logo

15-الفتنة الجدیدة

الفتنة الجدیدة

إن قافلة السیاسة والمعیشة قد بدأت سفرھا من المدن التجاریة الآھلة علی شواطئ الأنھار. وما كانت تلك المدن ببعیدة جدا عن القری التي  كان یتنعم فیھا الإقطاعیون من الأزمنة الوسطیٰ وکان یلمس قمم و أبراج قلعات أرباب الكنسیة فلك الأفلاك، ذلك كان في مطلع القرن السابع عشر ویدخل الآن القرن العشرون في ربعه الأخیر. وقد جاء مقامات ومنازل صعبة جداً في أثناء ھذا السفر. والإقطاعیون اللابسون للعباءات من القرون المظلمة قد استبدلھم الیوم بالصناع والتجار من القرن الحاضر الحاملون للسیجار في أیدیھم.

وقد صار جھاد الأجرة ضد الرأسمال تمثیلا للعبرة به وذھب إلی مذبلة التاریخ، فحیث وصلت ھذه القافلة في مطلع ھذا القرن تقطع ھناك ابن آدم نصفین. فدماغه محروس في خزانات كریملن وجسمه یتغذی ویرتقي في مطابخ الدولة، وفي الطرف الثاني قد أصبحت مدن تجاریة أوروبیة مراكز للفكر والفعل الانساني. وفي الزمان القدیم إن ثروات القری كانت تسبب لوجود الملك، والملك بنوبته كان یدعم الآلھة العشرة. أما الزمان الجدید فإن ثروات المدن تولد البرلمان والبرلمان تقوم بحفظھا وحرسھا. وعجائب ارتكاز الثروة تحللت في الوجود البشری كالشیطان. وھذه الروح الفاسدة مسیطرة علی أبنیة كریملن المتحجرة وعلی بنایات نیو یارك العالیة كذلك. والفارق بینھما فقط أنھا أعلنت سلطتھا ھناك. أما ھنا فتنطلق حكمھا بلسان حكامھا وجبابرھا. والبابا یتنعم في زاویة إیطالیة وأبراج قصره تتكلم بالأفلاك حتی الآن ولكن الغرب

فإن بنایات البنوك تعلو علی الكنائس في بلاده العالیة.

15-الفتنة الجدیدة - مقامات - أفكار