logo

12- أمین أحسن


أمین أحسن

إنه قد ارتحل من الدنیا العالم الثاني الكبیر للعھد الجدید للإسلام۰

ففي ١٩٣۰م لما انتقل الإمام حمید الدین الفراھي من ھذا العالم الفاني إلی رحمة الله رثاه صاحب "المعارف" السید سلیمان الندوي رثاءَ عالم أول لھذا العھد الجدید. ونحن الیوم بعد ٦٧ عاماً علی الأقل نرثی خلیفة الفراھي أمین أحسن الإصلاحي فكما أن سقراط وفلاطون، أبوحنیفة وأبویوسف، ابن تیمیة وابن القیم لا یمكن التفریق بینھم سیظل الفراھي والإصلاحي أیضا في الدنیا إسمان لمسمیً واحد دائما.

عندما يكتمل الكبرياء يصبح حاجة ،فإن كل الصحاري لي بالنسبة للقیس لیست إلا لیلیٰ.

فكان الإصلاحي قد جمع بین جلال العلم وجماله، ووقار الفقر وتمكنة العجز والاستغناء المتجسم، والحب كل الحب، وكونه مفسراً ملھماً للوحي الأخیر الالوھي، ومناد للعالم الجدید في الدین والشرع، المنشئ البارع والخطیب المصقع والفذ في طراز حسن تكلمه أن تشتاق الأسماع للإصغاء إلی كلامه فكان كما قال الشاعر الاردي:

مثل شمس السحر في براقة فكرته والحر الساذج في حدیثه والدقیق في معانیه.

إني رأیت أمین الإصلاحي أول مرة في ١٩٧٣م ولم التفت بعد ذلك إلی جانب آخر. وكان بابه بابا مسدوداً آنذاك ولكن اعتزمت وجلست علیھا كما قال شاعر فارسي:

كن ساكنا لباب مقفل ولا ترد أي باب آخر.

ثم فتح الباب وفتح بشأن أن صار لي باب داري أنا. فمنذ ذلك الیوم کل ثروة العلم والعمل التي ورثتھا وجدتھا من ذلك الباب ومن عنایة الله عزوجل. كما عبر به شاعر:

إن دولة الحب وخزانة الطرب فكل ما أحوذه حصل لي بسبب یمن عزیمته.

 وإنني حینما حكیت قصة مدرسة شبلي في ١٩٨٧م فقد كنت كتبت في تذكرة الإمام الفراھي: "والأستاذ أمین أحسن ھو تلمیذ رشید لنابغة العصر كھذا، إن لم یبلغ مرتبة الاستاذ فلم یتخلف عنه أيضا فإن المكانة العلیا التي بلغھا حمید الدین قد قضی أمین أحسن طول عمره في تفسیر رموزها وكشف أسرارھا. فجاء تفسیره ’تدبر القرآن‘ كتاباً فذا في مجال العلم والتحقیق وإذا استمعت إلی ماجری في الخمسین عاما ماضیا من معارك من لسانه الرشیق لكان كما قال عرفی الشاعر الفارسي ما مفھومه

إن رمحه یتكلم في میدان القتال وفي وقت الصلح یتوسع جبینه تفسح الملوك.

وقد كتبت: ''والأثارة الأخیرة لمدرسة شبلي ھو أمین أحسن ولكن كم من تلامذته وأحباءه یعرفون ھذه الحقیقة ویدركونھا؟ وأراني احترق بنار ھذا الإحساس الذي ما زال یشتعل في صدري منذ عشر سنوات أو أكثر. فإن نیرانه تكاد تخمد في رمادھا ولا تخمد،

 فناره لا تخمد ودائما في اشتعال في قلبي.

ولم تبق ھذه الأثارة أیضا في الدنیا ففي دسمبر ١٩٩٧ للمیلاد عند الساعة الثالثة صباحاً انتقل إلی رحمة الله في الوقت نفسه الذي كان فیه یھب من النوم للتھجد. فقد بذل حیاته كلھا في حل مشكلات القرآن أسلوباً ومعنیً.

فماذا نفعل الآن، حیثما نواجه صعوبة سوف نسئل صاحب القرآن نفسه.

 أما ھو فقد سكن الیوم العالم حیث كل الحجابات قد ارتفعت.

ومن ھو أمین أحسن؟ وقبل أعوام عدیدة منذ الیوم لما أراد بعض بایعي الدین تقییم مقامه من حیث عدد المعتقدین له قلت لھم:

"إنني لا أرید أن أقول شیئاً في أمري إلا أن رأس مالي كله ھو التلمذ علی أمین  أحسن. وأما أمین أحسن فإنه لم یستھدف قط إلی أشیاء یموتون ھؤلاء علیھا ویحیون لھا، إنه استحقر دائما أن تلتفت نظرته إلی ذخارف الحیاة الدنیا. والطریق التي یختارھا الناس لحصول القبول ھنیئاً مریئاً لو ذكرھا شخص في مجلسه لطرد من مجلسه، فقد ظل شعاره طول عمره أنه "إصحب الحق علی كل حال ولو تركك ظلك" إنه لم یحدث دلائل لمساوئ المجتمع الفاسدة بعد جمعھا بل حاول لتطھیر الفكر والعقیدة من تلك الخرافات والمفاسد. إنه لم ینزل مع الناس كل حضیض بل یدعوھم إلی معالي وارتفاعات فاز بھا من أول یوم لشعوره. فعالَمه عالم العلم والدیانة، ولا مكان في عالمه للمتزیین بالدین والمرتزقین بالسیاسة. إنه صحراء في ذرة كیانه وبحر في وجوده. وله اشتغالات في إقلیم فكره أن لم یبق له مكان لأشیاء كھذه. فإن مجاله الذي بذل فیه طول عمره ھو مجال العلم والتحقیق لا مجال الإرادة والاسترشاد والمشیخة. فإن أراد شخص أن یری ثمرة جھوده الشاقة فلیر أروع ما جاء به علما و تحقیقا، والذي تعرفه الدنیا الیوم باسم "تدبر القرآن". فإنه لیس رجل الیوم إنه رجل المستقبل وزمانه لیس ببعید.

