أسلوب للغة العربیة
للغةٍ نزل بھا القرآن قاعدة أنه إذا جاءت صیغتا المذكر والمؤنث جمعاً في مقام، ویُنوی لھما استعمال ضمیر منصوب أو ضمیر مجرور، فكما یؤتی به بصیغة التثنیة علی القاعدة العامة، تؤتی به كضمیر الواحد المؤنث كذلك، إذا لم یكن ھناك خطر للإبھام في المعنی، وتكون قرائن رجوع الضمیر المذكر والمؤنث كلیھما واضحة صریحة. ولیس ذلك فقط بل یفید تتبع كلام العرب أنه في المواقع كھٰذه یجیئی بصیغة الواحد المؤنث في عامة الأحوال.
وھذه القاعدة اللغویة وإن لم یجیئی بھا أیمة النحو من أمثال سیبویه والزمخشري وابن ھشام وآخرین ولكن لایحدث فرق من ذلك. فإن القواعد والأسالیب اللغویة التي أبانھا علماء النحو والإعراب لم یأتوا بھا من الخارج بل كان مأخذھم ومصدرھم القرآن الكریم وكلام العرب. فإن اللغة لم تشتق من القواعد ،القواعد تستخرج من اللغة. فالناطقون بأیة لغة ینطقون أو یكبتون بلسانھم، وتؤخذ قواعد وأسالیب اللغة بطریق تتبع محادثاتھم وكتاباتھم لمن یرید ویطلب تعلم تلك اللغة. وعملیة أخذ القواعد من اللغة لاتركد في أي مقام، إنھا تجري دائما.
فإن المحققین من العلماء لایزالون ینقدون قواعد وأصول الأقدمین ویُوضحون أخطأھم ویكتشفون قواعد جدیدة وأسالیب حدیثة بتتبع كلام العرب. فإذا ما یؤتی بقاعدة جدیدة ویُقدم أسلوب حدیث كفاه دلیلاً تواجد شواھد ذلك في كلام أھل اللغة المستند إلیه. فكم من أسلوب لم نجده عند سیبویه أو عند خلیل ابن أحمد ولكن جاء به علماء النحو الآخرون من أمثال المبرد، والفراء والزمخشري وابن ھشام وغیرھم في كتبھم ،وصارت أسالیب اللغة المسلمة بھا، بسبب دلائل قویة أتوابھا لھا. ولِمَ نبعد؟ فرأینا في الماضي القریب الإمام حمید الدین الفراھي وتلمیذه الإمام أمین أحسن الإصلاحي قد قاما باكتشاف أسالیب جدیدة كثیرة ونجحا في حل مشكلات القرآن ومعضلاته الكثیرة بناءً علیھا.
ولذا لا یناسب استرداد قاعدة جدیدة وأسلوب حدیث محضاً من أجل أنھا لاتتواجد في كتب النحو والإعراب. نعم قد ینقد علیھا ولاتقبل بسبب المأخذ الأصلي أي بناءً علی كلام أھل اللغة.
والقاعدة اللغویة التي قد بیناھا في المذكور أعلاه لم ترد بلاشك في كتب النحو، ولكنھا تتمتع بحیازة شواھد في القرآن الكریم وكلام العرب. وھنا نجدر بنا أن نأتي ببعض الأمثلة ونوضحھا في ضوءھا، لكي یستطیع علماء الفن أن یبنوا رأیھم على صحة القاعدة أو بطلانھا بعد السبر وإمعان النظر فیھا.
یذكر لبید بن ربیعة العامري في معلقة الشھیرة حمارا وحمارة وحشیتان مبیناً لتشبیھات للناقة، واللتان أقامتا في وادي الثلبوت إلی مدة طویلة ثم خرجتا من ذاك الوادي بعد أن انسلخ شھر جمادي الأخری في مستھل الصیف، فقال:
حتی إذا سلخا جمادی ستة
جزأ فطال صیامه وصیامھا
رجعا بأمرھما إلی ذي مرة
حصد ونجح صریمة إبرامھا
ورمی دوابرھا الفا وتھیجت
ریح المصائف سومھا وسھامھا
فانظر یجري ھنا ذكر الحمار والحمارة والضمیر المرفوع في كل من سلخا، جزءا، ورجعاً للحمار والحمارة كلیھما وجیئی بصیغة المثنی لھما ،ولكن عند ما جاء ذكر إصابة الشوك في الرِجل وجیئی بالضمیر المجرور فقد جاء ضمیر الواحد المؤنث في الحمار والحمارة كلیھما في "رمی دوابرھا" فإن مرجع ھٰذا الضمیرفي ھذه الأشعار لایرجع لا إلی مصدر ولا إلی مفھوم ما ذكر في الجملة السابقة، ولا إلی الحمارة فقط. لأن إصابة الشوك ذكرت ھنا بحیث لا یمكن استثناء الحمار بدون غض النظر عن مدلول الشعر ومضمونه.
وقال شاعر حماسي عبدالله بن الزبیر الأسدي:
سمعت بكاء باكیة وباك
أبان الدھر واحدھا الفقیدا
فانظر هنا أیضا جیئی بضمیر الواحد المؤنث الذي یرجع إلی "باكیة وباك" كلیھما ولم یجیئ بواحدھما بدلاً من واحدھا.
وورد في القرآن الكریم:
والذین یكنزون الذھب والفضة ولا ینفقونھا في سبیل الله فبشرھم بعذاب ألیم. یوم یُحمی علیھا في نار جھنم فتكویٰ بھا جباھھم وجنوبھم وظھورھم. (التوبة: ٣٤.٣٥)
فذكرت في الآیة الذھب والفضة كلا الأشیاء ولكن حیثما احتیج لاستعمال الضمیر منصوباً أو مجروراً جیئی بضمیر الواحد المؤنث كما تری في 'ینفقونھا' و 'یُحمیٰ علیھا فتكویٰ بھا جباھھم' – وقد قال الزمخشری وبعض أئمة التفسیر الآخرون أن الضمیر یرجع إلی معنی مقدر للذھب والفضة وھو الدراھم والدنانیر ولكن لایصح ما ذھبوا إلیه أیضا. فلولا خوف الطوالة في البحث لأوضحنا بتفصیل أن الضمیر ھنا إذا اُرجع إلی معنی مقدر أو لفظ مترادف، بدلاً من إرجاعه إلی 'ذھب و فضة' جُرح منه حسن معنی الآیة، ولیس ذلك فقط بل یُبھم ویغتام ذاك التصویر المشاھدي الذي أرید رسمه بألفاظ 'یوم یُحمیٰ علیھا في نار جھنم فتكویٰ بھا جباھھم وجنوبھم وظھورھم.'
وانظر كذلك الآیة الكریمة من سورة الجمعة: وإذا رأوا تجارة أو لھواً انفضوا إلیھا. (١١) فإن حرف 'أو' ھنا جاء للتقسیم لا للتخییر ولا لإثبات أحد المذكورین، كأنه یرید القول أن بعضھم یلتفت إلی التجارة وبعضھم ینفضون إلی اللھو ،وبما أن المعطوف والمعطوف علیه یكونان في حكم الجمع في مثل ھٰذه الصورة. ولذا استعمل ھنا ضمیر المجرور للواحد المؤنث في 'إلیھا' مع قرب صیغة المذكر 'لھو' للضمیر. ففي رأینا ھٰذا الضمیر یرجع إلی 'تجارة' و 'لھو' كلیھما.
(١٩٨۲م)
