تحدید الولادة
یولد الأطفال بأمر من الله ولكن مولدھم لا یكون بأن الله تعالیٰ ینزل من السماء الأولاد لمن یشاء من الوالدین مباشرا وفي أي عدد یشاء. بل یكون مولدھم بواسطة من الإنسان وكنتیجة لإرادة منه وقيامه بالوظيفة الواجبة لذلك. وھذا لایحتاج إلی تفسیر أن الله تعالیٰ قد منح الإنسان عقلا وشعوراً وإرادة واختیاراً. وھذان یقتضیان منه أن یتروي في كل أمره ویستعرض في كل خطوة یخطوھا وأن یدرس عواقب ذلك دراسة تحلیلية ویحلله في ضوء العقل والعلم ثم یقدم علیه. خذ علی سبیل المثال البستاني الذي قال عنه الله تعالیٰ:
أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون.
والمراد أنكم لستم الزارعون للحدایق والحرث وإنما الله تعالیٰ ھو الزارع. ولكن یعني ذلك أن البستاني یقوم فقط بنثر وبذر البذور أو جبن اللبن الرائب؟ وكل شخص یجیب علیه بكلا لا. فھو مسئول إذاً عند الكل أن ینظر ھل یمكن له تحمل كل ما سيجب علیه إذا غرس شجرة من زرعھا ورعایتھا وقطف أثمارھا إذا أینعت ثم حملھا إلی الأسواق ،فھل یمكن له تحمل كافة المصروفات واللوازم؟ وھل أعد الأرض للغرس؟ وھل ترك الفواصل بین غرس وغرس آخر كما ینبغي له وقت عملیة الغرس؟ وھل ھناك طلب لثمار تلك الشجرة في السوق؟ وھل توفرت لدیه جمیع المعلومات الضروریة لذلك؟ فعلی الغارس والفلاح أن یفصل بعد النظر في كل ذلك أنه سیذرع ماذا ومتی، أولا یذرع شیئا؟ وفي قضیة ضبط الولادة وتحدید التولید یبحث الناس في أنه ھل یجوزذلك أو لایجوز، علی أن النظر في كل ذلك ضروري لازم للوالدین كما أنه ضروري للفلاح والبستاني. فإذا لم ینظر الفلاح في كل ذلك سیری نتائجه الوخیمة وإن لم ینظر الوالدان سیریان عواقب فعلھما.
وأمثلة ذلك تری في كل مكان في مجتمعاتنا. ولذا من الضروري أن یری الوالدان قبل التمھید الفعلي للولد أن الأم تستطیع أن تحتمل حمله أم لا؟ وهل تجیز صحتھا ولاده وتربیته؟ وإن كان له ولد من قبلُ فھل فرغت منه إلی حدأن تحمل رعایة وحضانة ولد آخر؟ وھل یحوز الوالدان بوسائل ضروریة لحمل وحضانة ورعایة وتعلیم وتربیة الولد، والوقت والفرصة لكل ذلك؟ فإن كان الجواب لھذه التساؤلات في النفي فعلیھما بضبط النفس أو استخدام طریقة لمنع الحمل ویجب أن لاتقوما بتمھید للولد.
ولكن لایعني ذلك أن إرادتنا ھٰذه تمنع مشیئة الله سبحانه. فإنه إن كانت حكمتة تقتضي ولاد ولد فلازم أن یولد. واتخاذنا لتدابیر مانعة ھو لاتباع قانونه لا لمنع مشیئته. إن المرض یطرأ باذن الله ولكن القانون العام ھو أن المرض سیلحق لازماً إذا خالف أحد أصول وقواعد حفظان الصحة. والشفا من الله تعالیٰ ولكن إذا تركنا المرض ولم نعالجه فالقانون العام أن المرض یتفاقم، والرزق یُرزق من الله تعالیٰ ولكن إذا بذلت الجھود لتحصیله فالقانون العام أن یتأتی. فإن ھذا العالم ھو عالم الأسباب ومنح الإنسان صلاحیة لاستخدام الأسباب الدنیویة مطابقاً لعقله. والتقدیر الالھي یتعلق ھنا في الكثیر من الأمور مما نقوم بالإرادات والخطوات والأقضیة. فقد أمر عمر رضي الله عنه بالفرار من مكان الطاعون وقال نفر من قدر الله إلی قدر الله. وقد سئل رسول الله صلی الله علیه وسلـم مرة عن تدبیر لمنع الحمل ،ففي جوابه لھم قد وجھھم صلی الله علیه وسلـم إلی ھٰذه الحقیقة كما رواه أبوسعید الخدري رضي الله عنه أنه قال:
ما من كل الماء یكون الولد، وإذا أراد الله خلق شیئ لم یمنعه شیئ. (رواه مسلم، رقم: ١٤٣٨)