وقد بدأ ھذا الرجل المستقبلي كتابة "تدبر القرآن" في وقت ما لِـ ١٩٥٧م للمیلاد. وكان یعد نفسه لذلك منذ زمان حینما قال له الإمام الفراھي في ١٩٢٥م وكان قائماً في زاویة لبیته: یا أمین ألم یان لك أن تقرأ علي القرآن أو تدوم علی العمل بالجرائد؟ وكان أمین أحسن. حسب قوله ھو آنذاك مدیراً لجریدة یومیة یتقاضی الراتب الشھري الخطیر وقد أخبر عن نفسه: "وبالرغم من ذلك فقد أجبت بدون أدنی توقف وتردد: إنی أقرء علیك القرآن، فآشار الإمام الفراھي إلی حجرة متواضعة من بیته: إنك سوف تقیم ھنا قال: "فقمت بالاستقالة من وظیفتي وصرت مقیماً في تلك الحجرة. ثم اقترح الشیخ سلیمان الندوي إسمه للأستاذیة في كلیة واتفق مع مسئولیھا لإرضاءه لذلك العمل وأخبر أمین أحسن به فذھب إلی دار المصنفین راجلا في ظھیرة محترقة وقال للسید سلیمان الندوی: أنا متشكر لك جدا أن عرضت إسمي لذاك العمل ولكن بالأسف لم أكن لأقبل اقتراحك، فإنني لا أغادر الإمام الفراھي في حین حیاته. وكان یقول إن السید سلیمان قد قضی العجب مما سمعه مني. فإنه ما كان یظن أن طالباً فقیراً سیرد الاقتراح الكبیر كھذا. ثم إنه حكی ھذه الحكایة أمام الطلبة في دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ أثناء خطابه وقال لھم: أنظروا إلی الطالب كھذا. وعلی كل یقول الأستاذ: "قد رجعت أنا بعد أن أقول له ذلك. ولكنی ظللت حذراً ومتفكراً في أنه إذا زار الاستاد الإمام دار المصنفین في ھذه الأیام فعسیٰ أن یكلمه السید سلیمان في ذلك ویُعد الاستاذ لبعثي ھناك."

وكان وجه الشیخ أمین یتلالؤ بتفاخر عجیب إذا ما یحکي لنا أنه بلغه فیما بعد أن الأستاذ الإمام قد ذھب ھناك وقد كلمه السید سلیمان أیضا في ذلك الأمر ولكنه قد صارح له بكل صرامة: لماذا أنت تتعرض لأمین أحسن ھكذا. فلمن أتجشم ھذا التجشم في آخر الأمر؟

وآتت جھود الفراھي ھذه أكلھا. وفي ١٩٣۰م إذ حانت منیة الفراھي دعا أمین أحسن وكان تحت علاج في مستشفی بمتھرا ولما دخل آمن أحسن حجرته رآه الفراھي وقال: جاء الأمین وكان أمین أحسن یقول: وإنه تكلم بإسمي من لسانه كأنه لایرید الإسم الظاھر بل یسلم إلي أمانة علومه وأفكاره مشیرا إلی معنی كلمة الأمین. وبذل أمین أحسن حیاته كلھا في تأدیة حق ھذه الأمانة. وكان یقول دائما: "إنی أخاف أن ألقی الفراھي في حضرة الله سبحانه فلا یطمئن إلی عملي". فما ھو تدبر القرآن یعرفه أمین أحسن بذاته ویقول:

"إنني أبین ھنا بدون شائبة فخر لتحدیث الواقع فقط أن ھذا الكتاب ھو ثمرة جھودي لأربعین سنة. إنی صرفت ریعان شبابي في إعدادات لھٰذا الكتاب والآن اقضي شیخوختي مرحلة الأوجاع والأسقام في تحریر وتسوید ھذا الكتاب. وفي ھذه المدة الطویلة أنا شاھدت تقلبات الحیاة الكثیرة وتجرعت جرعات حلوة ومریرة، ولكني أشكر الله سبحانه أن لم تنقطع علاقتي القلبیة والفكریة بھذا الكتاب. فما قرأت في ھذه المدة كان محوره كتاب الله وما تفكرت، فكرته واضعا أمامي ھذا الكتاب، وماذا كتبت مباشراً أو غیر مباشر كتبته عنه. فقد القیت عصا التسیار علی كل سورة من القرآن، وقمت بالمراقبة الفكریة علی كل آیة وحاولت لتقلیب كل حجارة لِحل كل لفظ وكل إشكالیة نحویة وأدبیة، متوقعاً لنیل طریق إلیه، وأفشی الیوم ھذا السر أیضا أنی لم اشعر قط بكأبة أو اشمئزاز في ھذا العمل بل أحسست دائماً بلذة عمیقة وفرحة كبیرة. وقال الشاعر الفارسي:

إن لكل زمان رجل یأتي من الغیب

وذلك بالإضافة إلی ثمرات جھود أستاذي حمید الدین الفراھي الممتدة إلی ثلاثین عاماً مع نتائج محاولاتي ومساعي لأربعین سنة. وسأكون فخورًا جدًا إذا كان بإمكاني قول أن ھذا الكتاب ھو كله مجموعة إفادات الأستاذ المرحوم فھذا ھو الواقع في الحقیقة. غیر أنی أحتاط في مثل ھذا الدعوی فقط لأن لاینسب أي خطأ لي إلیه. ثم إنه ما كانت صورة استفادتي به أن إطلعت علی رأیه جزماً عن تفسیر كل آیة من آیی القرآن. بل أخذت منه مبادئ وأصول للتدبر في القرآن. وبذلت خمسة أعوام كاملة في إعمال تلك المبادي والمناھج في إرشاده ھو، ثم جربت تلك المبادئ في أعمالي حتی الیوم. فإعتباراً بذالك لم یكن خطأً إذا قلت أن كان ذلك غیض من فیضه ولكن بما أنه یشتمل علی إفاداته المباشرة وافاداته الحاصلة بالواسطة ولذا من الأحوط أن أقول إذا رأیت في ھذا الكتاب جزءاً محكوماً مدلولاً إنسبه إلی الأستاذ الجلیل وإذا لمست فیه شیئاً ضعیفا أو خطأ ینبغي أن ینسب ذلك إليّ. (١/٤١)

وأضاف قائلا: "واشھد المولیٰ سبحانه أني لم أفسر في ھذا الكتاب آیة من آیات القرآن تفسیراً ترددت فیه أدنی تردد. وإذا أحسست أي تردد اشرت إلیه بلا تكلف كما ینبغي لي أن اذكر أني لم أتكلف في أی مقام أن أحمّل آیة معنی لاتحتمله وأن استخدمه في تأیید نظریة لي أو فكرة أتبنی بھا بتحریف معناھا الحقیقی إلی معنی آخر. فإنی لم اتبنیٰ قط شیئاً خارجاً من القرآن الكریم، وإذا علقت في ذھني وقلبي فكرة فللقرآن وبسبب القرآن.

وسیری دارسو ھذا الكتاب أنه حیثما اختلفت من استاذي أعربت عنه بدون أي تردد. (١/ ٤٢)

وتم كتابة ھذا التفسیر في لاھور وظل تحت التسوید والتبییض في قریة رحمان آباد البعیدة عند زاویة ''دوگراں'' خارج لاھور سنین عدیدة، تحت أشجار الساسم والساسر. حیثما لاتوجد كھرباء ولا مروحة ولا أیة تسھیلات أخری ھناك للتصنیف والتالیف. ورأینا مراراً وتكراراً أن المسودة مبللة بالعرق ولكن قلم المصنف كان یجري ویسیر في مساره، لأنه كان یعرف جیداً أنه لحصول الوردة لابد من مواجھة الأشواك. فإنه كان یستعد لمواجھة كل المشكلات والصعوبات في حل مشكلات القرآن والإعراب عن نتائج فكره عن ذلك وھو كما قال الشاعر الفارسي، ومفھومه كما یأتي:

التعب والاكتثاب لایلتحقان بطالب صادق فإن العشق مرشده فی الطریق بل العشق ھو المنزل له.

