التطرف الدیني
لایحتاج ذلك إلی دلیل أن أكبر أزمة تواجھھا دولة باكستان ھو قضیة التطرف الدیني. ومن سوء حظنا أن تعدت تلك من إقلیم الفكر والخیال والقلم واللسان إلی العنف والقتل والإرھاب. والسیاسة والمعیشة والاجتماع كل ذلك معرض للخطر بسببھا، وذھب الآلاف من الأطفال والشیوخ والشباب ضحیتھا. والتاریخ یشھد أن ھٰذا الوضع سیفضي إلی اللجوء أخیراً إلی قتال ھٰذه الفتنة. والأغلب أن دولتنا أیضا ستفعل ذلك یوما ما. فیجب علینا أيضا أن نستغفر ونتوب وأن نعتزم أن لانستخدم الدیانة أبدا للأغراض السیاسیة. وإذا جئنا إلی ھٰذه النقطة فعلینا أن نضع أمامنا ھٰذه الحقائق العدة الآتیة لاستیئصال التطرف من أساسه.
أولا: إن عفریت التطرف ھٰذا لم ینزل من السماء مباشراً. إنه فساد مولود من الفكر الدیني الذي یُدرس ویتدارس في مدارسنا الدینیة تحت عنوانات مختلفة، من نفاذ الشریعة، والجھاد والقتال واستئصال الكفر والشرك والردة وغیرھا. یستلھمه الأشخاص المتطرفون وحركات التطرف ثم تقلبه من أجل مقاصدھا المغرضة بعد التعدیلات الیسیرة إلی قالب عملي. وھٰذا الفكر الدیني وما یبتني علیه من التفسیرات الدینیة، قد قام بعض مفكري الإسلام الجلیلي القدر بكشف خطأھا ونقدھا. فإن انتھت طرائق إثارة الضجة والاحتجاج وإظھار الجبر والقوة بإزاء العلم والاستدلال، لجاءت رشحات فكر ھؤلاء المفكرین بتبدیل أذھان الناس.
وھذا سیكون رؤیة مضادة (Counter Narrative) للفكر الدیني المروج، ولكن من سوء حظ ومأساة باكستان أن ھناك یَغلب طریق العنف والتطرف لحمایة الدین وحفظ الشریعة. ومن سوء الحظ أن ثقافة الخلاف مع الأدب والاحترام لم تقم ھناك حتی الآن. وھٰذه الأوضاع تطلب منا أن یكون أھل النظر والبصر وأرباب الحل والعقد عندنا حساسین مھتمین لحریة الرأي في الأفكار والآراء الدینیة. كما أنھم حساسون في أمر حریة الرأي في إظھار الأفكار والآراء السیاسیة. وأن یصارحوا في ذلك الذین یمارسون سیاسة الضغط لمنع حرّیة إظھار الرأي. وأنھم إذا شاؤوا كشف الخطاء لمن یختلفون منھم فلھم ذلك بطریق مفتوح واحد، أن یحاولوا ذلك بسلاح العلم والاستدلال. فإن دنیا العلم لایسع الثورات والاحتجاجات والضجات والجبر والاستبداد. ثم علی ھٰؤلاء أھل البصر وأرباب الحل والعقد أن یسعوا بأنفسھم لفھم ذلك السرد الفكري الذي ذكرناه آنفا. فإن السرد المضاد الفكر الدیني الرائج ھو الذي یستطیع فقط أن یقوم بإصلاح الأوضاع في المجتمع المسلم لا الدعایة إلی العلمانیة. وقد حاول العلامة إقبال من قبلُ استلفات أنظارنا إلی الحقیقة نفسھا في خطبه التي قد ألقاھا تحت عنوان "التشكیل الجدید للالٰھیات الإسلامیة".
وثانیا: إننا لا نجیز في مجالات علمانیة شخصاً ما أن یقوم بتأسیس إدارات لتكوین الأطفال والصبیان دكتوراً أو مھندساً أو ماھراً في أیة شعبة وقسم من أقسام العلوم والفنون، بدون إعطاءھم التعلیم العام لإثنی عشر عاماً. ولكن لانتقید بأي قید في مجال العلم الدیني. فإن الأطفال والفتیان یُدخلون لتكوینھم علماء الدین في مدارس ومراكز تحتم لھم حیاتھم المستقبلة. وقد كان بوسعھم وإمكانھم أن یكون بعضھم دكتورا وبعضھم مھندساً، وبعضھم عالما طبیعیا أو شاعراً وأدیباً أو مصوراً وما إلی ذلك، إلا أن ھٰذه المدارس بصرف النظر تماماً عن رجحان طبعھم وذوقھم ومیلانھم أو مؤھلاتھم تبذل جھوداً کبیرة لتكوینھم علماء الدین فقط، وتسد علیھم كافة الفرص لانتخاب مجال من مجالات الحیاة بعد البلوغ. ثم إنھا تصوغ خریجیھا صیاغة تقطع علاقاتھم بالإجتماع وتكونھم أجنبیا في مجتمعاتھم بسبب حرمانھم التعلیم العام لاثنی عشر عاماً. وھٰذا الخطأ قد جرویلات وویلات علی الأمة كلھا. ولذا صار من الضروري أن یحظر علی المدارس الدینیة أیضاً كسائر معاھد التعلیم الاختصاصي الأخری أنھا لاتُدخل في رحابھا طالباً بدون إعطاءه التعلیم العام لإثنی عشر عاماً.
