logo

77 -القرآن وأساریٰ الحرب

القرآن وأساریٰ الحرب

إن حكم القرآن في أساریٰ الحرب الذي قد بیَناه في كتابنا "میزان" مأخذه الآیة الرابعة من سورة محمد. وقد اتخذ الأستاذ الإمام أمین أحسن موقفا مختلفاً في ھٰذه المسئلة. فقد شرح موقفه في تفسیره تدبر القرآن بما یُنبیئ عن أن مراد المتكلم ھنا ھو لیس ببیان قانون لأِساریٰ الحرب بل التوكید للمسلمین أنه إذا جاءت نوبة للحرب مع الكفار، فلا یُرھبون بھم لانھم لاثبات لھم ولا أصل ثابت. فینبغي أن یُضرسوا ضرساً بإعمال الإثخان فيهم ،وإن نجوا ،فلا يتركوهم یھربون بل یجعلوھم مسجونین ویشدوا وثاقھم بحیث إذا أطلق سراحھم بعدذلك ،أطلقوا إما مناً من المسلمين واما ان يفادوهم فداء.

ھٰذا التفسیر یؤثر في القلب، لأن السورة تتناول منكري الرسالة الجاحدین الذین قد استحقوا العذاب بعد إتمام الحجة علیھم فإن قیل فیھم، أثخنوھم إثخانا جیدا ولاتدعُھم یھربون بل شدوا وثاقھم ولا تطلقوا سراحھم بغیر من علیھم أو فداء منھم. فالدارس یشعر بادی ذي بدء أن الكلام قد ارتبط بمطالب السورة بكل معنی الكلمة. ولكن إذا أمعنت النظر وتدبرت في سیاق الآیة رأیت أن ألفاظ الآیة تابی قبولَ ھٰذا التفسیر. فإن كان المقصود ھو ھٰذا القول لكانت الألفاظ أغلبا: فإذا لقبتم الذین كفروا فضرب الرقاب، ثم إذا اثخنتموھم فشدوا الوثاق. ولكن جاءت ھنا ألفاظ: حتی إذا اثخنتموھم فشدوا الوثاق. وجاء الفعل في ’’فضرب الرقاب‘‘ مصدراً منصوباً وفي ’’شدوا الوثاق‘‘ بصورة أمر ساذج، الذي إن تواجدت القرینة، یجیئی لإعطاء معاني الترغیب، التلقین، الوجوب والدعوة وحتی لبیان الجواز والإباحیة فقط. ثم استعملت ’’حتی‘‘ بدلاً من ’’ثم‘‘ والتي تدل علی غایة الأمر.

وحصل ھٰذا التعدیل لأن المتكلم لم یرد ھنا ذاك المضمون الذي یتضمنه ’’فضرب الرقاب‘‘ فلا یكون ھٰذا إذاً الأمر بشد الوثاق للأسری بعد ضرب الرقاب كما فھمه ھنا الأستاذ الإمام بل ھو تكملة للحكم الذي أمر في ضرب الرقاب وتنبیه علیه. إن الأسریٰ كانوا یعدون من جملة الغنائم في ذلك الزمان، فنظراً إلی رغبة أھل العرب الفطري إلی القبض علی الأساریٰ قد قال تعالیٰ إنه ینبغي أن یتم شد الوثاق إذا ما یتم الإثخان في ھؤلاء المنكرین الجاحدین في أتم صورة. فلیس المراد إذاً أنه یجب أولاً ضرب الرقاب وثانیاً شد الوثاق من دون امتیاز ولا تفریق. بل المراد أنه إذا جاءت نوبة الحرب فھناك عمل واحد فقط یجب الاتیان به وھو ’’ضرب الرقاب‘‘ یجب إتمامه كما ھو حقه. فإذا تم اداءه في درجة تامة فجینئذ یُباح إلقاء القبض علی الأسریٰ ،ولذا قد فسر الآیة صاحب تفھیم القرآن، بما یأتي:

فعند ما لقیتم ھٰؤلاء الكفرة في القتال فیجب علیكم أولاً ضرب الرقاب وإثخان الدم إلی أن تثخنوا فیھم إثخانا كبیراً فلكم إلقاء القبض علی الأسری وشد الوثاق عندئذ. (تفھیم القرآن ٥/١١)

