logo

37- الإسلام والوطنیة

الإسلام والوطنیة:

(كتب ردّاً علی نقدات وُجھت إلی: الإسلام والدولة: رؤیة مضادة)

الدیانة أیضا عامل قوي من عوامل تشكیل وبناء الوطنیة ،علی نحو ما تكون العوامل الأخری كاللون والنسل واللغة والثقافة والوطن والحضارة. فصار المسلمون الیوم قوما بعد تعامل القرون. واذا واجھوا تحدیا تظاھروا بقومیتھم بعاطفة شدیدة وحماس كبیر في القارة الھندیة علی أقل حد. وبناءً علی ذلك قد قال القائد الأعظم محمد علي جناح، "إن مسلمي الھند قوم واحد علی كافة الشرائط للقانون بین الدول، لأنھم بمقارنة الأمم والأقوام الأخری یتمتعون بحیازة امتیازات خاصة، من حضارة وثقافة ولغة وأدب والعلوم والفنون، والتقالید والعادات والعقلیة والمزاج، القانون، الضوابط الأخلاقیة وأسلوب الحیاة حتی في تقویمھم وطریقة تسمیتھم أیضاً". (القائد الأعظم: الخطابات والبیانات ٣/٦٧)

ومقولة القائد الأعظم ھذه كانت بیانا لأمر واقع وحقیقة ثابتة لایختلف فیھا أحد ولم اختلفه أیضا. وما قلته في مكان واحد في مقالي: الإسلام والدولة: روئیة مضادةٌ أن المسلمین لیسوا قوماً أولا یمكن أن یكونوا قوماً وأمة.

وما قلته ھو فقط أنه كون الأمة واحدة لیس مما یقتضیه الإسلام أو تفرضه علیھم الشریعة أن یكونوا أمة واحدة. فالذي ینقدونني في ذلك ینقدونني في أمر لم أقله، وما قلته یحتاج لرده إلی نصوص القرآن والحدیث التي لیست متوفرة لدیھم ولا یمكن أن تكون. وبھذا السبب فقد تم الاكتفاء في نقداتھم في خطابات القائد الأعظم وأبیات العلامة إقبال وسرد وقائع حركة إقامة باكستان، وذلك لإثبات أمر دیني خالص!

ومن الحقیقة البدیھیة أن مسلمي القارة الھندیة أمة. فإذا قال شخص إنه تكون المنارات والقبب في مساجد المسلمین فمن ینكر ذلك؟ لأنه بیان للواقع ولكن إذا ادعی أحد أن ھذا مما یقتضیه الإسلام وتحكم به الشریعة فعلی كل عالم دیني أن یرد علیه ویوضح لھم أن ذلك خیال لا أساس له. فإن بُني مسجد من الكوخ والخس أو یتكون بتسقیف الجدران من فروع النخیل وأغصانھا وسوقھا لایعترض علیه الإسلام وشرعه.

وقد قمت بھذه الفریضة وأوضحت فكراً صحیحاً للإسلام لشباب قومي الذین یبعثھم الفكر الخاطي ویحرضھم علی القیام بإجراءات العنف والإرھاب علی أنه لا یجوز أن توجد في المسلمین قومیات مختلفة وتشخصات عربیة وإیرانیة وباكستانیة وأفغانیة. وقومیة المسلمین ھي الإسلام ونظامھم الخلافة. فلا مكان فیه لدول حدیثة قومیة ووطنیة للعھد الحاضر ولذا تجب أن تطھر أرض الله عزوجل من وجودھا الآثم. فأخبرتھم أن الدولة الوطنیة لیست كفرا ویمكن أن تكون الأسس الفطریة للقومیة بناءً للوطنیة للمسلمین كما أنھا تكون للأقوام والأمم الأخری. فعلاقة المسلمین فیما بینھم لیست علاقة قومیة بل إنھا علاقة أخویة إیمانیة بحكم القرآن. وعلیه فالمسلمون الذین قبلوا تصورات الوطنیة القومیة ویعیشون الیوم في دول وطنیة: أمیركة، بریطانیة، ألمانیة، فرنسة أو في الھند بل في باكستان أیضاً فإنھم لایخالفون حكما للشریعة فإن مصادر الإسلام خالیة من أي حكم أن أساس الوطنیة في الإسلام ھو الإسلام نفسه.

وفي زمان حركة باكستان إذا كان المسلمون یصرون علی كونھم قوما مختلفا تماماً عن الھندوس وبالتالي یطالبون بلدا حرا مستقلا لھم في الھند، فلم یخطؤا فیه كما أنھم إذا أعلنوا لھم وطنیة باكستانیة في الیوم الثاني لقیام باكستان ، فلا اعتراض علی ذلك أیضا من جھة الدین والشریعة. نعم یمكن أن یقول شخص أن موقف أبي الكلام آزاد بإزاء موقف اتخذه القائد الأعظم محمد علي جناح كان مصیباً علی النطاق السیاسي أو یقول بالعكس فله ذلك، ولنا أیضاً أن نقبل رأیه أو نرده. ولكن لا یعترض علی موقف أي منھما من الوجھة الدینیة ولذا لم یعترض علی موقف أبي الكلام آزاد قائدنا الأعظم من ھذه الجھة، لأن القائد الأعظم لم ینطلق من منطلق أنه لایجوز التعایش مع الھندوس كأمة واحدة علی أساس الوطنیة وفقاً للإسلام والشریعة الإسلامیة ومن ھنا یطالب تكوین بلد علی حدة مستقل.

بل إنه انطلق من ھذا المنطق أنه یطالب للمسلمین بلداً علی حدة لصیانتھم وحضارتھم وثقافتھم، معیشتھم واجتماعھم وتقالیدھم الدینیة من استبداد الأكثریة، ومطالبته متأسسة علی أن المسلمین قوم وأمة طبقا لجمیع أصول وضوابط القانون الدولي وأنه یحق لكل قوم أن یطالب له بلدا مستقلاً حرّاً في مناطق أكثریته.

فھٰذا ھو موقفي حیال ھذه المسئلة. ولكل شخص حق أن ینقده ولكن التمس من كل ناقد بكل تقدیر واحترام أن یبذل بعض الوقت في فھم ما یرده وینقده، قبل النقد.

(۲۰١٥م)