اختلاف القرآءة
قد كتبنا في مقدمة كتابنا "میزان" المسماة "بالأصول والمبادئ". آن القرآن یطلق فقط علی ما ثبت في المصحف والذي تتلوه الغالبیة العظمیٰ للمسلمین في العالم كله، باستثناء بعض المناطق المغربیة، وبغیر أدنی اختلاف فیه. ویمكن أن یثار علیه سؤال أنه إذا سلمنا علی سبیل التنزل أن القرآن فقط ھو الذي لم یزل یتداوله جمھور المسلمین درساً وتدریساً فلماذا یتعامل معه العلماء تعاملا مختلفا منه؟ فلماذا كان ذلك أنه لایزال أئمة التفسیر والحدیث والفقه یرجحون قرآة ما علی قرآءات مختلفة له علی أساس الذوق والمیلان الشخصي واضعین تلك القرآءات في درجة واحدة، حتی أن الأيمة الجلیلة الشان أمثال الشافعي ومالك لایترددون في ترجیح قرأة نافع أوقرأة إبن كثیر المکي علی القرآءات الأخری.
والجواب علی ذلك أنه قد أجمع الغالبیة العظمیٰ لعلماء المسلمین قبل ھؤلاء الأئمة بكثیر علی أنه لا یتوجب علی عامة المسلمین تحصیل العلم الحاصل من أخبار الآحاد بلاشك. ولكنه یجب علی العلماء والخواص ذلك ولا فرق بینه وبین العلم الشائع والذایع في عامة المسلمین والذي یتناقله العامة من العامة من حیث الأخذ والاستدلال اذا اطمئن اطمئنانا كاملا إلی نسبته إلی الرسول صلی الله علیه وسلم. كما یقول الإمام الشافعي في كتابه القیم الشھیر "الرسالة":
"وعلم الخاصة سنة من خبر الخاصة یعرفھا العلماء، ولم یكلفھا غیرھم، وھي موجودة فیھم أو في بعضھم بصدق الخاصة المخبر عن رسول الله بھا وھذا اللازم لأھل العلم أن یصیروا إلیه. (رقم ١٣٣٠) ولذلك فإذا أخبر بعض الثقات بعد وفات الرسول صلی الله علیه وسلم أنھم سمعوا من صحابي قرأة مالك (الفاتحة: ٣) كملِك و’یُكذبون‘ (البقرة:١٠) وبیكذبون بتشدید الذال ویوحیٰ (النساء: ١٢) كیُوحِی مبنیا للفاعل فقبل ذلك عند أھل العلم كما كانت تقبل أخبار أخری لأقوال النبي صلی الله علیه وسلم وأفعاله، وكان ذلك لسبب واضح. فلو كانوا لم یقبلوا ھذه الآثار فلماذا كانوا یقبلون أخبارا متصلة باجتھادات النبي صلی الله علیه وسلم وأقضیته وآثاراً متعلقة بتفھیم النبي صلی الله علیه وسلم وتبیينه وأسوته الحسنة؟ إلا أن یقدموا جوازاً لھذا التفریق بین ھذه الأحادیث وتلك الآثار نصاً وھو غیر موجود.
ونالت القراءات المختلفة في القرآن الذكر والصیت بناءً علی ھذا المذھب الذي ذھبه العلماء التابعون. ولم تمض مدة طویلة إلا وقد وبرز في علماء القرآءات الحاذقون الذین لم یكتفوا بدورھم علی أن یتعلموا قرآة القرٓن برعایة سایر الطرق التي یختارھا العرب في لھجاتھم من الإظھار والإخفاء والإدغام والإمالة والتفخیم والإشمام والإتمام وغیرھا. بل قدعدوھا ودونوا قراءات علی حدة مستقلة لھم مرجحین بعضھا علی البعض بناءً علی الأخبار والآثار المتصلة بعلم الخاصة والتي قد ذكرناھا فیما مر. واشتھرت قرآءاتھم الخاصة بأسماءھم كما اشتھرت مذاھب الفقه المختلفة كفقه مالك وفقه الشافعي وفقه الأيمة الأخری. ولذا یقال لھذه الحذاق في علم القرأءة "أصحاب الاختیار". وكانت النتیجة طبعاً أن قصدھم طلاب العلم لأخذ القرآءة المختارة منھم كما یقصدون أئمة الفقه لأخذ الفقه منھم وأئمة الحدیث لیتعلموا الحدیث منھم.