ولا یمكن الإعراب لفظاً عن الكیفیات الإیمانیة التي كان یمر بھا في كتابة ھذا التفسیر لكتاب الله. وأنا أذكر حین بلغ إلی الآیة الكریمة: یخرج منھما اللؤلؤ والمرجان من سورة الرحمن عرضت له ھذه القصیة أنه تخرج اللآلئي من الماء الملیح فقط حسب المقولة العامة ولكن القرآن صریح في أنھا تخرج من كلا المائین: العذب والمالح، فأمرني أن أقوم بالبحث والتحقیق في ھذا الأمر ولكن كان وجھه خالیاً من كل التردد والاضطراب وكان یظھر من وجھه طمأنینة عجیبة وضیاء إیماني عجیب. ومما قال لي بھذه المناسبة لا أتاكد أن أكرر لفظه بعینه غیر أن مراده كان كما یأتي: أقسم بالله العظیم إذا جاءتني اللآلي تقول إنھا تخرج فقط من المیاه المالحة فباالله سوف أقول لھا إنك مشتبھة في خلقك أنت فإن القرآن لایخطأ قط.

وكان قد ولد في قریة بمھور بمدیریة أعظم جراھـ باترابرادیش في عام ١٩۰٤م. وكان أحد أعمامه البعیدة الشیخ شبلي المتكلم الندوي عمیداً لمدرسة الإصلاح آنذاك. فأدخله والده مدرسة الإصلاح في ینایر ١٩١٥م بإیعاز منه. فكان كل تعلیمه قد تم في ھذه المدرسة الواقعة بسرائ میر أعظم جراه فقط. وكانت مدرسة دینیة ورغم ذلك فإنه تمكن من الاطلاع باللغة الإنجلیزیة بحیث یستطیع أن یقرء ویدرس كتب العلوم العالیة في ھذه اللغة بدون مشقة بل كان یستطیع أن یشرح عن مطالبھا الدقیقة للآخرین. وطلبة المدارس الدینیة لایستطیعون أن یتكلموا باللغة العربیة في عامة الأحوال ولكن الأستاذ أمین أحسن كان یتكلم بالعربیة بلاتكلف حینما مقیما عند الإمام الفراھي یستفید منه، ولما زار الھند الشیخ موسی جار الله فذھب إلی مدرسة الإصلاح أیضا كی یلتقي الإمام الفراھي وكان أمین یقوم باستضافته فلما رأ قدرته بالعربیة محادثة وخطابةً سأله ذات یوم: كم كنت مقیما في البلاد العربیة؟ فأجابه أمین احسن: ما مست قدمي ھاتین قط بلاد العرب، فكان الشیخ موسیٰ جار الله یتحیر لبرھة طویلة.

وفي ھذا الزمان نفسه قد ألقی أمین أحسن الشاب ذات مرة خطابا في حضرة الكبار من أمثال الزعیم محمد علي جوھر والشیخ السید سلیمان الندوي، وترشح منه بعض ما اتسمت خطابته وبرزت فیما بعد، والتي أثنی علیھا خطیب الزمان الذي لانظیر له السید عطاء الله البخاري بقوله: أنا أیضا خطیب ولكنك تجمع بین العلم والخطابة، فأثنی علیه الناس ثناءً عاطراً غیر أنه كان ینتظر ماذا یقوله الأستاذ الإمام. وحضره في الدرس مساءً وذكر ذلك البعض للإمام الفراھي فقد استمع إلی ما یقوله الناس برھة ثم قال بطرازه الخاص! نعم ھو كمثل أبي الكلام آزاد. فكان أمین یخبر أن الأستاذ الإمام قد لفظ بلفظ ’آزاد‘ بأسلوب خاص كأنه كان یرید التنبیه لا الثناء.وعلق علي ذلك "وكان ذلك اسلوب تربیة استاذي خاصة."

وكان الأستاذ الإمام قبل ذلك في زمن طلبه بمدرسة الإصلاح قد حسّن إحدی خطابات أمین أحسن بقوله: "إن ھذا الطالب قد أبلی بلاءً حسنا في الخطابة". فاقترح أستاذه عبد الرحمن النجرامي: "ینبغی أن یكون عند ھذا الطالب تذكرة لِثناءك أنت یا شیخ. فأعطاه الفراھي ’مجموعة تفاسیره‘ وكتب علیھا: "في تعویض للخطابة الحسنة" وأثبت إمضاءه علیه.

وفي عام ١٩٢٥م للمیلاد قد ذھب إلی دولة مالیزیا لبعض حوائج المدرسة وكتب كتاباً إلی زمیله الدراسي الشیخ اختر أحسن الاصلاحي وكانت فیه جملة "ھذه أیام ربیع لجیشان البحر" وقرأ الإمام الفراھي كتابه وقال: إن أمین أحسن لأدیب، وكان یقول عن نفسه إنه حینما یسئله شخص في أیام الطلب ماذا یرید أن یكون ھو في المستقبل فیجیب: أرید أن أكون أدیب الھند.

وفي ھذه المرحلة كان له شوق إلی قریض الشعر وكان مطبوعاً علی المرح والمزحة منذ صباه. فھجا استاذاً له في المدرسة، فطلبه الاستاذ النجرامي ونبھه علیه مع قلیل من الغرامة ولكنه قال له أیضا: إن نظمك جید بلاشك. ومع ذلك فقد ذھب منه ھذا الشوق مع مرور ھذه المرحلة الزمانیة. وكان یقول: إنی قارنت نظمي بنظم شبلي فخیل إلي أني لست بمكان أن أقول الشعر مثله فتركت ھذا المجال برأسه.

وفي زمن طلبه جری اختبار للسبع المعلقات وكان السید سلیمان الندوي ممتحنا فقد علق علی كراسة أمین أحسن. "ھذه كراسة طالب. ومن أین لي أستاذ كھذا لندوة العلماء". وكان لبعض الطلبة صراع معه. فقال بعضھم للفراھي: إن أمین أحسن له تنفر من النحو فكان یقول: حضرت في درسه فسئلنی الاستاذ الإمام: یا أمین أي صیغة لِ؟ ولما أجبت جواباً صحیحاً نظر إلی المعترضین بنظرة شذرة وقال من یقول إن أمینا لا یعرف النحو.

وكذلك سأل الأستاذ الفراھي حضور درسه علی أیة مناسبة أخری: من ھو أقل سنا في ھذا الدرس؟ فقالوا: أمین أحسن فسئل: من جاء أخیراً؟ فقالوا: أمین أحسن فقال علی ذلك، قال سیدنا المسیح علیه السلام إنه كم من عاقب سوف یستبق الأخرین.