وامضوا قدماً، قال ’’فإما مناً بعد وإما فداء‘‘ ھٰذا حكم ثاني. وصار ھناك أسلوب السیاق كما كان في ’’ضرب الرقاب‘‘. فكان الشرط ھناك ’’فإذا لقیتم الذین كفروا وھنا حذف الشرط‘‘ فإذا شددتم الوثاق وحذف لأن الألفاظ ’’فشدوا الوثاق‘‘ تدل علیه. فالحكم الأول یتعلق بصورة لقاء العدو والحكم الثاني یتعلق بصورة عندما یتم إلقاء القبض علی الأساریٰ في مناسبة كھٰذه. وشدوا الوثاق قیل لأنه كان من المتوقع أن یقتلوا الناس الأساری من أجل ذلك الترغیب والتحریض الذي یتضمنه حكم ’’ضرب الرقاب‘‘ فقیل ھناك صورتان فقط بعد شد الوثاق. إما فداء وإما منا بعد.

ولا یقع أحد في خطأ الفھم بلفظ ’’منا‘‘. فلم یُؤت ھنا لإعطاء معنی زاید في ھٰذه الجملة وجیئی به ھنا فقط للدلالة علی إطلاق الأسیر بدون عوض. فإذا كان لك حق لأخذ العوض ولا تأخذ یطلق علیه المن. ولایحل محله ھنا ألفاظ: تحریر وتسريح وإطلاق. فإن جیئت بھا لكانت الإضافة مجانا أودون عوض، أو من غیر شیئ أو ما شابھه ضروریا. والذین لھم إلمام بالبلاغة القرآنیة یعرفون جیدا أن ذلك لیس من أسالیبه. فلفظ المن بمقابلة الفدیة أنسب لفظ وأبلغه لأداء معنی إطلاق السراح بدون عوض، فإنه إطلاق سراح الأسریٰ مجانا لیس بحق للأساریٰ، حتی یعبر بالمن فسیلزم تسلیم معنی زاید فیه. إنه بنفسه من و إحسان.

ولیتضح أیضا أن ’’منا وفداء‘‘ كلاھما مصدران لفعلمھا حلا محله مثل ’’ضرب الرقاب‘‘ ولم یقعا ھنا مفعولا له أو حالا لفعل أطلقَ أو ما شابھه من الأحوال، كما أن تركیب الجملة لیس علی نحو ’’ثم لا یكون إطلاقھم إلا منا وإما فداء‘‘. أي بحصر الصورتین المن والفداء، لا. إن تألیف الجملة تتم بما یأتي: فإما تمنون منا وإما تفٰدون فداء. ویعرف أھل العلم أن معنی ھٰذه الجملة لایمكن أن یكون أنكم تظھرون لھم منة لكم علیھم وتطلقون سراحھم، بل یكون أن تمنوا علیھم وتطلقوا سراحھم كما أدی الزمخشري ھٰذا المفھوم بما یأتي:

’’والمعنی: التخییر بعد الأسر بین أن یمنوا علیھم فیطلقوھم وبین أن یفادوھم. (الكشاف للزمخشري ٤/٣۲۰)

وبإعتبار ھٰذه التجزئة للآیة تكون ترجمة الآیة كالتالي:

’’لذلك عند ما تواجھوا ھٰؤلاء الكفار فعلیك أن تضربوا الأعناق حتی أن تقوموا بضربھم ضربا مبرحاً فقیّدوھم إذاً في الأسر، وعندما شددتم وثاقھم فعلیكم المن علیھم أو أخذ الفدیة منھم (ویجب أن یكون ھٰذا ھو شأنكم معھم) حتی تضع الحرب أوزارھا. وذلك یعني أنه بصورة المجابھة والنضال الواجب الأصلي ھو ضرب الأعناق. فإن الله تعالیٰ یرید أنه إذا قابلوكم یُقتلون أكثر ما یمكن. ویكون عمل الأسر عند مایتم الإثخان كما ھو حقه، لكن إن شددتم فلیس لكم قتلھم إذاً. ویكون القانون بعد الأسر إما الفداء وإما المن بإطلاق سراحھم. ویجب علیكم أن تعملوا بھٰذا الحكم مالم تضع الحرب أوزارها وتنفد روح الحرب فیھم ،ھٰذا ما یتوجب علیكم القیام به ولذا قال مزیدا ’ذلك‘. وإذا نظرت في ضوء ما قدمنا واتضح لك أن التاكید كله ھو علی ’’ضرب الرقاب‘‘. وما جاء مزیدا علیه جاء للتوكید المزید ولأن لا یتبادر الناس في تقييد الأسری. كما یتوضح لك أیضا أن حكم" إما مناً بعد وإما فداء "قد جاء أیضا كتنبیه مناسب یتعلق بالمضمون نفسه. وبلاغة القرآن أنه بدون التأثیر علی الاتجاه الأصلي للكلام ،قد أوضح أیضا قانونه الذي یجب مراعاته في أسری الحرب. وقد جاءت أمثلة كثیرة من ھٰذا النوع في مقامات أخری للقرآن. حیث تيسرت أیة مناسبة بھٰذا الطریق فتم شرح وبیان أحكام الشریعة أیضا.

