logo

75- موضوع القرآن

موضوع القرآن:

إنه یمكن لكل دارس عام للقرآن أن یعرف بسھولة أن موضوعه تلك الحقائق فقط، تتوقف علی معرفتھا وعلی امتثال مقتضیاتھا الفلاح الأبدي للإنسان. فإنه یثبت تلك الحقائق بطریق الأنفس والآفاق وبدلائل التاریخ. ویدعو بني آدم إلی التسلیم بھا وینذرھم من عواقب التكذیب لھا. ویشرح ما تتولد بھا من مقتضیات. ولا یبحث عن شیئ غیر ذلك.

غیر أنه إذا قال شیئاً عن العالم الطبیعي إیضاحاً لبیانه، لم یكن بیانه خلافاً للحقیقة أبدا. ولكن القرآن لایتعرض لبیان وتفسیر ماكشفه العقل الإنساني أو ما سوف یكشفه في المستقبل من علوم وفنون متصلة بھٰذا العالم، لأن ھٰذا لایمت بصلة ما بموضوعه.

ولكن ماذا أقول إن الكثیر من ھذه الأمة ومرات كثیرة، لم یستعدوا أن یقبلوا ھٰذا الكتاب في صورته الأصلیة ھٰذه. فأقاموا أولاً ھٰذه المقدمة أن القرآن بكونه كتاب الله فمن اللازم أن یحتوي علی جملة ا لعلوم و الفنون الدنیویة أیضا. ثم لإثبات ھذه المقدمة تعرضوا للبحث عن مصادر ومآخذ تلك العلوم من الآیات القرآنیة. فتارة أثبتوا بھا أوھام الفلسفة الیونانیة بغض النظر عن كل دلالات اللغة والبیان ونظم الكلام، وتارة كانت ھناك دعویٰ للمعلومات العلمیة الخاصة لزمان ما، أنھا في الحقیقة قد أُخذت من الآیة الفلانیة والفلانیة للقرآن. وتارة استخرجت منه بعض العقائد المتعلقة بالطب والنجوم والفلكیات. وتارة استخرج منه بعض الكشوف العلمیة الحالیة من بلوغ الإنسان إلی القمر أو قیامه بصنع القنبلة الذریة وھلم جرا.

ولماذا كل ھٰذا التجشم؟ لأنھم اعتقدوا في ھٰذا الكتاب اعتقادا باطلاً. ولم یفھموا أن الخالق جل مجده قد منح الإنسان العقل قبل إنزال الكتاب. فكما أن ھٰذا الكتاب رحمة منه فالعقل أیضا منة وفضل منه كذلك. ولذا في الأمور التي یكفي فیھا العقل لایتعلق ھذا الكتاب بھا علاقة ما. وطالما لایتغافل العقل عن وجوده ھو في الأمور التي یبحث عنھا ھٰذا الكتاب فإن العقل لایستغني عنه أبدا.

ولیس ذلك مختص فقط بالقرآن بل قد قام نبي الله صلی الله علیه وسلم بشرح ھذه الحقیقة شرحاً كاملاً لأصحابه عنه كما روت أم المؤمنین عائشة رضي الله عنھا أنه صلی الله علیه وسلم قد رأ الناس یؤبرون النخیل فقال ألا یصلح بغیر ذلك. فلم یؤبروا ذاك العام فجاء برديئ النخل فقالوا له ذلك، فقال: أنتم أعلم بأمور دنیاكم ولكن جئت بدین الله فلھٰذا فارجعوا إلیَّ، أو كما قال علیه السلام. (رواه مسلم، رقم الحدیث: ٦١۲٦- ٦١۲٨)

فإن أردنا حصول الھدایة من القرآن الكریم في الواقع فلازم أن نرجع إلیه فقط لمعرفة الحقائق الدینیة والمعارف الالھیة. ویجب أن نرجع إلی عقولنا لصنع السرائر للمنام وللإبلاغ صوتنا إلی كواكب الزھرة والعطارد. فمن الحقیقة أن العقل لم ییأس الناس في دائرة عمله أبداً.

وإنما أنزل القرآن لإخبارنا كیف نبتغي رضا ربنا بامتثال أوامره وانتھاء عما نھاه من أمور. فعلینا أن نجبر أھواءنا لتكون تابعة لا أن نقرأ مضمون ما نھواه ونشتھیه في القرآن. وھو شرط أولي لحصول الھدي من القرآن كما ذكره الله تعالیٰ في أمكنة كثیرة للقرآن. ویمكن أن یكون ھناك من یرید أن یری سائر العلوم والفنون في ھٰذا الكتاب الواحد. ولكن مراده ھٰذا لا یغیر الحقیقة أنه بیان للعلم فقط ،الذي ھو لازم ضروري للفلاح الأبدي للإنسان.

(١٩٨٧م)