logo

39- العُقوبات الشرعیة

العُقوبات الشرعیة

الأحكام الشرعیة التي أعطیت للنظم الاجتماعي للمسلمین فیھا عقوبات لجنایات متعینة وضعھا الله تعالیٰ: فما ھي تلك العقوبات؟ قد بیناھا بتفصیل في كتابنا "المیزان" في باب "الحدود والتعزیرات". والأشیاء التي كانت تقتضي إیضاحاً مزیداً أوضحتھا في ذلك الكتاب تحت عناوین مختلفة وفي كتابي الآخر "برھان" أیضاً. والذي ھو مختص لتنقیحات من ھٰذه النوعیة. وفي ما یأتي نلخص تلك المباحث كی تتمثل أمام القاري بنظرة واحدة.

١. قد تم تعیین ھذه العقوبات لجنایات خمسة متعینة وھي: الزنا، القذف، السرقة، القتل والجراحة والفساد في الأرض. ویُتصور عموماً أن شرب الخمر، والردة وإھانة الرسول لھا أیضا عقوبات محددة في الشرع. وقد أوضحت بدلائل قویة أن ھٰذا الرأي لا أساس له. فلم یأت الشرع بحدود متعینة لھٰذه الجنایات. وإنما ھي موكولة إلی الإجتھاد ومھما یقام فیھا من رأي یقام علی ھٰذا المبدأ.

۲. وقد ذھب الفقھاء عامة إلی أنه إذا عفا ورثة المقتول عن القاتل فعلی الحكومة الإسلامیة أن تعفو عنه أیضا. وھٰذا الرائي غیر مصیب عندنا ، ففي ھٰذا الكتاب نفسه قد قمت بدراسة تحلیلیة لكافة الآیات الواردة في ھٰذا المضمار تحت عنوان "عقوبة قتل العمد" أنه تنتھي فرضیة القصاص فقط في الصورة المذكورة لاجوازھا. ولذا یحق للحكومة والمجتمع أنه إذا شاء نظراً إلی نوعیة الجریمة وأحوال المجرم أن یصر علی القصاص ویرفض الرخصة التي منحت من قِبل ورثة المقتول.

٣. العقوبات التي جاءت في المائدة (الآیات من ٣٣ إلی ٣٤) في مضمار المحاربة والفساد في الأرض لیست خاصة بجریمة قطع الطریق بل موجھة إلی المجرمین الذین یبغون علی الحكومة والقانون ویحاربون النفس والمال والعِفة والعقل والرأي. فإذا سادت في المجتمع جرائم ومھالك من القتل والإرھاب والزنا إجباریا وقطع الطریق ونھب الأموال أو البغاء یكون حرفة ،وأن یكون الآثمون خطراً ووبالاً علی أعراض الناس بسبب الخلاعة العلانیة والمجون والدعارة، أو بغوا علی الحكومة أو یكونوا خطراً علی أمن وسلامة المواطنین بجنایات الخطف والإرھاب والعنف وما إلیھا من الجرائم الخطرة. فكلھم یكونون مجرمین للفساد في الأرض وللمحكمة أن تصدر لھم عقابا مناسبا نظراً إلی نوعیة الجرم وأحوال المجرم.

٤. وعقوبة الموت لاتعطیٰ في أیة جریمة ماعدا القتل والفساد في الأرض. فقد صرح الله تعالیٰ أنه لایحق لأحد فردا كان أو دولة أن یتعرض لشخص ویقتله فیما عدا ھاتین الجریمتین.

٥. إن قانون الدیة في الإسلام یجب إطاعته علی كل فرد وكل مجتمع ولكن ما یتعلق بمقدارھا ونوعیتھا والأمور الأخری المتصلة بھا فحكم القرآن فیھا أن یتبع فیھا المعروف أي عرف الاجتماع وتقالیده. فإنطلاقا منه كل مجتمع یتبع عرفه فیھا. أما في مجتمعنا فبما أنه لایتواجد فیه قانون للدیة من قبل، فلنا الخیار وأھل الحل والعقد عندنا في وسع ان یختاروا صورة مختلفة نظراً إلی مصالحھم وأحوالھم إذا شاءوا، أو یبقوا العرف والتقلید المتبع في العرب. لا اعتراض علی ذلك بحكم الإسلام وشریعته.

٦. والزاني والزانیة محصنین كانا أو غیر محصنین عقوبتھم الشرعیة جلد مائة فقط، والذي جاء في سورة النور. ولاشك أن النبي صلی الله علیه وسلـم قد رجم بعض المرتكبین لجریمة الزنی في زمانه. ولكن تم ذلك علی المجرمین العادیین والزانین إجباریا تحت آیة المحاربة التي جاءت في السورة الخامسة أي المائدة. لا علاقة لھا بعقوبة الزنا التي جاءت في السورة رقم ۲٤، (النور) كعقوبة عامة لعامة المجرمین.

٧. إن عقوبات الزنی والسرقة التي جاءت في القرآن ھي عقوبات نھائیة لھذه الجرائم ویعاقب بھا الذین ارتكبوا ھذه الجرائم في درجة نھائیة ولایستحقون لرخصة نظراً إلی أحوالھم. ومن أھمھا وعیھم الدیني.

ولیست ھٰذه العقوبات لغیر المسلمین أو للذین ولدوا وراثیا كمسلمین ولكنھم في حکم غیر المسلمین اعتباراً بشعورھم الدیني. لأنه لایراد من ھٰذه العقوبات استئصال ھذه الجنایات فقط بل یراد أیضا أن یذوق المجرمون عذابا ونكالا من الله لیكونوا عِبرة لغیرھم. المجرمون الذین أسلموا لله ورسوله بشعور كامل وعقدوا لھما عقد الطاعة وقبلوا دین الله من حیث ھو دین، وبعد ذلك كله تلوثوا في جرائم السرقة والزنا وغیرھا لدرجة أن كشف الله سترهم ورفعت جنایاتھم الأثیمة إلی المحكمة.

۸. وشریطة الشھود الأربعة العدل لعقوبة الزنا التي بینھا القرآن ھو لجریمة الزنا الخیاریة ولاتطلق علی جریمة الزنا الاجباریة. فإذا جاءت إمرأة تشكوا ھذا الاعتداء علیھا فإنھا لیست قاذفة وإنما ھي مستغیثة. ویجب علی القانون أن یستمع إلی استغاثتھا وأن یعطي المدعا علیه عقاباً یستحقه من أجل بریریته إذا ثبتت جنایته بأي طریق كان. إلا إذا ثبت بتحقیق وتفتیش أن المستغیثة ھي الآثمة ارتكبت القذف وأن المدعی علیھا معصوم بریئ.

۹. وماعدا جریمة الزنا بالرضا فإن كافة الجرائم والجنایات الأخری الشرعية أيضا تثبت بالأسالیب والطرائق كلھا ،التي تقبل عند الجمیع من حیث طرائق لإثبات الجرائم في أخلاقیات القانون. فتقبل فیھا الحالات والقرائن، الفحص الطبي، فحص الجثة بعد الوفاة، علامات الأنامل، اختیار الد. این. اے. (DNA) شھادة الشھود، إقرار المجرم، القسم والقسامة وشواھد أخری غیرھا تقبل في ھٰذه الجنایات أیضا كما تقبل في سائر الجنایات العامة. ولیس ھناك شیئ في الكتاب والسنة ما یقدم علی خلاف ذلك.

(۲۰١٥م)