logo

51-وراثة الحفید الیتیم

وراثة الحفید الیتیم

إن القرآن الكریم لم یصرح بسھم الحفید في میراث الجد أو بسھم الجد في میراث الحفید، ولكن بما أن ألفاظ الأباء والأولاد تشمل ھٰذین أیضا لغتاً وعرفاً، ومن ھنا أجمع الفقھاء علی أنه إذا لم یتواجد أحد من الوالدين المباشرين او الأولاد المباشرين فسھامھما المقررة تذھب إلی الآباء غير المباشرين و الأولاد غير المباشرين. ولكن قد تجیئی صورة فیما یتعلق بالأولاد أن مات الواحد أو أكثر منھم في حیات الوالد أو علی عكس ذلك عاش الواحد أو الأكثر بعد موت الوالد. واجتھد الفقھاء في ذلك وذھبوا إلی أنه من مات من الأولاد حرم أولاده في میراث الجد في وجود الأعمام، إلا أن یتقدم الجد في حقھم ویوصي لھم أیة وصیة. وبعض العلماء من العصر الحاضر أعربوا عن الرأي الثاني وقالوا أن اجتھاد الفقھاء القدامی لایصح. فإن الحفید ھو بمثابة الولد فیجب أن یورث السھم الذي كان من حقه ما إذا عاش والده. وعندنا أیضا یصح ھذا الرأي. ولذا ھنا أحاول الاجابة علی إشكالات وإیرادات جاء بھا الشیخ المجبل المكرم لنا الأستاذ أبوالاعلیٰ المودودي في كتابه "تفھیمات". وجاء بالاعتراضات التالیة:

١. إنه من یرث سھماً من المیراث وفقاً للقرآن یرثه بكونه أقرب إلی المیت بنفسه لابكونه ینوب عن الاقرب الآخر. ولذا فإن اقتراح إعطاء السھم للحفید الیتیم في میراث الجد سوف یُدخل نظریة النیابة الفاسدة في قانون المیراث الإسلامي. والذي لایثبت من القرآن ثبوتاً ما. ثم إنه یسلم النیابة مبدئیا ویحدده فقط في أولاد الأولاد ولایُقَدم دلیل معقول في حقه.

۲. إنه یرث وفقا للقرآن من یكون حیا متواجدا في وقت وفاة المؤرث، وھٰذا الاقتراح یورث المیتین أیضا.

٣. القرآن قد جاء ببیان صریح قطعي بسھام بعض المتعلقین لاتزید ولاتنقص ولكن تحصل ھٰذه الزیادة والنقصان في بعض السھام التي بینھا القرآن من جراء العمل بھذا الاقتراح المذكور.

والجواب علی الاعتراض الأول أن الحفید لا یُعطیٰ ھٰذا السھم لأنه ینوب مناب أبیه من حیثیته كوارث، بل یُعطیٰ المیراث لأنه قد صار بعد وفاة أبیه أقرب من الجد بحیث كان أبوه أقرب منه. فینوب مناب أبیه في الأقربیة. ولما كان الأب حیا كان ھو الأقرب لكونه من أولاده ولما ارتحل من الدنیا حل محله ولده وصار أقرب من جده، فحق له أن یكون وارثا أیضا. فإن الحفید كان بمثابة الولد للجد في حیاة أبیه وبعد موته أیضا بقي في ھذا المقام. وجاء الفرق فقط بعد موت أبیه أنه الآن صار أقرب من الجد كما كان أبوه. فھٰذه النیابة لیست في المفھوم الذي فھمه الشیخ المودودي، بل إن ھٰذه نیابة في كونه الأقربیة من المیت، والتي ھي بناء للقانون الإسلامي في المیراث كما یعتقده الشیخ بنفسه. مثلاً إذا لم یكن ھناك أحد من فروع المیت یصیر أخوه واخته نائبا عن الأولاد بھٰذه الحیثیة ویبلغھم السھم الذي یتقرر للأولاد إذا تواجدت. وفي ھٰذه النیابة إن الآیة الأخیرة من سورة النساء نص قاطع في ذلك. وسبب تحدید ھٰذه النیابة لأولاد الأولاد لأن أي وارث للزوج أو الزوجة بعد وفاتھما لایصیر زوجا أو زوجة في أیة درجة حتی ینوب مناب المیت في كونه أقرب منه.

والجواب علی الإیراد الثاني أن السھم الذي یقترح منحه للحفید لیس سھما لأبیه الذي یُمنح لإبنه من حیث أنه وارثه، بل إنه سھمه ھو لأنه الآن بعد وفاة والده قد حل محله وقد صار أقرب من الجد بتلك الحیثیة. وھذا لا یؤثر في القاعدة القرآنیة أن المیراث حق لأقرباء المورث الأحیاء. فإن اقتراح توریث الحفید اليتیم أیضا يسھم لمن ھو حي عند وفات المورث.

أما المعارضة الثالثة فإنها نشئت من سوء فھم أن نفس الطریقة لتقسیم المیراث ستتخذ حین لم یوجد أحد من أولاده. وقد بینه الشیخ المودودي بتقدیم مثال له فقال:

"أفرض علی سبیل المثال أنه كان لشخص ولدان وقد توفیا في حیاته. وخلف أحدھما أربعة أولاد وخلف الثاني ولدا واحدا فقط، فإن ھٰؤلاء الأحفدة الخمس سواء في حق الولایة بحكم القرآن فوجب أن یعطوا سھاما متساویة في میراث الجد. ولكن علی قاعدة النیابة تكون السھام ١۲ وتعطیٰ الثمانیة منھا لحفید وتذھب ما بقي من الحصص الثمانیة للأحفاد الأربعة بحساب سھمین لكل واحد منھما."

(تفھیمات لأبي الأعلی المودودي ٣/١۸۲)

وجواب ھذا الاعتراض أنه لیس من الضروري بل یمكن استمرار الطریقة التي تتبع الیوم في ھٰذه الصورة، أي إعطاء جمیع الأحفاد علی التساوي وقد أرشد القرآن نفسه إلی ھٰذا. فإنه أرشد إعطاء سھمه لوارث بطریق بصورة تواجد الوارثین الآخرین وبطریق آخر بصورة عدم تواجدھم. مثلاً إذا كان ھناك أولاد یُعطیٰ كل من الوالدین سدسا (٦/١)، وإذا لم یكن ھناك أولاد بل وجد أخ وأخت یعطیٰ كل منھم السھم المذكور. ولكن بصورة وجود الوالدین للمیت فقط تُعطیٰ الأم ثلثا ویذھب الثلثان إلی الأب. وتكون ھٰذه الصورة نفسھا في الأقرباء الكلالة. یُورث واحد منھم ،فإن كان له أخ أو أخت فله سدس وإن كان الأخ أو الأخت أكثر من ذلك فلھم جمیعا ربع،ویُعطیٰ كل واحد منھم علی التساوي. ومعنی ذلك أنه لیس من الضروري أن تختار طریقة واحدة للأحفاد في كلتا الصورتین. إن ھذا أمر اجتھادي بكل معنی الكلمة. فلك أن تختار أية طریقة له ولكن الضروري في ذلك أن تكون مطابقة لمبادئ القرآن ومتوافقة للعدل والإنصاف علی كل حال.