فكان یذكر اعتماد أستاذه علیه بھذا الأسلوب، فذكر ذات مرة أن بعض الناس شكوا إلی الإمام الفراھي أن أمین أحسن یقول إن الشعر العربي لیس شعرا في الواقع فإنه لایتمیز فیه أن الشاعر یصف حبیبته أو یصف ناقته. فأجاب الفراھي: أری أنه لم یلق شارحا یقوم بتفھیم الشعر تفھیما مناسبا. یقول: "فإذا جئت سئلني الأستاذ عن ذلك، فأعدت علیه رأئي فقال الأستاذ الإمام: إقرأ شعراً ما فقرأت علیه الشعر الأول من معلقة امرئ القیس: قفا نبك من ذكری حبیب و منزل. فقال الإمام: ترجمه فترجمته علی نحو ما یترجمونه في المدارس العربیة عموماً قال الإمام. لا لا، لیس كذلك. بل قل: قفوا قفوا أصدقائي أبك بكاءً علی حبیبتي ومنزل حبیبتي فنادیت لا ریب إنه صار شعراً صار شعراً الآن." وكان یقول:

 "إن الشعر العربي أصبح لي شعراً مرغوبا فیه رغبة كبیرة فیما بعد".

وإذا ما یذكر شخصیة الفراھي تلمعت نظرتاه لمعاناً عجیبا فیذكره. في عظمة ھذا الكلیم لذروة سیناء العلم لساعات ولم یكن شبعان قط. ویتحدث بعض وقائعه في أسلوب ودي جاذب كأنه یذكر ملاكا.

كان یقول: "كنت أدرس السبع المعلقات فلم أفھم "لا" في مكان. ونظرت في الشروح الكثیرة حتی وفي شرح أدیب الھند الشیخ فیض الحسن السھارنفوري فما اطمئنت إلی رأي. فحضرت مع الكتاب إلی حضرة الفراھي وعرضت علیه قضیتي. وكان واقفاً خارج دار مطالعته. وقف لساعة ثم أخرج مرسماً وكتب في كتابي: لاھي نادرة ھنا. كما تقولون: یا تری لا تاتي لحظة موتي، فھذه ’لا‘ من مثل ذلك. فكان ھذا أسلوبا خاصا للإمام للتوصل إلی غوامض اللغة."

"وفي أخیر أیام حیاته قد أفتی عالم كبیر من الھند بتكفیر الفراھي بسبب بحث من بحوثه. وكان ذلك باعثا علی الاضطراب في كل المنطقة. وكان الطلبة وأساتذة مدرسة الإصلاح كلھم قلقون لذلك. وكان ذلك حدث كبیر لي أیضاً ففي ھذا العالم، عالم الحیرة والقلق تسرعت إلی دار مطالعته بحثا عنه ورأیته قائما علی مدارج دار مطالعته فاخبرته مسرعاً وقد كنت توقعت منه أن یظھر اضطرابا وقلقا مثلما كنت أحسه غیر أنه بعد أن استمع إلیّ وتوقف لحظة في درجة، ثم قال: طیب إن ھذا الشخص الذي أنت تذكره لایعرفني، ثم ذھب إلی سبیله وبقیت اتحیر من جوابه قائما. فإنه لا یمكن تعلیق بلیغ علی فتوی التكفیر ھذا أكثر من ذلك". وكان یقول ولھان كبیراً: "فكان الفراھي ھذا ومن أین لكم شخص كھذا؟"

إنه قرأ القرآن علی الفراھي ونال مذاق لسانه الذي قلما وجده شخص ما، فإن نظم القرآن اكتشاف للفراھي لكن الشیخ أمین أعمله في تفسیره تدبر القرآن وأوصله بمكان حیث لایبقی مكان للانكار عند المانعین له. وكان أمین أحسن في علمه بمكان رفیع كان الأئمة المجتھدون لھذه الأمة فائزین به في مختلف العلوم والفنون. ففي اللغة والأدب والفلسفة والحكمة ومعارف القرآن وما إلی ذلك من العلوم كان فیھا فائزا بدرجة لاتتصور مكانة أرفع منھا بسھولة. فكان بلاریب إمام وقته في ھذه العلوم. ولما طلبه أحد في بعض تحقیقاته الجدیدة أية مرجعیة للمتقدمین كان جوابه باطمینان كامل وثقة كاملة، "كن مطمئنا نكون من المتقدمین بعد برھة قلیلة". وقد كتبت في مكان ''أني شھدت في مجالسه أن تُحل عقدات القرون في لمحات وكم اعترفت بلسان الشاعر الفارسي أنه ھذا الطریق یطویه في لمحة رعد البرق ونحن المتغافلون ننتظر إلی الشمعات والسرج.

وكانت ھذه مكانته وبالرغم منھا إذا جاء أمامه قط حق ثابت ضد تحقیقه ورأیه المحكم عنده فقد رأیته یقبل الحق ویستسلم له بصورة تحیرت منھا. وأنا كنت طالباً یجلس في الصف الأخیر لمدرسته العلمیة، فلم اطمئن لما فسر به الأشھر الحرم في سورة التوبة. وكنت أری أن الأمر ساذج بسیط وتعقد كثیراً من تفسیره. وذات مرة اجترأت علی بیان رأيي عن ذلك حذِراً خائفا في ضوء ما وجدته من فیوض تربیته العلمیة. واستمع إلي بسكون وألقی إليّ بعض التساولات في ذلك، ثم سكت لدقائق ثم قال: إنی تفكرت في ھذه الآیة لأعوام طویلة ثم توصلت إلی رأيي. ولكن رأیك أصوب ثم استشھد بشعر فارسي في عالم الانفعال الكبیر، ومفھومه:

لا تظن أن مآثر الكبار قد انتھت فإن الآلاف من الخمور الغیر المشروبة في انتظار إلی من یشربھا ویتعاطیھا.

وبعد وفاة الإمام الفراھي قد رأ أنه كما قرأ القرآن علی مثل الشیخ حمید الدین الفراھي في عظمته وجلالة قدره یجب أن یقرأ الحدیث النبوي الشریف علی عالم جلیل الشان في ھذا الفن. وكانت قریة الشیخ عبدالرحمن المباركفوري الشارح الشھیر للجامع الترمذي لیست ببعیدة منه. فذھب والد أمین أحسن به إلی الشیخ وأظھر رغبته في القرأة علیه فقال له المحدث المباركفوري انت قد قرأت جمیع الفنون فإن أردت أعطیتك إسنادي فأبی أمین أحسن قائلاً: یا شیخ، ھذا تاج الملوك ولا یرید ھذا الفقیر تتویجه به بھذا الطریق فلست أرید السند بل أرید التفقه في الحدیث علیك. فسأله أی كتاب ترید قرأته؟ فأجاب: إنك شارح الترمذي فأقرانیه فبدأ درس الترمذي. ثم ظل یحضر في حضرة الشیخ المباركفوري بانتظام وتواصل راجلاً علی الأقدام بدون اكتراث لِفصل الشتاء وموسم الحر وقال الشاعر الفارسي مامفھومه

وشوقك ینیر الطریق ووجعك یتیح الزاد

وكان یحدثنا ما حدث له في زمن طلبه من الشیخ المباركفوري بلطف كبیر. أنه ذات یوم اثناء قرأة عبارة الترمذي في الدرس قرأ عرٍف بكسر الراء باعتماد كامل فانكره الشیخ وقال: لا أعرف عرف (بكسر الراء) قال: فاجبته أما أنا فلا أعرف عرَف (بفتح الراء) فأرشدني الشیخ: راجع اللغة. ففتحت المعجم غالبا الصحاح للجوھري فوجدت أن الأستاذ ھو المصیب فی قوله، فأحسست بعض الندامة، فابتسم الأستاذ وقال: استأنف وللجواد زلة.