وھٰذا الحكم القرآني عام، لأنه إذا لم تجز أیة معاملة مع منكري الرسول إلا المن أو الفداء بعد شد وثاقھم ،فلا یجوز ذلك مع الآخرین بدرجة أولی، ولكن ھل ھٰذا یعني أنه لایكون ھناك أي استثناء من ھٰذا الحكم؟ فما تتقاضاه مسلمات العلم والعقل من الاستثناء في أي حكم یكون متضمنا في كل قانون وكل تشریع وكل حكم من البدایة. لاینكر ذلك شخص واقف علی أسالیب اللغة والبیان. فقد كان في زمن الرسالة من المعاندین من كان یبالغ في العداء ولایرقبون في المسلمین إلاً ولا ذمة ،ومن كانوا في الأسری من یرتكبون جرائم خطیرة، فیكون كل ھؤلاء مستثنون من ھٰذا الحكم. فإذا تعین جرمھم وقتلوا جزاءً له أو بیعوا عبیدا مطابقاً لتقلید عام متبع في تلك الأزمنة، لایؤثر ذلك علی القانون العام لأساری الحرب ھٰذا.

أما ما تقول الروایات والآثار الواردة في ذلك فلفھم حقیقتھا یكفیك قصة جویریة رضي الله عنھا، فإنھا لیس إمرأة عامة فقد تشرفت بكونھا إحدی الأزواج المطھرات. وقصتھا كبیرة الأھمیة بكونھا سبباً في إطلاق سراح وأساری الحرب المنتمین إلی مئة أسر وعائلات. ومع ذلك فما ھو حال الروایات والآثار في ذلك؟ انظروا في التالي:

روایة تقول إنھا جاءت في حصة ثابت بن قیس كأمة له. فقالت لثابت أن یكاتب لھا فرضي علیه. فحضرت في خدمة النبي صلی الله علیه وسلـم للمساعدة في أداء ثمن المكاتبة. فقال لھا النبي صلی الله علیه وسلـم ألا أدلكِ علی خیر منه؟ فقالت وما ھو؟ قال أنا أعطي ثمن المكاتبة منك وأتزوجكِ؟ قالت نعم.

وروایة أخری تقول إن أباھا قد توصل إلی النبي صلی الله علیه وسلـم من قبل و قال إن مثل ابنتي لاتُجعل أمة، أنا أرفع من ذلك فخلِ سبیلھا. فقال ألیس خیراً منه أن تسئل أولا ابنتك؟ فسألھا أبوھا فقالت: آثر أن أكون في خدمة النبي صلی الله علیه وسلـم.

وھناك روایة ثالثة تقول إنه لم یقع شیئ مما ذكر، فكانت أسیرة فجاء والدھا وحررھا بعد المفاداة ثم زوجھا برسول الله صلی الله علیه وسلم. وھذا الاختلاف قد وقع في الأساریٰ الآخرین معھا. فروایة تقول إنھم أطلق سراحھم من قِبَل الناس لأنھم قد أصبحوا مصاھرین لرسول الله صلی الله علیه وسلم. علی أن ھناك روایة تقول إنھم كانواعند رسول الله صلی الله علیه وسلـم، فلما تزوج بھا فعندئذ قد حررھم رسول الله في مھر السیدة جویریة رضي الله عنھا. (أنظر في ذلك ابن سعد الطبقات الكبریٰ ٨/١١٦)

فھٰذا غیض من فیض، تقدر من ذلك إلی أي مدی تعتمد علی تلك الروایات والآثار في فھم الأحداث التاریخیة. فمن طالعھا بدقة النظر یعرف معرفة جیدة أن الرواة من جراء فھھم وخلفیتھم الذھنیة والاجتماعیة یتصرفون في الكلام بشعورأو غیر شعور منھم ویحرفون الكلم من مواضعھا. ولذا ننصح لطالبي الدین أن یحاولوا فھم الروایات والأحادیث في ضوء القرآن لا فھم القرآن في ضوء الروایات علی عكس منه.

(۲۰١١م)