logo

7. الخمر الباقي

الخمر الباقی

قال الحافظ الشیرازي (الشاعر الفارسي) مامفھومه

أیھا الساقي أعطنا الخمر الباقي لأنك لاتجد في الجنة سواحل نھر ركنا باد ولا خضراء المصلی.

لست أعلم أن أمنیة شاعر شیراز ھذه اكتملت أم لا ولكن رأیت مراراً أن الساقي عند سواحل نھر ركناباد لاھور یھریق الخمور كل یوم. ونھر ركناباد قد أجراه الدیلمي وكل جرعة من ماءھا الزلال یمنح الشارب عمر الخضر كما قال فعند ركناباد – لا اوحشھا الله – لأن زلالھا یمنح الشارب عمر الخضر علیه السلام.

ونھر لاھور لم یجره دیلمي ولا یجري فیه الماء الزلال العذب. سبل ماءه مشرب بالطین كالملح في میاه البحر ولكن المشھد الذي یتولد من جریه البطیئی والأشجار والخضراء المتواجدة في سواحله بطرفین كلیھما یورث له جمالا خالدا یجذب الأنظار إلیه. ویستقر ھذا المشھد في الأبصار إلی حد أن لو ألقی إلیه شخص ما نظرة خاطفة لاترجع إلیه ولسانه یفیض بالأبیات الشعریة تلقائيا كما قال الشاعر:

إن خسارة واحدة لسانیة تربح القلب الف ربح.

وماء ركناباد یتفجر من "منبع الله أكبر" ویقال أن ماء الخضر معینه "موضع ظلمات". كما قال الحافظ وتفنن فیه، ومفھومه:

إن بلدة شیراز وماء ركناباد وھذا نسیم الطیب لاتعبه فإنه كالخال في وجه ملك السبع السیّار (البلدان) والفارق بینه وبین عین الخضر أن عین الخضر ینفجر من "الظلمات" وإن ماءنا منبعه "الله اكبر".

ولم أحاول قط معرفة منبع نھر مدينتنا ھذا. غیر أنی علی علم بماھیته فركناباد. كما قال قال الحافظ یبتدأ من "ممرة الله اكبر". وھذا النھر بالنسبة لي ینتھي دوما علی مقام "الله اكبر". نعم لم تبدعه الطبیعة، ولكن في خضم أبنیة المدینة الحجریة ھذا النھر بمثابة مراقبة السحر. فرأیته أنا عدة مرات في حین انبثاق الفجر إذا انتشر النور انتشارا في الفضاء وكأنه یرتفع من حضیض إلی آفاق السماء. وسكان المدن الحاضرة الذین ینتھي لھم الیوم بعد متصف اللیل ویطلع الصبح قبل قلیل من منتصف النھار لایستطیعون إدراك ما قلته. فإنھم إن رأوا یوما مشھد طلوع الشمس علی حافة النھر في ظل النجوم الغاربة لعلموا أن ذلك لیس نھراً بسیطاً بل إنه طریق الاھتداء إلی خالق الأرض والسماء.

إن الحضارة الجدیدة لم تحرمنا القرآن الذي تأتي الحقائق فیه في لباس الألفاظ والعبارات فقط، إنھا حرمتنا ذاك القرآن الذي نلمس آیاته في صحیفة الفطرة والطبیعة، والتي كان الإنسان في وقت ما یقرءھا لیلاً ونھاراً. والیوم إنه یستقیظ من النوم في منتصف النھار ویشرب الماء الأسود (الشاي) ویقرأ صحف الیوم التي تحدث عنه عن أخبار العالم كله ولكن لیس ھناك خبر بنفسه ھو.

ففي مثل ھذه الأیام واللیالي من این یعلم ما ھو الشراب الصبوحي الذي يھراق علی شاطئي نھرِ ركناباد بلاھور ؟ یاتری ما أجمل شعر تذكرته الآن. وأظن أن الذي قاله قال إذ رأی الصبح ینزل في مقام كھذا وھو ھذا، ومفھومه:

إن لأھل النظر كأمثالنا لولم یات الرسول لكفانا الصبح لإثبات الحق جل وعلا.

(١٩٨٦م)