وبعد وفات الإمام الفراھي قام أمین أحسن بتأسیس "الدائرة الحمیدیة" لتقدیم عمله وإجراء مجلة "الإصلاح" الشھریة. وقام في ھذا الزمان بترجمات لكتابات الإمام. وترجماتھا بغایة من الصحة والبراعة أثنی علیھا الشیخ أبوالاعلیٰ المودودي الأدیب المصقع والكاتب لطراز خاص وقال: إذا أراد شخص معرفة سلیقة وطریقة نقل العبارات العربیة العلمیة العلیا إلی الأردیة السلیمة فعلیھا أن ینظر في ھذه الترجمات.

وفي عام ١٩٤١ للمیلاد قام الشیخ أبو الأعلی المودودی بدعوة إقامة الحكومة الإلھیة فوافق أمین أحسن ھذه الدعوة وانتقل معه إلی دار الإسلام مخلفا وراءه مدرسة الإصلاح، والدائرة الحمیدیة ومسودات الاستاذ الإمام والمبلغ الخطیر البالغ إلی خمسین الفاً في ذلك الزمان، والذي تم جمعه بإسمه ھدفا إلی صرفه علی الأعمال العلمیة.

فظل مع الشیخ المودودی موافقا مؤیدا له مرة ومخالفا له مرة أخریٰ. وفي زمان توافقه معه حینما أراد بعض العلماء استخفاف علم المودودي جاءت شھادة أمین أحسن له كبرھان قاطع في حقه. وكان یقول فیما بعد علی طریق التفنن أنا شھدت لعلمه في مواجھة العلماء التقلیدیین لا بمقابلتي أنا یا تری. فظل لستة عشر عاما علی الأقل مصاحبا معتمدا علیه للشیخ المودودي. وقام معه بترشید الجماعة الإسلامیة ترشیداً علمیا وفكریا وتحمل في سبیل ذلك صعوبات ومشاق الزنزانات أیضا باستقامة وعزیمة.

وكان یخبر عنه أنه قد أكمل عمله في تجزیة مطالب القرآن وتقسیمه إلی مقتبسات في زنزانة ملتان. وفي ١٩٥٣م للمیلاد قد أعلن علی الشیخ المودودي بالإعدام فتبحرت عواطفه علیه. وفي زمن خلافه منه حینما كان یلقب المودودي بأمیر المؤمنین بأسلوبه الخاص وینتقده نقدا لاذعاً رأیته مراراً أن تحت الفاظه المریرة المتلاطمة كان ھناك بحر للحب له متلاطم. وكان یتأسف كثیراً علی أن صدیقه الذي كان یراه مرة عالیا عظیماً كیف تنزل إلی حضیض.

وفي ١٩٧٥م كنت مقیماً في مؤاجھة مسکن الشیخ المودودي إذ زارني الاستاذ الإصلاحي. وبعد الفراغ من تناول الطعام خرج إلی صحن البیت لغسل الأیدی فسألني: ھذا ھو دار الشیخ المودودي؟ فأجبته بنعم ثم رأیته یكرر ھذا البیت الأردي ما مفھومه.

نحن، أنا وأنت، كنا متعارفین في زمان لا أعرف تذكره أولا تذكره.

 وقد انتھت ھذه الصحبة في ١٨ ینایر عام ١٩٥٨ للمیلاد علی الجمل التالیة لأمین أحسن:

"أنا أعرف جیداً ماذا أفقد بصورة حرماني من رفاقتك، ولكن یجب أن تذكر أیضا انك إذا لم تقدر مشورات مخلص لك مثلي ناصح حق قدرھا سوف تضطر إلی قبول "المستشارین السوء" وقد كنت متمنیا قلبیا أن لیتني ظللت رفیقا لك ولكنك طلبني في كتابیك الثمن الباھظ لذلك اقصر عن أدائه."

وإذا انتقل الشیخ المودودي إلی رحمة الله تأسف أمین أحسن جدا وقال الیوم ارتحل من الدنیا شخص یلتذ الخلاف منه والتوافق معه. وكان في بیتي حین جاء نعي المودودي فتذاكرنا مزاحه، فحدثنا بعض الفكاھات التي حصلت في زمن قیامه ببتان كوت. وكان من بینھا، قال: "كنت تزوجت وصھري السید عبدالرحمن جاءني زائراً ولم احضر لسبب في صلاة العصر یومئذ فسأله شخص: لم یحضر الشیخ أمین أحسن الیوم؟ فقال الأستاذ المودودي بداھة یا أخي ھو مبتلیً منذ صباح الیوم في "إن الإنسان لفي خسر". (خسر یقال للصھر في الأردیة)

وكان أمین أحسن أیضاً نظیره في المزاح والمرح. وفي زمن أسارته انكسرت أسنان الشیخ المودودي كما یغلب ظني. والشیخ أمین لم یكن یعرف أن أسنانه صناعیة فلما أخبره أحد بذلك. ذھب إلی المولانا المودودي للعزاء "في الأسنان" وتوقف قلیلا عند باب الزنزانة متأسفا یائساً بظاھر الحال ثم قال:" یا شیخ أنا أسف جداً لم أكن أعرف أن عندك قسمان للأسنان، أحدھما للأكل والثاني للتظاھر بھا."

وأخذ شخص یعقد مؤتمرات وندوات باھتمام كبیر وكان مرجوا كبیراً عند الإصلاحي في سبیل خدمات دینیة، فكان یدعو علماء وباحثین من مدارس الفكر المختلفة ویكلفھم بإلقاء الخطابات فیھا. الأمر الذي لا مكان له في تصور خدمة الدین یتبناه أمین أحسن. وذلك الشخص جاءه یوماً یدعوه لإلقاء الخطاب، فسئاله أمین أحسن ما ھو ھدفك بعقد ھذه المؤتمرات؟ فأجاب: أرید أن یجتمع أناس منتسبون إلی مدارس نظریة مختلفة في رصیف واحد، فقال أمین أحسن بدیھیاً: "إن قطاع القطار یقوم بخدمة جمع أناس متباینین في رصیف واحد منذ مئة سنة ولذا أعتقد أن ذلك لایحتاج إلیك".

