مأسأة العلم والتحقیق:
كل شیئ یعتبر مقبولا في ھٰذا المجتمع ولكن لایُقبل تواجد العلم والتحقیق علی كل حال. یصفق الناس لما لا معنی له ویرفعون شعارات المدح والتوصیف علی الھراء ویھتفون للغباء. ولكن بالنسبة لأي اكتشاف علمي وأیة مآثرة تحقیقیة، خاصة إذا كانت متعلقة بالدین فلیس لدیھم سوی الطوب والحجارة. فالمرض الأكبر ھنا مرض التقلید السوقي. فكل ما یتبناه الناس وھو أمر مستمر منذ فترة طویلة وترتبط به مشاعر الناس، والذي أصبح ھویتھم ،وھو من التقالید المتبعة لدیھم مھما كان خاطئاً ومھما كان یشوه وجه الواقع مسخاً ومھما كان مخالفاً لأمر صریح لله سبحانه وخلافا لسنة رسوله صلی الله علیه وسلـم، لایستعد الناس أن یسمعوا نقداً موجھاً إلیه. إنھم لایھتمون بما یقدمه الناقد من الدلیل والحجة لوجھة لنظره أي اھتمام، ویتركز كفاحھم بالكامل علی إبقاء ذاك التقلید بطریقة أو بأخری. فیحاولون كل المحاولة باستخدام طرق الإعراض التام بدلائل الناقد، بتحریف كلامه، بتحویل مدلوله بتجریح شخصیته والسخریة به بجمیع الطرق یحاولون جعلَ الحق باطلا والباطل صحیحا.
وأسوأ حالاً وسلوكاً في ذلك یكونون من لھم معرفة قلیلة وسطحیة، وبناءً علیھا یریدون أن یُعدوا من رجال الدین ویحاولون إثبات أنفسھم أكثر حفاظا من معتقدات أكابرھم ونظریاتھم أكثر منھم. كمثل أخنس بن شریق وكان رجلاً في الجاھلیة وجد زمان النبي صلی الله علیه وسلـم وكان ثقفیا یدعي كذبا انتماءه إلی بني زھرة. فكان شدید الحماس لحفظ روایات وتقالید الجاھلیة أكثر من حاملي تلك التقالید أنفسھم.
وبما أن الناس كھؤلاء قد أصیبوا بمركب النقص ویكونون محرومین بالثقة بالذات فازدادوا في طغیانھم، فإن كان رجال الدین الآخرین یخطئون رأیا، یقولون ھؤلاء ھٰذا ضلال. وإن یقولون إنه ضلال فھؤلاء یسعون لإثباته أنه فتنة لا ضلال فقط. ولا یھمھم ما ھو الحق وما ھو الباطل؟ فحینما حلوا وماذا قرأوا وبمن یلقوا به لایھمھم إلا البحث عن بعض ما یعززون به أنفسھم، وإلا البحث عن طریق إثبات سیادتھم به. وإذا اختصموا لایختارون طریقة المحاكمة العلمیة في الخصام. بل یصرفون كل طاقاتھم برفع نعرات وأصوات ’’خذوه واقبضوا علیه وحذار من أن یفتكم‘‘ ولِاستلفات انتباه رجال الدین إلی أن كل شمعة للعلم والتحقیق لازم إطفاءھا بأسرع ما یمكن.
إن ھؤلاء المساكین إن اصطحبوا بخطأء منھم في مرحلة من حیاتھم، برجل متواضع مثل یوحنا المعمدان، الذي یرتدي نقائق من شعر الإبل، ویأكل الجراد والعسل البري، ویتكلم مثل الملوك، فإنھم یحیون ما بقي من حیاتھم بتشویش وحذر أن لا یعدھم الناس من أصحاب ذلك الرجل الحر. فإنھم یذیعون كل یوم ثان وكل یوم ثالث نشرة البراءة ،أن یا أیھا الناس كونوا حذراً واسمعوالي. إني كنت صاحباً لمسیح مرة ولكن الیوم إذا أردتم صلبه فأنا الذي من ینكره ثلاث مرات قبل أذان الدیك مرتین.
وشخصیة ھؤلاء تتكون من تضادات داخلیة وتخالفات عجیبة، مثلاً أنھم یدعون ادعاءً مفخما أنھم قد توصلوا إلی رأیھم بدلائل قویة، ولكن إذا أثبت أحد خطأھم بدلیل أقوی، فإنھم مستعدون لاتھام رأیھم بلاتردد منھم. وعند ما جاء شخص أمامھم ببرھان قاطع بخلاف ماذھبوا إلیه، قالوا من غیر تكلف: یا تُری ما ھو الدلیل؟ الدلیل أمة لك تخدم لك ما تشاء. إن الانقلاب الأصلي ھو انقلاب القلب، ولا مكانة للدلیل في حضرة القلب. إنھم یدعون الناس أن یستمعوا إلی ما یقولون بلاتعصب. وعندما قام أحد من أتباعھم یرید أن یسمع إلی الآخرین بلاتعصب فإنھم یغضبون غضبة بركان، وتستخرج غضبتھم بغلاظات وجودھم كلھا أمامھم. إنھم یلقون الدرس للآخرین أن اجتنبوا سوء الظن والتجسس ولاتقفوا ما لیس لكم به علم. ولكن إن توقعوا تواجد ذرة لتشویه صورة المخالف لقلبوا لذلك كل حجر ولقطعوا كل واد.
لكن كیف ولماذا الشكوی علی ھذا كله؟ كیف تتوقع أنت سلوكیة صالحة ومذھبا خیرا منه في اجتماع ،حیث ظل الاجتھاد والتحقیق كشجرة ممنوعة منذ قرون؟ وحیث یختار رجال الدین وأرباب العقل بظاھرھم، مذاھب الجھالة في جواب العلم ومسالك الابتذال في رد الاستدلال؟ وحیث یشغف الناس شغفاً قویاً بدراسة تحلیلیة للقائل بدلاً من الاستماع إلی قوله وفھمه؟ وحیث یصبح كل شیئ تمضي علیه قرون عدة مقدساً محترماً ،وحیث صار معیار الصحة والخطأ القبولیة في الناس في عامة الأحوال؟
وتاریخ العالم یشھد أن الحقائق الكبری في العالم تبرز في مسرح العالم في مثل ھٰذه البیئة المتأزمة عموماً. فھٰذه المسالك السلبیة لم تكن لتسد دعوة الیوحنا والمسیح ولم تحرم ابن حزم وابن تیمیة مقامھما ولم تغصب من العالم حكمة سقراط ولا اكتشافات كوبرنكس وغلیلیو. فشمعة العلم والتحقیق سوف تظل مضیئة إن شاء الله تعالیٰ.
(١٩٨٧م)
