حكم الله وقضاءه
إنه إذا حصل التمكین والسلطة في أیة بقعة من الأرض للرسل أو لأصحابھم فقد قضی الله في ذلك أن ھناك صورتان فقط للمنكرین لاثالث لھما: فإن كان المنكرون مشركین قتلوا وإذا كان من أھل التوحید لدرجة ما تمت علیھم المحكومیة. فالقتال الذي تحدثت عنه سورة البقرة، والأنفال والتوبة ، والذي قال الله فیه أن مشركي العرب لھم القتل العام إنه في الحقیقة تنفیذ لذلك الحكم والقضاء الالٰھي ولایتصل بأحكام الشریعة العامة. (انظر الآیات: البقرة: ١۹۰، الأنفال: ٣۸-٤۰، التوبة: ٣-٥-۲۹) وقد كتبنا في كتابنا "المیزان" ما یأتي:
"لم یکن ھٰذا القتال قتالا محضاً بل كان عذاباً من الله الذي أنزل أولا علی مشركي العرب ویھودیھا ونصاراھا و علی أقوام وأمم من خارج جزیرة العرب ثانیا. وكان ذلك متوافقا مع السنة الالٰھیة ووقع كأمر من الله كان مفعولا بعد إتمام الحجة. ونتج منه كأمر قطعي أنه اختتم الآن حق جعل المنكرین صاغرین ، وإعلان الحرب علیھم ومحكومیة المفتوحین الناتجة من الحرب بطریق تنفیذ الجزیة علیھم إلی الأبد. فلم یكن لشخص مسلم الآن أن یحمل علی قوم من أقوام العالم ھدفاً إلی ذلك ولا له نفاذ الجزیة علی المفتوح المحكوم إلی یوم القیامة. وقد بقي للمسلمین وجه واحد للقتال وھو الحرب علی العدوان والظلم والاعتساف. وھو القتال في سبیل اللہ. فلا حرب ولا قتال لأي مقصد سواه بإسم الدین." (ص ٥۹۹)
وقضی الله ذلك أیضا في ذریة إبراھیم أنھم إذا كانوا قائمین بالحق وداعین للأقوام وأمم العالم كله إلی دین الله، ویُبلغون الدین كما ھو وبقطعیة تامة فإنھم یغلبون علی منكري الدعوة ماداموا علی الحق، وإذا انحرفوا اُبتلوا بعذاب الله بعذاب الذلة والمحكومیة والھوان من قِبَل المدعووین. وھٰذا مما وعد بنو إسماعیل وبنو إسرائیل كلاھما.
وقد صرح القرآن أنه قد تم انتخاب بني إسماعیل لشھادة الدین كما كانت بنو اسرائیل قد انتخبوا قبلھم لذلك الغرض (الحج: ٧۸) فالوعود التي جاءت في التوراة في حق بني إسرائیل وأشار إلیھا القرآن في أمكنة مختلفة تصدق علی بني إسمائیل أیضا تلقائیا. (انظر كتاب استثناء: ١-۲٥، القرآن، البقرة: ٤۰، بنی اسرائیل: ۸) ولكن لایعني ذلك أن حق لھم اتخاذ تدابیر لھذا الھدف وأن یزحفوا علی أقوام العالم تحقیقاً لھٰذا المقصد. فلم یعط لھم ھٰذا الحق في التوراة ولا في القرآن. فإن ظھور ھٰذا الوعد متوقف علی أسباب تكوینیة ، والأسباب أیضا تأتي علی الصعید التكویني. ولھم فقط الإتیان بما أمر الله به جمیعا وأن یقوموا بمسؤلیات الشھادة لله في مجال استطاعتھم بإخلاص كامل وأمانة تامة، والتي انتخبھم الله لھا.
وتفرع من ھذا القضاء الالٰھي أن خص الله سبحانه منطقة كنعان في فلسطین وما جاورتھا لبني إسرائیل كما خص الله جزیرة العرب لبني إسماعیل لكي تشھد الأقوام الأخری فیھا المعیة الالٰھیة لھم وتھتدي. ومن ھنا أمرت بني إسرائیل أن یقوموا بتخلیة ھٰذه المنطقة الوراثیة لھم من الساكنین الآخرین ولا یبقوا كافرا ومشركا حیّاً فیھا ، وأن لا تتخم بثغورھا دولة مشركة ولا كافرة إلا أن تكون لھم دولة خراجیة. فإن استعصوا علی ذلك قتل رجالھم عقابا واستعبد نساءھم وأطفالھم. وقد جاء ھٰذا الحكم بتفصیل كامل في كتاب الاستثنیٰ في باب العشرین. وبحكم ھذا المبدأ قد أجبر سلیمان علیه السلام ملِكة سبا أن تأتیه مسلمة منقادة.
أما ما یتعلق ببني إسماعیل فقد تم انھدام كافة معابد المشركین في جزیرة العرب بعد فتح مكة تحت ھٰذا الحكم، ویدخل تحته حكم "لایجتمع دینان في جزیرة العرب" وبناءً علی ذلك لایجوز تعمیر معبد لعبادة غیر الله في جزیرة العرب ولا یؤذن لكافر ومشرك أن یسكن فیھا. فھٰذه الأحكام خاصة فقط لھٰذا المركز لتوحید الله سبحانه ولاتتعداه إلی مناطق أخری للعالم.
وھٰذه أوامر منصوصة لله سبحانه وجاءت بوضوح كبیر في الصحف الالھامیة في التوراة والقرآن أیضا. ومن سوء حظ المسلمین أن تقاصر بعض العلماء الكبار والمفكرون الجلیلو القدر وأخطأوا في فھم نوعیة تلك القضایا الإلٰھیة. وولد ھٰذا الخطأ في الفھم تفسیراً سیاسیا للإسلام. والذي جنی كبیراً علی الأمة المسلمة كلھا بصورة حركات الجھاد والقتال الحاملة لواء ذاك الفھم السیاسي الخاطیئ.
ولابُد لإصلاح ھٰذا الوضع أن تبذل جھود لفھم وتفھیم تلك الأقضیة الالٰھیة علی الصعید العالمي حتی لایكون ھناك سعة لمتطرف لإثارة فتنة بطریق تعمیم ھٰذه الأحكام الخاصة.
(۲۰١١م)