وكان صاحب طراز خاص في الكلام علی الناس فلما غضب علی عالم كبیر ومصنف شھیر قال إنه قلیل القرأة كثیر الكتابة، وحینما وصف أسلوب البحث والتحقیق عند المستشرقین. قال ''أسلوبھم ینمي عن تخدیش نحلة وجعلھا جاموسا وتصدیف فیل علی ساق جرادة، ولما تشكلت (في الباكستان) جبھة متحدة بإزاء الجنرال أیوب خان وتائید فاطمة جناح فعبر بھا بحزب له وزن الخمسة كلومتر من الضفادع. وفي ذلك الزمان اشتھرت جملة المولانا المودودي "إنه في طرف رجل لا یحمل صلاحیة إلا أنه إمرؤ وبإزاءها إمرأة لاتحمل سوءاً إلا انھا إمرأة. فعجب منه أمین أحسن وقال: یا للعجب! لیس فیھم رجل یقابل رجلاً لایحمل صلاحیة غیر أنه رجل".

وبعد حدث افتراق "ماجھی گوتھ" في شوریٰ "كوت شیرسنغ" قام الأستاذ المودودی یطلب سلطات كبیرة لأمیر الجماعة. وكان أمین أحسن یختلف منه اختلافاً كبیراً وكان یریٰ من البدایة أن أمیر الجماعة مسئول عن التزام ماتتفق علیھا شوریٰ الجماعة من الأوامر. ولذا قام بالاستقالة من الجماعة. وعلی ذلك كتب إلیه الشیخ المودودي قائلا:

"إذا أردت تخطئة رائي ھذا فافعل. وأنت حر كامل لاتیان الدلائل ضد رائي ھذا حتی ان لك خیار كامل أن تحمل رائي علی أسوء معنیً یراد منه، ولكن لیس لك أن تتھمني أنني مازلت أستتر قطة سوء النیة في حقیبة ضمیر مجرم آثم وأخرجتھا في "كوت شیرسنغ" انتھازا للفرصة المناسبة. أنا أراه حقا وأظھرته دائما وظللت عاملا به بعد تشكیل الجماعة حتی الیوم. ولك حق كل الحق أن تحاول تخطئة ھذا الرأي. لا حاجة لك إلی مغادرة الجماعة بسببه. فلك أن تمھد أذھان مجلس الشوریٰ في حق رأي مخالف له بحریة كاملة".

وانظر كیف أجاب أمین أحسن. فقد كتب إجابة علیه:

"إنك لاتحتاج إلی بیان تاریخ مولد" قطتك، فإني لست غیر واقف علی أنك لم تزل تتمتع بحیازة ھذه القطة في حقیبتك ولكنك تذكر اني في جلسة شوریٰ بإلاہ آباد قبل انقسام البلد قد حاولت حنق عنقھا فراجع إلی مذكرة جلسة الشوریٰ المذكورة. ولكن لم تمت ھذه القطة آنذاك. غیر أني وأصحاب الفكر والنظر للجماعة غیري مازالوا یفكرون في إماتته وقضیة حیاتھا وموتھا مازالت تثار مرة بعد أخری، حتی أننا بعد الإنقسام قمنا بوضع دستور للجماعة قضی نھائیا لموتھا. ولیتضح أننا جزماً أبرمنا ھذا القضاء، أبرمناھا واضعین أمامنا ما یقضیه الشرع الشریف، ومصالح الوقت والدیموقراطیة الإسلامیة. وقد تم حصول آراء العلماء وفتاواھم وآراء أھل النظر. ولاریب إنك مازلت تحییھا من وقت لآخر، ولكن دستورنا لم یسلم حیاتھا. وفي صدد ذلك حینما خالفت الدستور فقد أثبتت في عامة الأحوال عدم البصیرة في اتخاذ خطواتك، ولذا قد أجمع أھل الرأي للجماعة أنه یا حبذا أن تظل "القطة" میتة.

أما أنت فكان موتھا شاق علیك جدا. فما تزال تفكر لإحیاءھا حیاة جدیدة، حتی قدمت استقالتك أنت في عشقھا. وتأمرت لذلك في ماچھی گوتھ بطلبك أصحاب سِرك في الخلوة. ثم قرأت علیھا الطلسم الإحیائي الأخیر وھي تنفست الحیاة فعلا. والآن أنت تدعوني أن آتي في الشوری من جدید وأحاول لإماتتھا إماتة أخری في الشوریٰ واعتذر من ذلك. فإن قطة أمتتھا بعد محاولات لأعوام أنت أحییتھا وقامت شوراءك بتبعات إرضاعھا، فإني إن أسعی لإماتتھا من جدید فذلك یعني أن انذر حیاتي كلھا في عملیة إماتة القطة ھذه، فھل ھذا وظیفة شریفة؟

فھذا كان أسلوبه حین یقوم بتجزئة واستعراض ومحاكمة. والكتاب الذي كتبه إجابة علی اتھامات المودودي "لمجلس الاستعراض" یمثله خیر تمثیل. ولما قرأه سفیر كبیر للسوریا علق علیه بقلمه: یا مولانا أنت لم تكتب كتابا وإنما كتبت قضاءً یقضیه القاضي. ونفس الأسلوب تراه حین أجاب علی اتھامات الشیخ محمد منظور النعماني التي وجھھا إلی الجماعة الإسلامیة. وقد قام بتجزئة نظریة المصلحة عند الشیخ المودودي بنفس الأسلوب. كما أعمله حین قام بدراسة استعراضیة علی تقریر لجنة العائلة. فكتاباته ھذه تنم عن طراز انشاءه المشرب بالمزح والمرح لحد أن إذا قرأه شخص لم یكن له بد من الثناء علی قلمه الساحر.

وقد شھدت شیخوخته. والناس الذین كانوا یستمعون إلی خطاباته في زمن انتماءه إلی "الجماعة الإسلامیة" یذكرون الیوم أیضاً خطابته. ویقول بعض سامعیه أن خطابته كانت كأنھا بحر تتلاطم أمواجه بعض التلاطم وكأنھا عین انفجرت من الجبال ونھر یھبط من علیاء الجبال إلی الوادي ویجري الآن إلی المیادین. فلفظ ینطق به لسانه ینزل مباشرا إلی القلب. فكان ینطق بإذعان نبوي ویذكر خطباء العھد العتیق. فیتكلم الاستدلال بلسانه وینزل الإیمان علیه. وتمثل ھذه الكیفیة جملة من خطبه التي القی بھا في ١٩٤٥ للمیلاد وجاء فیھا:

 "إذا شئتم ضعوا السیف علی عنقي ولكن لن اتسلم لكم أبداً أن أحیل عملیة طاھرة كتزكیة النفس إلی الجھلاء الذین یجلسون في الزوایا والتكایا ویبیعون دینھم "

وأخبرني صحفي كبیر أن الشیخ أمین أحسن كان یخطب في میدان ككري بكراتشي وأنا اكتب خطبته فصدر منه فجأة "أن الإسلام یصدر فرمانا" ثم وقف لمحة وأضاف لیس ھذا فلتة لسان وإنما یحق فقط للإسلام إصدار الفرامین". وبدٓلك قد أحدث بحراً مواجاً للفظ والمعنی أن بقیت انظر إلیه وأصغي إلی كلامه ونسیت أن علیّ كتابة كلامه أیضاً.

