القطعي والظني
القطعیة في اصطلاح الأصولیین ھي نفي للاحتمال. وتستعمل لفظة القطعیة في بحث دلالات الألفاظ في معنیین: أولھما حیث لم یكن ھناك احتمال برأسه. وثانیھما حيث یكون دلیل الاحتمال ضعیف لایلتفت إلیه. ومثال الأول المحكم والمتواتر. ویقدمون الظاھر، النص والخبر المشھور مثالاً للثاني. (انظر: التوضیح والتلویح، لابن مسعود الحنفي مسعود بن عمر التفتازاني / ٢٤٢ كشاف اصطلاحات الفنون للتھانوي ٢/١٢٠٠)
ویقول الاستاذ الخلاف في تعلیقاته علی "الموافقات":
یستعمل القطع في دلالة الالفاظ فیما یأتي علی نوعین: أولھما الجزم الحاصل من النص القاطع وھو مالا یطرقه احتمال أصلاً. ثانیھما العلم الحاصل من الدلیل الذي لم یقم بإزاءه احتمال یستند إلی أصل یعتد به، ولا یضره الاحتمالات المستندة إلی وجوه ضعیفة أو نادرة. (الموافقات للشاطبي ١/١٣)
وھذه القطعیة یعبر عنھا بالعلم فیعرف به أن العلم عبارة عن الصفة التي بھا یحصل التمییز بین الحقائق أن لایحتمل نقیضا. ولما یقول القرآن عنه أنه ھو ’العلم والحق‘ أو ینفي التضاد فیه فھو یعلن ھذه الحقیقة. ویقابله "ظن" لایمكن فیه نفي الاحتمال وإنما یرجح فیه احتمال واحد. ویری البعض المصابون بقلة العلم أن كل علم یتحصل بطریق التفكیر والتفحص أو یمكن فیه إمكان الخطأ فھو ظني – لا. فإن العلم النظري الحاصل من التفكر والبحث قد یكون قطعیاً وقد یكون ظنیا ولذا یعرف بقولھم، ھو الفكر الذي یطلب به من قام به علما أو ظنا. وأوضحه الأمدي إیضاحا مزیدا بقوله: ھو عام للنظر المتضمن للتصور والتصدیق والقاطع والظني. (انظر لھذه التعریفات والمباحث، الاحكام في أصول الأحكام، الآمدي ١/١٠، كشاف اصطلاحات الفنون للتھانوي ٢/١٣٨٦)
أما إمكان الخطأ فإنه یتصور حتی وفي المحسوسات والتجریبیات، لأن الإنسان مادام ھو إنسان لایبرأ من الخطأ. ومصطلح ’ظني الدلالة‘ عند الأصولیین لایطلق علی ھذا الذي ذكرناه آنفا. بل یستخدم للكلام الذي یتصور فیه احتمال للنقیض فمثلا ھناك مفھوم عام مرجح لقوله تعالیٰ ’ھو الله أحد‘ بلا شك. ولكن قد یراد منه أن الله لیس بواحد. إن الاحتمال كھذا ھو الذي یجعل كلاماً ظني الدلالة.
أما ھذه الاحتمالات أن ھو مبتدأ والله خبر له، وأحد خبر ثاني أو ھو ضمیر الشان والله أحد مبتدأ وخبر وما إلی ذلك من الخلافات فإن ھذه ھي احتمالات التألیف لا احتمالات المدلول، والتي لا تؤثر علی قطعیة الكلام. وھكذا الخلافات التي نراھا في الأقوال التفسیریة لأئمة السلف. فقد أصاب الإمام إبن تیمیة حین قال في "المقدمة في التفسیر‘ له:
فإن منھم من یعبر عن الشیئ بلازمه أو بنظیره، ومنھم من ینص علی الشیئ بعینه والكل بمعنی واحد في أكثر الأماكن، فلیتفطن اللبیب لذلك. (تفسیر القرآن لإبن كثیر ١/١٠)
فمن الحقیقة أن آیات القرآن كلھا یصدق علیھا القطعیة بكل معنی الكلمة التي أشرنا إلیه آنفا. وأكثر الآیات لا احتمال فیھا برأسھا. فألفاظھا ھي نفسھا تفسیرات لھا. فلا یتصور أي نسخ،أو تخصیص أو تغیير فیھا. وبعض الآیات القلیلة ھي مظنة للاحتمال. وسبب ذلك یرجع إلی كونھا محلا للتدبر فإذا لم یوف حق التدبر فیھا خفي المعنی والمدلول. وذلك یعني أیضا أنه إذا وفي حق التدبر فإن الدلیل یقوم بإیضاح عدم احتمال بإزاء ذلك وضوح الشمس، احتمال یقال له أنه "یستند إلی أصل یعتد به". ولذا قال الإمام حمید الدین الفراھي العالم الجلیل والمحقق الكبیر للقرآن الكریم في العصر الحاضر إن القرآن لایحتمل إلا تأویلا واحداً. وأنه قاطع الدلالة وأن قلة التدبر ھي تبعث علی الخلافات. ولینتبه طالبوا القرآن أن معنویة القرآن كلھا مكتومة في البحث عن ھذه القطعیة الدلالیة. ومن ثم يجب أن لایتزلزل إذعانھم وإیقانھم علیه أبدا.
(٢٠١١م)
