التدوین الجدید للحدیث النبوي
(كتب إجابة علی تساؤل متصل بالتدوین الجدید للحدیث النبوي للجمھوریة التركیة)
لفھم عمل ما متعلق بالحدیث لابد من أن نفھم أولاً ھذه الحقیقة أن المصدر الوحید للدین إنما ھو شخص الرسول صلی الله علیه وسلم فقط. وانتقل منه ھذا الدین إلینا بصورتین: القرآن والسنة. وھما قطعیان لایحتاج لثبوتھما إلی تحقیق. و تناقلھما المسلمون جیلاً بعد جیل بالإجماع والتواتر، ومعنی ذلك أنه أخذ ھذا الدین من الرسول الأجیال القادمة بغیر ما اختلاف ونقلوه إلی من بعدھم ثم جرت ھذه السلسلة وقامت حتی الیوم دون انقطاع.
فمعظم الدین منحصر فیھما ونأخذ كل أحكامه منھما. وقد تجیئي مشكلة في ھذا وكذلك قد نحتاج إلی الإرشاد والتوجیه في الأمور الاجتھادیة ولذلك نرجع إلی العلماء. وكان محمد رسول الله صلی الله علیه وسلم بصفته ھذه أول وأكبر عالم للدین أیضا بل كان إمام العلماء. وكان یتمیز من غیره من علماء الدین بكون علمه معصوما ومؤیداً من الله تائیدا وتصویباً. فإن كان علمه متواجداً في مكان یرید كل مسلم أن یستھدیه قبل كل شیئ لفھم الكتاب والسنة.
ومن حسن حظنا أن ھذا العلم متواجد وبلغنا معظمه. فإنه قد تلقاه صحابته الأبرار منه. ولكن بما أن نقله للأجیال القادمة كان مسئولیة كبیرة وتبعة عظیمة فاحتاط بعضھم في ذلك وجرؤا علی بیانه البعض. وكان مشتملا علی أقواله وأفعاله وتصویباته صلی الله علیه وسلم. فھذا ھو العلم كله الذي یطلق علیه "الحدیث". إنه لم یضف إلی الدین عقیدة وعملاً بل إنه شرح وتفسیر للدین وبیان لأسوة حسنة خلفھا لمتعبیه في صورة الكتاب والسنة.
أما عن كیفیة انتقال ھذا العلم إلینا؟ فالتاریخ یفیدنا أن الصحابة ھم أبلغوه إلی من بعدھم أولاً. ثم التابعون لھم حدثوه حدیثاً إلی من تبعھم وكان ذلك سماعاً وأحیانا كتبوا لھم كأحادیث. وتتابع ذلك إلی جیل أو جیلین. ثم ظھر أنه قد تحدث أخطاء كثیرة في بیانھا وأن ھناك رواة یضیفون إلیھا أكاذیب وأباطیل علی شعور منھم وعمد. وبھذه المناسبة ثار بعض عباد الله وأخذوا یحققون فیھا وھم طائفة المحدثین وكانوا جھابذة فقاموا بتمییز الصحیح من السقیم والصادق من الكاذب بتفحیص كل راو وتمحیص كل روایة إلی حد یمكن. وقام البعض منھم بتدوین كتب ومجامیع یمكن أن یقال عنھا أن الأخبار المنقولة فیھا ھي عبارة عن علم الرسول صلی الله علیه وسلم علی أكثر حد، والذي رواه الراؤون بعباراتھم وألفاظھم. ویصطلح علیه علمیا بأخبار الآحاد، ویعني ذلك أنھا رواه آحاد من الرواة ولم ینتقل إلینا بالإجماع والتواتر مثل القرآن والسنة. فیقال عموماً أن العلم الحاصل منھا لایبلغ درجة الیقین وإنما یقال له علی أكثر حد أنه یبلغ إلی الظن الغالب.
ومجامیع الحدیث كلھا ھامة ولھا مكانتھا ولكن كتب الإمام مالك، والبخاري والإمام مسلم مجامیع أساسیة والمعتمد علیھا أكثر من الكل. لأنھا قد تم ترتیبھا وتدوینھا بعد التحقیق الكبیر. ولكن لایعني ذلك أنھا خالیة من خطأ. فالبارعون في العلم الحدیث یعلمون أنھم أیضا أخطأوا في البحث والتحقیق ولذا إنھم لایزالون یقومون بفحص ونقد المجامیع الحدیثیة. فإن لم یجدوا رواة الحدیث ممن یوثق بھم من قِبل سیرتھم وحفظھم وإتقانھم أو عدم اللقاء بھم أو یجدوا في روایتھم ماینافي مما في الكتاب والسنة أو ما یخالف مسلمات العلم والعقل صرحوا صراحة تامة أنه لیس من قول النبي صلی الله علیه وسلم وإنما نسب إلیه خطأ. وكما ھو الأمر في فھم الحدیث وشرحه فإن أھل العلم یقدمون تفسیراتھم ھكذا.
ولم یزل ھذا العمل الحدیثي قائما في كل زمان، حتی أنه في القرن الماضی قد قام العلامة ناصر الدین الألباني بخدمة جبارة بھذا المضار فإنه حاول لتحقیق أكثر كتب الحدیث مرة ثانیة وتمییز صحیحھا من سقیمھا. وأھل العلم لجمھوریة تركیا أیضا یحاولون العمل علی الحدیث علی ھذا المنوال. وبما أن نتائج تحقیقھم لم تظھر بعد فلسنا في حالة إبداء الرأي في ذلك إلا أن التفاصیل التي جاءت في نوعیة عملھم ھذا فلم نجد فیھا أي شیئ قابلا للاعتراض علیه. فإذا كان ھناك عمل تحقیقي مطابقا للقواعد المسلمة ومتأسساً علی مكانة الحدیث التي مرت آنفا، عملاً استعراضیا أو تدوینیاً من جدید أو لفھم الحدیث وتحلیل مدلوله وتمییز الحكم العارض من دائمه فأي اعتراض فیه؟ فإنه لایغلق باب للعلم والتحقیق في أي عصر وأي حال.
ولا مشاحة إن كانت ھناك أخطاء في ھذا العمل، لأن الآخرین من أھل العلم سوف یدلون علیھا. فإنه لیس ھناك طریق لرقي العلم إلا أن یكون أھل العلم والنظر أحرارا في أعمالھم. فبھذا تنار سبل جدیدة ویصلح خطأ الأقدمین. ولننظر ھذا العمل العلمي للباحثین الأتراك بھذا النظر ولیكن ھناك تشجیع للذین یقومون بھذه الخدمة بصورة إداریة مؤسسیة لأول مرة في تاریخ المسلمین. فإن كان عملھم ھذا معیاریاً یكون خدمة عظیمة وإذا كانت نازلة عن الدرجة تذھب إلی مذبلة التاریخ سدی. فإن عدالة العلم لاترحم أحداً وتقضي قضاءه عاجلاً أوآجلاً. فلننتظر إلی قضاءه في الأمور كھذه.
(٢٠١٣م)