فكان یدعوإلی الدعوة الدینیة دائما في ھذا الإذعان وبنفس الحرارة الإیمانیة. وقد حدث معه لطیفة في ھذا الباب. في انتخابات ١٩٥١م قامت "الجماعة الإسلامیة" بترشیحه. وكان یقول: إني قلت لھم مراراً وتكراراً بكل تاكید أنه لم تلدأم رجلا غیر أنسب لھذه العملیة غیری، ولكن "أمیر المؤمنین" لم یستجب لي. فارتضیت له طوعاً وكرھاً فقیل لي یوماً: إنه یجب أن تقوم بإلقاء الخطبة أمام الناس لذلك. فذھبت وبدأت خطابي بما یأتي:

"أیھا الحضور عليّ لعنة الله وملائكته والمؤمنین أجمعین إن أدعوكم إلی إلقاء الصوت في حقي. وإنما جئتكم فقط لإخباركم عن واجبات ومسئولیات كمصوتین". وبعد ذلك لا یرجی منھم حماقة أن یدعوني مرة أخری لالقاء الخطاب الانتخابي في ذلك الانتخاب.

وقد مضی جزء كبیر من حیاته في الجماعة الإسلامیة وظل أعواما طویلة نقیبا لھذه الدعوة ومنادیاً إلیھا. ففي ھذه الخلفیة یثور سؤال طبیعي أن ماذا كان رأیه الأخیر عن الفكرة التي علیھا قامت الجماعة، في دور حیاته الأخیرة؟ فأنا أقول قولاً أكیداً وبكل مسئولیة علی أساس ماسمعت منه وما فھمته أنه لم یبق الآن قائلاً لمفھوم إقامة الدین الذي تریده الجماعة منه ولم یصح عنده معنی أظھار الدین مابینه الشیخ المودودي. كما لایصح عنده إقامة جماعات "كمثل الجماعة الإسلامیة" ولا یسع في فكره أشیاء مغلوطة كالجھاد والإمارة وبیعة السمع والطاعة بدون حكومة إسلامیة مستقلة. كذلك لایناسب عنده سیاسة حصول السلطة الحاكمة لعلماء الدین. فقد تبنی الآن رأیا أكیدا أنه علی العلماء أن یسعوا ویحاولوا لھدف إقامة الثوریة الفكریة والذھنیة فقط. فعالم الدین مادام عالما وما دام یرید أن یكونه لاینبغي أن یقدم علی غیر ذلك إقداماما. وجاء كل ذلك بصراحة تامة في خطبه وكتاباته وأحادیثه. ویمكن الاستشھاد علی كل شئ منه بألفاظه الصارحة.

فماذا كان إقلیم الفكر لأمین أحسن؟ فالذین اتیحت لھم فرصة للسیر في إقلیمه یعرفون أن إقلیمه إقلیم جدید في عالم الفكر الدیني. ففي إقلیم فكره تركز جمیع السلطات وكل الحكم للقرآن الكریم. فماذا ینطق القرآن بلفظة تصیر قانوناً. إنه نصب میزانا في كل مكان یرجع إلیه كل من أبي حنیفة والشافعي والبخاري ومسلم والأشعری والماتریدي والجنید والشبلي بكل بما عنده من أشیاء ویزنھا في ھذا المیزان القرأني. ثم في ھذا الإقلیم لایشتری من أشیاءھم ما یقل وزنه بتقدیر القرآن ومیزانه. فھنا یقوم العلم والفكر والعقل والفلسفة والحكمة مصغیا في حضرة القرآن. وكل لفظته مدینة للعجائب لاتنقضي أبدا. ینطق بلفظ محكم أولا ثم یفصل تفصیلا وإذا إشكل شیئ من منطوقه یبینه بیانا شافیا في مكان آخر، والقرآن إیوان كریم مكتوب في أبوابه وجدرانه في ألفاظ جلیة أنه من لم یؤمن بنظم وترتیب في كلامنا لایدخل في إیواننا ھذا. وقد قضیٰ أمین أحسن كل حیاته في ھذا الإقلیم، كما قال الشاعر ما مفھومه:

إن اسلوب تفكیره لمختلف عن سائر زمانه ولا یعرف أحواله مشائخ الطریق،

ولكن یوجد أحیانا عارف السر من بین مشیخة الطریقة أیضا. ومثل ذلك أن الشیخ محمد منظور نعماني زار لاھور فقال له أمین احسن: إن زوجتي تقول: إنني لا افھم ما تقول في كتاباتك ولكن أفھم جیدا بما یكتب الشیخ النعماني فأجاب النعماني: یا مولانا! نحن نكتب لھم وأنت تكتب لنا. وإذا تم إكمال "تدبر القرآن" فأخبر الشیخ النعماني عن رؤیا رآه أنه جاء یزور أمین احسن وفي بیته قد تم طباخ قدر "مزعفر" (طعام خاص یصنع في الھند) تنبعث منھا الریاح الطیبة. وكتب النعماني إلیه أنه یعبر رؤیاه "بإكمال تدبر القرآن".

وكان شخصاً وجیھا جمیلا یتمتع بحسن الذوق وإناقة اللباس مع كل السذاجة في المجالسة والتعایش. وقد أخبرنی زمیله القدیم أنه قد أرسل إلی میانوالی من قٍبل "الجماعة" وكنت زمیلاً في سفره ولما توقفت الباصة علی محطة سرگودھا قال لي: إنه یصلح أن یؤكل الدھن دھنا لا سمنا فاذھب وأتنا ببعض الأخباز والفطائر.

ولم یكن ملكا بل انسانا ولذا یوجد فیه بعض النقائص أیضا بالطبع ولكن لم یفتن قط برفع معیار الحیاة. وكان له علاقة بالله تعالی علاقة التفویض والتوكل علیه مما یبعث علی الغبطة. ویكون لسانه رطباً بذكر الله. وتشرف بأداء فریضة الحج مع الشیخ عبدالرحیم أشرف والذي قال عنه مرة إنه حین وصل إلی بیت الله الحرام تعلق به كل العلاقة وانقطع إلی الله كل الانقطاع راغبا عن كل شئ.

واطمئن إلی رضا الله سبحانه في سائر الاوضاع الحارة والقارة. وأصیب بفاجعة موت ولده الشاب الصالح مثل ''أبي صالح'' في كارثة حدثت في القاھرة بمصر فنشر ما طرأ علیه من العواطف في مجلة "المیثاق" ولكن لم ینطق لسانه بكلمة جزع وفزع. وفي أخیر أیامه قضی عامین أخیرین في حالة التعذر والاحتیاج والمعاناة مالم یكن سھلا ولكن في ھذه الحالة أیضا لم یقل إلا "أنه لا معاناة في الدنیا إذا لم تكن في الآخرة.''

