logo

6. الرفیق الصبوحي

الرفیق الصبوحي

قال الشاعر الفارسي ما مفھومه

أنا لست ھجرت الأصدقاء في أثناء السفر ورغم ذلك وبالأسف اضطررت أن أطوي منازل السفر بوحدي أنا فقط.

إن قدوم الشتاء یكون دوماً باعثا علی الاھتزاز في طبعي. فحینما أری نیرانا طاریة صاعدة وأنا جالس أمام مدفئة الغاز قبل غروب النجوم وأحاول أن أربط بین الخیال والقلم وأقرض الشعر فنظراً إلی ماحصل لي آنذاك من أسباب الطمأنینة وسكون الخاطر لم یبق لي غم ولا ھم.

إذا اقتنع القلب فلا حزن للإفلاس

لا قلق إذالاتضطرب بشأن إرضاء القلب

ولكن في صباح نوفمبر ٢٧ من عام ١٩٨٨م لھذا الفصل لما أشعلت النیران الخامدة أحسست بخلو عالم المشاعر لي بذاك الاھتزاز خلوا كاملاً. فإن مدفئة المجمرة الساكتة جرت فیھا الحیاة بإشعال العود الثقاب ولكن صدی القلب الذي ارتفع ذلك الیوم كی یتناغم معھا كأنه كان نغمة دامیة وقال الشاعر الأردي

این نار السقر من حرقة القلب الذی یحترق بسبب الغموم والھموم الداخلیة.

حینما نبدأ سفر الحیاة یتیسر لنا رفقاء وأصحاب یسیرون معنا في أغلب الأحوال. وھؤلاء الزملاء كثیراً ما یتعاھدون عھود الوفاء، وكثیراً مایعقدون فیما بینھم توقعات كبیرة وفاءً بتلك العھود. ولم تمض أیام إلا وتتناثر عھود الوفاء كبیوت خطت علی الماء والرمل ویندرس عالم التوقعات كاندراس صحراء نجد. ولا یُتخیل في ابتداء السفر أن حقائق الحیاة مریرة إلی ھذا الحد. ولكن إذ شربت الأمعاء سموم الحیاة خرج إنسان الداخل ،ویتعارف كل أحد غیره من الناس.

وفي ذلك الوقت إذا استقام أحد بوفاءه لم یلق إلا بالغم والھم. فالذاھبون یذھبون شوقاً إلی مذاھبھم المختلفة وذاك الشخص المحروم الحظ یودعھم وینظرھم یركبون القطار وینظر القطار یدب علی المحطة وھو واحد یقوم یتأسف علی الرصیف قائلا:

لا أشكوا الأصدقاء والزملاء ولا أشكو جفاء الزمان.

وقبل تسعة أعوام من الیوم تقریباً أنا كنت ودعت بعض أصحابي وزملائي الأحبة في نفس التاریخ لنوفمبر بھذا الطریق. وذلك الیوم یتكرر كل عام ولكن لم تسیطر علی قلبي أوجاع تلك الذكریات كالیوم. فھل یتودعني حبیب آخر ویركب القطار والمركب؟ وما دمت جالساً أمام المدفئة وجرت علی لساني تلك الأبیات الأردیة التي فاضت علی خاطري قبل تسعة أعوام في ذكریٰ أولئك الراحلین، ومفھومھا كما یلي:

إذا قمت بتفسیر الحب حصل لي من الحظ والشھود الكثیر وإذا خلوت بنفسي نادیت وحدي ذاك النداء في منتصف اللیل. وكل نظري یتمنی لسراب أرنوه بشوق، لماذا لایتذوق الندماء ما اشتاق إلیه.

ورفقاء السفر یشتكون أني لا أرعی المصالح، أولئك الرفقاء الذین تأجج الزمان بصوتھم وكان جبینھم كالقمر في اللیل البھیم ووجودي كله یتضمر حاصل الكون فھل أقرض معلقاتي بلسان الشعر. وبالأسف أن ندمائي لم یبق عندھم ذوق لمعرفة أصدائي فیاأیھا الندیم أنا بقیت واحداً في مدینة الجنون وما زلت أبحث عن صاحب لي صبوحي ومازالت حقیقة قدحي مستترة.

١٩٨٨م