logo

19- قطعي الدلالة

قطعي الدلالة

القرآن قطعي الدلالة. ولذا إذا لم يستسلم مخاطبوه المنكرون دعوى له أجاب علیھم بقول فصل: الحق من ربك فلا تكن من الممترین. وإذا أصروا علی انكارھم تحدی لھم أن تعالوا نباھل في ھذا لأنه العلم جاءكم من ربكم وكل شیئ إزاءه لیس إلا كذب وافتراء وظن وإن الظن لایغني من الحق شیئاً.

فھذه مكانة القرآن حتی الیوم. لأن ألفاظه نقلت إلینا بالتواتر حتی الیوم وكذا تواترت إلینا مفاھیم ألفاظه أیضا. وعلماء القرآن یختلفون لیس في مفاھیم ألفاظه بل في انتخاب مفھوم من مفاھیمھا بمناسبة خاصة. فھذه المفاھیم لازالت متداولة فھما وتفھیما ودرساً وتدریسا في مدارس المسلمین وزوایاھم ومجالس العلم والأدب وثبتت في الكتب ونقلھا العلماء والفقھاء وبینھا العلماء والفقھاء والأدباء والمفسرون أكثر من مرة. وسلسلة ذلك كله جاریة متواترة من لدن عصر الرسالة حتی الیوم بلا انقطاع. كما ھو الأمر في قواعد وأسالیب لغة القرآن فنقلت وفھمت ودرست بمثل ھٰذا التواتر. وإذا كان ھناك استثناء شاذ في ذلك فھذه المتواترات تأتي به إلی درجة الیقین بسبب دلالتھا. فیقال عن القرآن باطمئنان كامل أن الإنسان إذا قبل ترشید ألفاظه فإنھا توصل به قطعاً إلی مدلول وضعت له.

والمشكلات المتصلة بنقل وروایة اللغة وترابط اللفظ والمعنی التي قد تكون مزلة للأقدام للناس، قد سبق لنا توضیح ذلك في مقدمة كتابنا "المیزان". ولا نشعر بأیة حاجة علی التعلیق علی بعضھا. فإن النظریات السوفسطائیة كما ذھبت إلی مذبلة التاریخ من قبل بإزاء حقائق الكون العاریة سوف تذھب ھذه السوفسطائیة الجدیدة أیضا إلی مذبلة التاریخ ولذا لایناسب تضییع الوقت في تغلیطھا وتردیدھا. كما أن مقولة بعض الكتاب الجدد لا تسحق الجدارة للالتفات إلیھا "أن العام لا یكون قطعي الدلالة وبما أن معظم آئي القرآن مشتملة علی ألفاظ عامة فلا یكون إذا القرآن قطعي الدلالة". ولا یخفی علی أھل العلم أن مقولتھم ھذا ما أبعدھا من العلم والنظر! وقائلوھا بالأسف لایدركون ما ھو الفرق بین الوضع اللغوي والوضع الاستعمالي للألفاظ.

ولكن ھنا اعتراض یجدر أن یُتعرض له. یقول بعض العلماء إن الناس قد اختلفوا في فھم آیات القرآن الكثیرة ومعنی ذلك أنھا محتملة الوجوه وكل كلام محتمل الوجوه لایكون قطعي الدلالة. لأن قطعي الدلالة یكون مالم یكن في تأویله اختلاف.

ففي ھذا الاعتراض صحیح أن كلاما محتملا لوجوه لایكون قطعیا الدلالة. ولكن كل كلام في تاویله اختلافات ھل یكون بذلك فقط محتملا لوجوه؟ وجوابنا لا، كلا. فإن كون كلام محتملا لأوجه صفة مستقلة له لا عارضة. فإذا أنت تقرر أن كلاما فلانا ھو حامل لوجوه فعلیك أن تثبت أولا أن الخلافات في تاویله مازالت ولا تزال قائمة دائمة لاتنفك عنه بحال من أجل علم واستدلال. فمثلا ھناك شخص یقرء كلاما أو یستمع إلیه ویخطأ في لفظة أو محاورة أو تالیف. ویأتي شخص آخر بمفھومه الخاطئي بصرف النظر عن نظمه. ویأتی ثالث ویبین له مفھوما آخرا معرضا عن نظم الكلام وسیاقه وسباقه آخذا كل جملة منفردة منقطعة. فھل ھذا كله وجوه الكلام؟ ومن أجل ذلك یقال لذاك الكلام أنه حمال أوجه؟ فجمیع الاختلافات في تاویل القرآن كلھا من ھذا النوع. فلیست ھناك آیة من آئي القرآن یقال إنھا محتملة الوجوه أصلا وأنه أجمع العلماء كلھم سلفاً وخلفا أنه من اللازم أن لھا احتمال لمعان كثیرة متعددة.