وكان یتمتع بكرائم الأخلاق من الغیرة والوقار والتمكنة والاستغناء الكبیر فقد سأله الجنرال أیوب خان في حین رئاسته: یا شیخ أي خدمة أقوم لك؟ فأجاب: ماذا أرجو منك أن تقوم به أفسره في افتتاحیات "میثاق" فاعمل به. فھذا ھو خدمة كبری لي. وقد أرسل إلیه رئیس الوزراء بوتو أن الحكومة ترید أن تخدمك خدمة ما فأجاب: كنت قلت في حق المرتزقین بالحكومة بأنھم ''بايعوا الملة'' والآن اعمل بنفسي ھذا العمل؟ وكذلك سعی الجنرال ضیاء الحق للارتباط به فانما قال له فقط أنه یكفي لك أن ترسل كل ما كتبته من كتابات إلی المكتبات. فكان في كل تحركاته ونشاطاته ينادي نداءً:

أنت تتكدر بسبب نغمات شوقي، تجد فيها رموز الفقر وغناء الملوك

غیر أنه كان متواضعا عطوفاً للأصدقاء والأصحاب. ففي أیام كان مقیما في رحمن آباد جئت أزوره فأقمت اللیلة عنده فأحسست أن ھناك شخص علی قلیل من البعد یملأ دلوا من صنبورة الماء الیدویة ثم یفرغه. وما كنت أظنه أنه یكون أمین أحسن. ثم جاءني بعد برھة قلیلة عند سریریتی وقال: أنا أخرجت الماء الطریئ فقم وتوضأ فلم اتفطن ما أقول وماذا أفعل.

وكان في صدقه وصراحته وصرامته في مكانة یطلق علیھا تعبیر ''الخطیر'' إذا وزن في معیار رعایة المصالح. فكان یصارح ما كان یری بدون أدنی تردد ولا یحتمل مضادة الفكر والعمل أیما احتمال في أي حال. كان حبه بلا نھایة ولكن كما كان حبه یتفجر من عمق إخلاصه كان كذلك منفجراً بغم وحزن ولا یشوبه شائبة البغض والعداوة والمكر كأنه كما قال الشاعر الاردي:

إن قھره أیضا یكون عطفا علی عباد الله.

إلی أین انتھی من كتابة أقاصیصه؟ الیوم حینما أحاول تصویر عكسه في الألفاظ أواجه عجز البیان وأفكر كثیراً أن شرف اللقاء والتلمذ لخمسة وعشرین علی أقل حد،الذي حصلت علیه فیا لیتني حصل لشخص آخر قدیر علی اللغة والبیان مثل قدرة أمین أحسن علیھما. فھذا من سوء الزمان أن نادرة الزمان كمثله لم یتوفر له للتعریف به إلا مثلي الذي لایقدر علی بیان ولا كتابة، والذي مثله كما وصف الشاعر الفارسي:

لا تأتي له الألفاظ علی لسانه ولكن الحدیث عنه باقي

ولم یكن عالما دینیا فقط بل كان له نظرة ثاقبة علی قضایا الدستور والقانون والسیاسة الحاضرة إلی حد أن الباحثین البارعین یستطیعون أن یتعلموا منه الكثیر عن ھذه الأمور. فكان له أسلوب خاص للنظر في ھذه القضایا وكان مختلفا جدا عن أھل زمانه. مثلاً إذا اُعلن إعدام ذی الفقار علی بوتو فالحلقات الدینیة عموماً أعربوا عن طمأنینة. وزرته في الیوم المقبل في رحمان آباد فوجدته مغموماً علیه مضطربا. فسألته عن سبب ذلك فسكت برھة قلیلة ثم قال:

"أي تعاطف یكون لي مع الزعیم الوطني كبوتو ولكن الحمقاء الذین اختاروا ھذا الطریق لإعدام زعیم وطني لایعرفون أنھم بسبب ذلك قد وضعوا أساساً للعناد المستقل في سیاسة ھذا البلد."

 كما كان یفھم جیدا مضمرات ما كان یحدث في افغانستان في البدایة ینظرھا الناس الیوم بأم أعینھم. وكذلك كان یری أمور واتجاھات الحركات السیاسیة الإسلامیة في تركیا ومصر والشام والجزائر بنظرة لعل زعماءنا الدینین سوف  ینظرونھا بھا حین یغرق الكثیر ولا مناص للاعتذار. فإن الموقف الذي اتخذه حین غادر الجماعة الإسلامیة لایحتاج الآن لصحته إلی بحث واستدلال فإصابته ثبت بعمل المكابرین له من بین مستشاري المودودي الیوم. فإننا قد نظرنا بأعیینا وسمعنا بآذاننا أنھم یقولون لأمیرھم بنفس الشیئ الذي قد قال أمین أحسن "للأمیر المؤمین لھم في تلك الأیام قبل أعوام كثیرة.

وكان إنسانا حیا یری معضلات الحیاة كما یراھا إنسان حیي متیقظ. ومرتبته الكثیرة العلمیة لا تجوز له أن یكون له شغف بالألعاب ولكن كان محب الوطن حبا زایداً أنه إذا كانت ھناك مباراة الکرکیت بین الھند وباکستان. فكان یسأل كثیرا عن النتیجة وما یطمئن إلا حین یستیقن أن باكستان قد أحرز النجاح، وكان یمدح مدحا كثیرا شعراء أردیین أمثال غالب وإقبال وشبلي، یكرر شعرھم في أكثر الأحایین وكان في طبعه مزحة ومرح، إذا ذكر علالته ذكر بلھجة وأسلوب مرح أن تبتسم الوجوه.

وكان یتعرض كثیراً للحماقات التي ترتكبھا الجماعات الدینیة فإذا ذكر ذلك في مجلس فلا تسئل عن حديثه الباسم عنھا فكان یوجد معاني ملیحة وتعریضیة من كل لفظة ینطق بھا أن المستمع إلیه إذا كان صاحب الذوق الكلامي أعجب به إعجاباً كبیراً. وكان من خلانه القدماء صدیق وزعيم دیني وصدر منه بعض الحماقات فعلق علیه بأسالیب جدیدة ممتعة جداً إن لم یكن ھناك خوف لفساد واضطراب خلق لذكرت ذلك الآن ویری الناس ما متعته القدرة الإلھیة من مقدرة علی ربط اللفظ بالمعنی وبأعلی درجة من الكمال في ذلك فإنه ذھب من الدنیا والواقع أنه علی حد قول الشاعر

 قد سكتت الخضراء المتحدثة.

والشاعر حالي كان تلمیذاً لغالب رثاه علی موته وختم رثاءه بأبیات شعر، حملھا الناس غالباً في ذلك الزمان علی حسن اعتقاد حالي بغالب، ولكن قد أثبت التاریخ والوقت أن غالب كان ھو الذي رأه حالي بعینیه، كذلك شھدت الكثیر من العلماء وقرأت الكثیر واستمعت إلی الكثیر منھم ولكن كان أمر أمین احسن واستاذه حمید الدین الفراھي كما قاله حالي

وأنی لھم من غالب عارف بالنكت وأنی لأرض بالسماء

(١٩٩٧م)