ونستطیع أن نقول بكل ثقة وطمانینة أن ھٰذه الخطوة الواحدة سوف تغیر الوضع الحالي الذي أحدثته معاھد التعلیم الدیني. ولكن من اللازم لتحقیق ھٰذا الغرض أن یوفر نظام التعلیم العام المھارة العامة التي تكفل للطلبة الذھاب إلی التعلیم الاختصاصي في كل مجال الحیاة، وتشمل تلك الصلاحیة لتأھیلھم للذھاب إلی التعلیم الاختصاصي في الدین. ونقترح لذلك بدایة الفرقة الدینیة في العدید المنتخب من معاھد التعلیم العام، فكما تكون ھناك فرقة للعلم وفرقة للفنون يجب أن تكون ھناك فرقة للعلم الديني ، لكي یستطیع الطلبة الذین یریدون أن یكونوا علماء الدین انتخاب الفِرقة الدینیة منذ العام التاسع الدراسي لھم ویولدوا مؤھلات لازمة للالتحاق بالمعاھد الاختصاصیة في ھٰذا المجال.
وثالثاً: إنه لابد من إنھاء دولة حصلت للعلماء من جراء منابر الجمعة واھتمام المساجد في بلادنا فبغیر ذلك لایمكن لنا النجاة من التطرف. وأھل العلم مطلعون علی أن السنة التي أقامھا النبي صلی الله علیه وسلـم في صلاة الجمعة كانت أن إمامة الجمعة وإلقاء الخطبة فیھا موكولة إلی الإمام (رئیس الحكومة) وعماله ،ولایحصل ذلك لشخص آخر إلا بإذن منھم أو نیابة عنھم إذا كانوا معذورین في إمامة الجمعة، حتی أن ھذه السنة مازالت قائمة بعد عصر الرسالة إلی أن جاء الانحطاط الكبیر في صلاحیات الحاكمین وعمالھم فسلموا بأنفسھم منابر الجمعة إلی العلماء. وقد حصلت من ذلك طاقة أصلیة للفتنة والفساد بإسم الدین. فلابد من تغيیر ھٰذه الأوضاع تماماً .ولیجزم حكامنا والمسؤلون أن یھتموا بإدارة ھٰذه الصلاة وأنھا لاتُؤدی إلا في مقامات ومواضیع تم تعیينها من قِبل الدولة. ومنابرھا تكون مختصة بالحكام، فھم بأنفسھم یلقون خطبة ھٰذه الصلاة ویؤمون الناس أو من ینوب عنھم في أداء ھٰذه الوظیفة ،ولكن لایھتم شخص مابنفسه في حدود الدولة بإقامة ھٰذه الصلاة الخاصة.
كما أنه یجب أن المساجد العامة أیضا تُبنیٰ وتعمر بإذن من الحكومة. ولاتختص لفرقة دون فرقة أو لمدرسة فكر خاصة دون غیرھا. إنھا تكون مساجد لله. حیثما لایعبد إلا الله. فإن المسجد إدارة جماعیة للمسلمین لاینبغي أن یسطر علیھا الأفراد والتنظیمات. ولذا لابد لحكومة مسلمة أینما قامت أن تھیمن علی المساجد بقوة تامة ولا تؤذن لشخص أو لحركة أو لتنظیم أن تستخدمھا في إبلاغ وإذاعة فكرة خاصة، وتغیرھا بصفة كونھا مساجد ومعابد الله إلی مراكز التفریق والتمزیق بین المسلمین. وھذه الخطوة لازمة ضروریة. وإذا أراد شخص ما رؤیة بركات ھٰذا النظام فلیزر ویشھد تلك البلدان حیث تم اختیار ھذا النظام نفسه للإھتمام وتولیة المساجد وإدارتھا.
(۲۰١٣م)