ثم لم یتوقف الأمر عند ذلك بل اختار أئمة القرآءات ھؤلاء أو تلامذتھم واحدا من مختلف المدن ونزلوا فیھا من مختلف مراكز العلم لذاك الزمان من مثل مكة المكرمة والمدینة، والكوفة والبصرة ودمشق وغیرھا. وانھال علماء تلك البلدة وقراءھا علیھم وأقبلوا علی قرأءتھم المختارة أن قد قیل إن أھل ھذه المدینة علی قرآءة ذلك الإمام.
وفي ھذا التعبیر أرید بالأھل العلماء والقراء لا عامة الناس لأنھم لایختارون أشیاء كھذه ولا یتركونھا بھذا الطریق. ولذا كانت الأوضاع تتغیر أیضا أحیانا. فأھل ھذه البلدة یختارون قرأة قارئ آخر بعد برھة من الزمان. وھو السبب في عدم تواجد قرآة أخری في معظم العالم الإسلامي خارج تلك المراكز العلمیة المذكور أعلاھا ولا یوجد إسم ولا رسم لذاك الاختیار والترك مثل ذلك. نعم، قد استشنیت قیروان وما جاورھا من المناطق من ھذا العموم. حیثما قد أصدر القاضي عبد الله بن طالب في أواخر القرن الثالث للھجری أمر التدریس لِقرأة نافع فقط لعامة الناس كما جاء في ترتیب المدارك للقاضي عیاض بن موسی (١/١٣/٤) فاضطر عامة الناس أیضا أن یتبعوا قرأة نافع في قرأة القرآن في القیروان وما جاورھا من المناطق المغربیة ولایبرحون علیھا. وأغلب الظن أن ھؤلاء الناس كانوا متبعین للفقه المالكي وقد سبق في مامر أن الإمام مالك كان یرجح اختیار نافع في القرآءة.
وقد كان ذلك كذلك في بعض المناطق الصغیرة الأخری تبعاً للعلماء إلا أنھا كانت مقامات ومناطق محدودة ولا تزال تتواجد حتی الیوم.
أما ماعدا ذلك من بقیة العالم الإسلامي فلم تتأثر جماھیر المسلمین بھذه التغیرات ولم یحاول العلماء تغییرھم في ھذا المجال.ولم یبرح الإثنان یسیران علی طریقتھما ولذا قد كانت روایة الاستفادة بالقراءات المختلفة للقرآن في العلوم الإسلامیة كالتفسیر والحدیث والفقه والعلوم الأخری قائمة لقرون عدیدة بدون أي انقطاع ولا تزال قائمة حتی الیوم إلی حد كبیر.
والعلماء يذكرونها في مباحثھم وكتاباتھم ومجالسھم ومدارسھم حتی الیوم كما أن القراء یتظاھرون حتی الیوم بالقرءات السبعة والعشرة وأحیانا أكثر من ذلك في تلاواتھم للقرآن الكریم. وبالرغم من ذلك كل أحد یری أن القرآن الكریم الذي ھو شایع وذایع في جماھیر المسلمین ھو مصحف واحد. أخذوه من عامة الصحابة ویتناقلوه حسب تعبیر الشافعي جیلا بعد جیل إلی العامة. ولا شك أنه یطلق علیه روایة حفص ولكن لاینبغي أن ینشأ منه سوء الظن، لأنھا قرأة محضة والاھتمام فیھا بحسن الأداء برعایة دقائق فنیة للھجات العرب نحو الإمالة والتفخیم والاشباع، والإختلاس، والصلة والإشمام والروم والترقیق والتغلیظ وما إلی ذلك ولایبعث ذاك علی أي فارق في دلالة الكلام ومفھومه.
