید في المجتمع، وتحقیقا لھٰذا الھدف قد زوج رسول الله صلی الله علیه وسلم ابنة عمتھا السیدة زینب بنت جحش بمولاه ومتبناه زید بن حارثة رضی الله عنه. وكانت خطوة كبیرة بعیدة النتائج والمكاسب ولكن مما یؤسف به أنه لم یتم بین الزوجین انسجام عاطفي فطلقھا زید. فكانت لزینب صدمتان معاً. إنھا أولا قبلت تزویجھا مع مولی عبد تحقیقا لإصلاح المجتمع وثانیا أصابھا طلاق أیضا. فعند ذلك قد أمر الله سبحانه وتعالیٰ رسوله أن یتزوج بنفسه السیدة زینب لمؤاستھا أولاً وثانیاً لإنھاء التصورات الجاھلیة المتمثلة في حرمة النكاح من أزواج الأبناء المتبنیة، مع أنه كانت عنده أزواج أربعة من قبل. وبفرض الرد علی الاعتراضات الممكنة قیل له إنك خاتم النبیین لن یأتي بعدك نبي ولا رسول حتی یجیئی بالإصلاحات المطلوبة فعلیك أن تفعله ذلك بنفسك. وكان النبي صلی الله علیه وسلـم یشعر بنفسه بضرورة ذلك من أجل الأوضاع المتأزمة بین زید والسیدة زینب ،ولكنه كان یخفي ذلك فأبداه الله قائلا إن الأنبیاء لایجدر بھم أن یكترثوا رد فعل الناس في تبعات رسالیة علیھم، فأُعلن زواجه صلی الله علیه وسلـم بالسیدة زینب من جانب الله تبارك وتعالیٰ في القرآن الكریم فجاء في الأحزاب:

وَاِذْ تَقُوْلُ لِلَّذِيْٓ اَنْعَمَ الله عَلَيْه وَاَنْعَمْتَ عَلَيْه اَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِيْ فِيْ نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيْه وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله اَحَقُّ اَنْ تَخْشٰـىه فَلَمَّا قَضٰى زَيْدٌ مِّنْھَا وَطَرًا زَوَّجْنٰكَھَا لِكَيْ لَا يَكُوْنَ عَلَي الْمُؤْمِنِيْنَ حَرَجٌ فِيْٓ اَزْوَاجِ اَدْعِيَاىِٕھِمْ اِذَا قَضَوْا مِنْھُنَّ وَطَرًا وَكَانَ اَمْرُ الله مَفْعُوْلًا. (٣٣: ٣٧)

٣. ومع ھٰذا الإعلان قد بین الله سبحانه ضابطة مفصلة للزواج والطلاق خاصة مع النبي صلی الله علیه وسلـم فقط، وجاءت في نفس السورة. قد رفعت فیھا شرائط لتعدد الازواج عائدة علی الجماھیر المسلمین، ولكنھا تحتوی بعض القیود التي سیتقید بھا النبي دون المسلمین. وجاءت تلك في آیات ٥۰-٥۲ من الأحزاب ونكاتھا الخاصة كما یأتي:

أولاً بعد ھذا النكاح – نكاحه بزینب – إن النبي صلی الله علیه وسلم یستطیع أن یتزوج أنكحة أخری لتحقیق مقاصد ثلاثة آتیة.

  1.  إكراما وتوقیراً للنساء اللاتي ینتمین إلی أسر شریفة ووقعن في قبضته في حرب من الحروب كأساری حربیة.

ب- تقدیراً للنساء التي أردن النكاح منه لغرض حصول النسبة إلی النبي صلی الله علیه وسلـم ووھبن أنفسھن لھٰذا القصد.

ج- تالیفاً للقلب لبنات العم وبنات الخال وبنات العمة وبنات الخالة للنبي صلی الله علیه وسلـم اللاتي ھاجرن معه وغادرن أھلھن وأقرباءھن في سبیل الدین.

ثانیاً، بما أن ھٰذه الزواجات سوف تتم لأغراض دینیة فلا یجب علی النبي إقامة العلاقات المتساویة بھٰذه الأزواج.

ثالثاً، وعلاوة علی ھؤلاء النساء المذكورة آنفا تحرم علیه بقیة النساء كلھن، فكان النبي صلی الله علیه وسلـم من أجل ھذا القید لم یتزوج بالسیدة ماریة وظلت معه في بیته علی طریقة ملك الیمین. كما أنه لایحل له تبدیل زوج مكان زوج منھن إذا نكحھن مرة، مھما كان حبه لها.

ومعنی ذلك أن الله تعالیٰ أراد أن ینكح نبیه صلی الله علیه وسلم بالنساء اللاتي قد واجھن صعوبات ھائلة وصدمات كبیرة إما تلبیة لدعوته وإما نتیجة لأية خطوته أو استجابةً لطلبھن طلبة شدیدة بالإنتساب إلیه. وكان ذلك إظھار لكمال عطف الله تعالیٰ علیھن ولطفه بھن، ففھم النبي صلی الله ھذا الإیماء الالٰھي ونكح السیدات: جویریة وصفیة للمقصد الأول ونكح بالسیدة میمونة للغرض الثاني وقد تزوج بالسیدة أم حبیبة تحقیقا للھدف الثالث.

واتضح مما قدمناه أن ذلك كانت مسئولیة دینیة خالصة عادت علیه بسبب مقتضیات نبویة ورسالیة، وقد قام بھا خیر قیام. ولا تمت بأیة صلة بالرغبات الجنسیة البشریة. فكان من الضروري أن یُستثنی ذلك من القانون العام. فالضابطة المذكورة التي جاءت بھا سورة الأحزاب تبین ھٰذا الاستثناء.

(۲۰١٤م)