وعلی عكس من ذلك فان الواقع ھو أن الأقوال الواردة في تفسیر آیة البعض منھا قد اختیر وبعضھا متروك. علی أن طائفة من أھل العلم قد اختاروا الأقوال المتروكة وتركوا المختارة عند البعض الأولین. وعند العلماء وجوه لھذا الأخذ والترك، فأحیانا یقال إن اللغة لاتوافق ذاك المعنی الذي اختیر في قول. وأحیانا یوضح الخطأ في التألیف تارة یُلفت النظر إلی صرف النظر عن نظام الكلام وتارة یستدل بسیاق وسباق الكلام ونظمه. وكتب التفسیر والفقه والكلام مفعمة بتلك المباحث.

وابن جریر ھو الأكثر نقلا لأقوال الناس ولكن دارسوه یعرفون أنه ینقد الأقوال وینقح الأراء في أكثر من موضع. وجاء إبن كثیر فخلص تفسیر إبن جریر علی أن تلخیصه ھو مبتنی علی أصول الترجیح. ویشھد لذلك تفاسیر كل من الزمخشري والقرطبي والآلوسي والطباطبائي وأبي الاعلی المودودي.

وقد تمت ترجمات القرآن في عشرات لغات العالم وقد تری أن مترجما لم یترجم آیة علی أنھا تحتمل الوجوه الكثیرة، بل إنه أقام أولا ترجیحا له ثم قام بعملیة الترجمة مطابقا لذاك الترجیح. وقد بلغ ذلك إلی منتھی الكمال في مجموعة تفسیر الإمام الفراھي وفي "تدبر القرآن" للأستاذ أمین أحسن الإصلاحي. والذین قد تم ترجیح قول واحد ولیس في الترجمة فقط في التفسیر أیضا. ولك أن تختلف عن ھذا الترجیح ولكن ھذا الإختلاف سوف یدل علی أن المخالف فیھا لایقرر الكلام محتملا للوجوه. وإنما یصر علی أن المعنی المختار لم یكن صحیحاً بسبب الوجوه الفلانیة. ویخطئی الناس في أنھم لایفرقون بین اختلافات التاویل واحتمالات الكلام. فھما شیئان مختلفان جدا. وقد ینشأ اختلافات التاویل عن قلة العلم وعن قلة التدبر أحیاناً. ثم إن قلة التدبر لھا أیضا وجوه فانھا تنبعث عن التربیة العقلیة للناس وعن أھواھم وتعصباتھم وعجلتھم وعن اشتغالھم بالأدنی أحیاناً وما إلی ذلك من أشیاء أخری.

وان لم یوجد شیئ منھا فإن الحیطة وحدھا أن لا یكون ھناك خطأ في ترجیح الراجح من معاني الكتاب كالقرآن في عظمته وقداسته، قد تكون باعثا علی الإعراض عن النقد والجرح في المحتملات. وعلی عكس من ذلك فإن احتمالات الكلام تكون مستودعة فیه منذ إنشاءه. وإذا اكتشفھا قارئ أو مستمع له فإنه لایمكن له تمییزھا عن الكلام. فإذا استبان فكل شخص یضطر إلی الاعتراف أنه عیب خلقي في الكلام لایمكن إبعاده منه.

والقرآن الكریم مبرأ من ھذا العیب كلیا. لایثبت شیئ مماثل له، إنه العلم الحق والمیزان الفرقان نزل بلسان عربي مبین نذیرا للعالمین وحجة لله علی الدنیا كلھا. ودعواه أن كتاب الله یكون خالیا من تضادات واحتمالات ویكون دائما قاطع الدلالة فیقول: ولو كان من عند غیر الله لوجدوا فیه اختلافا كثیرا.

(٢٠١٠م)