وھذا ھو الشیئ الآخر الذي یؤخذ من روایة الحفص في ھذا المصحف. وبناءً علیه ینسب إلی الحفص والذي أخذه من أستاذه عاصم وكان عاصم تلمیذا في ھذا الفن لتابعي جلیل الشأن أبي عبد الرحمن السلمي، الذي ظل یعلم تلامیذه دقائق ھذا الفن لأربعین سنة علی الأقل. وقد صرح عنه أبوبكر إبن مجاھد المدون الأول للقراءات السبع أنه ما كان یعلم ویدرس اختیاره ھو، بل كان یقرءھم القرأة نفسھا التي كان قد سعی سیدنا عثمان رضی الله عنه أن یجمع الناس علیھا. فقال:
أول من أقرأ بالكوفة القرأة التي جمع عثمان رضی الله تعالیٰ عنه علیھا أبو عبدالرحمن السلمي. (السبعة في القرأءات أبوبكر بن مجاھد ١/٦٧)
وھذا ھو الشیخ الذي قد قال منبھاً للناس حین رأ شیوع القراءات المختلفة فیھم: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزید بن ثابت والمھاجرین والأنصار واحدة كانوا یقرؤن القراءة العامة، وھي القراءة التي قرأھا رسول الله صلی الله علیه وسلم علی جبریل مرتین في العام الذي قبض فیه وكان زید قد شھد العرضة الأخیرة وكان یقرء الناس بھا حتی مات". (البرھان، للزركشی ١/٣٣١)
وھذه القراءة ثابتة في مصاحفنا الیوم. ولایشھد التاریخ أدنی شھادة أن بعد المساعي المشكورة لسیدنا عثمان رضي الله عنه وحجاج بن یوسف لجمع المسلمین كافة علی قراءة واحدة، احتاجت تلك لترویجھا بین المسلمین إلی رتبة عالم أوسلطة حاكم أو نفوذ قاضي كما كانت في المناطق المغربیة في ترویج قراءة نافع. فقد روجھا رسول الله صلی الله علیه وسلم بعد العرضة الأخیرة وصحابته الأبرار، الخلفاء من بعده فلا زالت علی تلك الحالة. ولذا حینما كان قراء المسلمین یدونون مختاراتھم وكان المحدثون من بعدھم یجمعون أخبار "علم الخاصة" وكان الفقھاء والمفسرون یحاولون لحل مشكلات القرآن من طریق تلك الأخبار، فحین ذاك كانوا یتلون القرآن بھذه القراءة نفسھا. فحینما توغلوا الھند في أواخر القرن الأول للھجرة كانوا یتلونھا ولما نزلوا علی جزائر جاوا و سماترا والملایا والجزائر الأخری للشرق الأقصی كان ھذا القرآن في متناول أیدیھم ولا یزال إلی یوم القیامة ان شاء الله تعالی.
وھنا لاحد أن یثیر سوالا أنه إذا کان تعامل المسلمین ھو قبول أخبار "علم الخاصة" رغم ھذه الحقائق المذكورة في ھذا الباب، فلماذا یختلف أھل العلم للمدرسة الفراھي من ذاك التعامل؟ وجوابنا أنه لم یكن رد أخبار الثقات سھلاً یسیراً لأھل العلم فإن ذلك یحتاج إلی نص. فإن كان قد اتضح المفھوم الصحیح لآیات سورة القیامة في البدایة فالأغلب علی الظن أن یكون تعامل علماء المسلمین وفقھاءھم ومفسریھم منتھجا نفس المنھج الذي یتخذه الیوم علماء المدرسة الفراھي. فقد أوضح الإمام الفراھي مفھوماً صحیحا لتلك الآیات وعلیه یمكن أن یقال الیوم اعتماداً علی تفسیره إن الأخبار التي جاءت عن قراءة القرآن إن كانت صحیحة أیضا فإنھا صارت منسوخة بقراءة العرضة الأخیرة لمخاطبي القرآن الأبدیین فلا تقبل اذاً بصورة ما. ویؤیده ما رواه البخاري إذا كان صحیحاً أن سیدنا عمر رضی الله عنه قد رد قراءات أبي بن كعب رضی الله عنه المختلفة قائلاً أن لا أدع شیئاً سمعته من رسول الله صلی الله علیه وسلم، بنفس الدلیل. (رقم ١/٤٤٨١)
فالآن حكم القرآن المحكم بھذا الصدد ھو أنه یحب علی المسلمین كافة تقلید القراءة الالٰھیة للقرآن بعد جمع القرآن وترتیبه، إلی یوم القیامة ولایسع لھم الانحراف من ھذا الحكم القرآني المحكم فقد قال تعالیٰ: "ولا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علینا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه". (القیامة: ١٦ – ١٧)
(٢٠١٥م)
