logo

26- الإجماع


الإجماع

إن مصدراً واحداً للدین ھو شخص الرسول صلی الله علیه وسلم وحده. وقد انتقل إلینا ھذا الدین منه بإجماع الصحابة والتواتر القولي والعملي وذلك بطریقین: أحدھما الكتاب والثاني السنة. ویؤخذ ھذا الدین الآن من ھذین فقط بعد وفاة النبي صلی الله علیه وسلم. وإذا كان ھناك شیئ یكون ذریعة للتوصل إلی إرادة اللہ تبعاً فھو الإجتھاد. فبطریق الاجتھاد نحاول لفھم الأحكام التي لم ترد في النصوص مباشرة مع الأشیاء الكثیرة الأخری، ولكنھا من حیث نوعیتھا إطلاقات لما قد ترك علی آراء وأفھام الناس. والقیاس قسم لذلك. وقد استخدم القرآن لذلك لفظة "الاستنباط". وما یوجد من ذلك یطلق علیه ’الفقه‘. وقد ابتدأ من اجتھادات رسول الله صلی الله علیه وسلم بالذات، وذخیرة كبیرة للأخبار الآحاد ھو بیان لذلك الاجتھاد. وقد ظلت تلك الروایة قائمة في عصر الصحابة والتابعین بعد الرسول صلی الله علیه وسلم. ولكن لما استھل عصر الفقھاء أضیف إلی تلك الثلاثة شیئ رابع وھو إجماع الأمة. ومنذ ذلك الیوم یعتبر ھذا الإجماع عموماً كمصدر للشرع.

وھذه الإضافة في مآخذ الدین ومصادره لبدعة فإنك لاتجد لھا أساس في نصوص الكتاب والسنة. وإذا استعرضت ما جنته ھذه البدعة لاتضح أمامك أنھا قد جرّحت أبدیة الشریعة الإسلامیة، وأشكل علی الناس علاقتھا (Relevance) بالدور الجدید كما یقول الشیخ الداعیة وكبیر العلماء للقارة الھندیة وحید الدین خان:

"لقد أجمع الفقھاء عامة علی كون الإجماع مصدرا مستقلا للشریعة، ولكنھا نظریة لا أساس لھا یقینیا. فإنما یكون النص القاطع مصدراً مستقلا للشرع وھو ھنا غیر موجود ففي غیاب النص القاطع له جعله مصدرا مستقلا كلام لا أساس له. ولاشك أن للإجماع مكانة كبیرة ولكنھا وقتیة تماما لأن الإجماع قد یكون حلا لقضیة عارضة لمناسبة خاصة. وھذا الحل یكون حلاً وقتیا لا مرجعا آبدا للشریعة." (الرسالة ٧/٢٠١١م)

والدلائل التي بھا یثبت الفقھاء حجیة الإجماع إذا أراد شخص الوقوف علی حقیقتھا فلیراجع إلی إرشاد الفحول للإمام الشوكاني، سیتضح له أنھا لاتمت إلیه بصلة. ولكن ھناك آیة من القرآن وحدیث استدلوا بھما. ویمكن أن یختلج ھذا الاستدلال في بعض الأذھان. فإلیكم إیضاح ذلك فیما یأتي. فقد قال الله تعالیٰ: ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الھدی ویتبع غیر سبیل المؤمنین نوله ما تولی ونصله جھنم وساءت مصیراً. (النساء: ١١٥)

ووجه استدلال الفقھاء بھذه الآیة، أن الآیة تعِدُ الجحیم لمن یتبع غیر سبیل المؤمنین ومعنی ذلك أنه یجب علی الكل اتباع سبیل المؤمنین فإن أجمع المؤمنون علی رأي ووجھة لم یجز الاختلاف منه. ویجب علی كل مؤمن أن یتبع إجماعھم ذلك. وھذا الاستدلال واه جدا یتوضح لك ذلك إذا قرأت الآیة في سیاقھا. فإن الآیات السابقة تكشف عن نجوی داخلیة للمنافقین فعنھم تقول الآیة إن الذین یشاقون الله ورسوله ویسعون لإقامة حزب مخالف للرسول ویسلكون مسلك الكفر والنفاق بدلامن الإیمان فإن مصیرھم إلی النار. والآیة تخاطب العناصر في جماعة المؤمنین الذین یحاولون وكالتھم وتقدیم الأعذار لھم فنبھھم الله أن من تبحثون عن الأعذار لھم ھم یشاقون الرسول ومشاقتھم سیفضي بھم إلی جھنم إفضاءً. فإن من یشاقق الرسول من بعد ما تبین لھم الھدی ھم یتبعون غیر سبیل المؤمنین ومصیرھم إلی جھنم. "فغیر سبیل المؤمنین" أطلق في الآیة الكریمة علی ذلك الكفر والنفاق. وأرید بالمؤمنین ھنا صحابة رسول الله الأبرار الذین وجدوا الحق فأخلصوا لله ولرسوله إخلاصا كاملا فطریقھم طریق الإیمان والاخلاص والاتباع والانقیاد والتسلیم والرضا ھو الذي عبر به في الآیة بـ "سبیل المؤمنین".

فتركه ھو إتباع غیر سبیل المؤمنین والذین یجترءون علیه لھم وعید جھنم. ولكن لایعني ذلك أبدا أنه لایمكن الاختلاف من تعبیرات المؤمنین وآراءھم واجتھاداتھم. وأنھم إذا أجمعوا علی رأي فنقده شخص في ضوء القرآن والسنة یستحق الجحیم. فالحقیقة أن الآیة لاتعرض لھذه القضیة أیما تعرض. فالآیة – كما قلنا – تقول فقط إن من یتجاسر بعد ما تبین له الھدی علی مخالفة الرسول ویسعی لإقامة حزب مخالف فإن عمله كفر لا إیمان معه ویولیه الله طریق الضلال الذي ھو انتخبه بنفسه ولذا قیل إن مصیره جھنم.

أما عن الحدیث الذي ورد في ذلك "إن الله لایجمع أمتي علی ضلالة". فإنه – وإن كان ضعیفا لم یجد طریقه في أمھات كتب الحدیث البخاري ومسلم والمؤطا – إن سلمناه صحیحاً فإنه لایدل علی أن الأمة لاتخطئي أبداً. فإنه فرق كبیروبون شاشع بین الضلالة والخطأ. والحدیث إنما ینفي اجتماع الأمة علی ضلالة لا علی خطأ.

نعم لا یمكن اجتماع الأمة كلھا علی الضلالة، لأنه قد تبین الرشد من الغي لدرجة إتمام الحجة فمحال عقلاً أن یجمع علماء الأمة ومجتھدوھا وأرباب الحل والعقد لھا علی شرك وكفر معتقدین له كفراً وشركاً. أو أن ینكروا رسالة رسول الله صلی الله علیه وسلم أو ینكروا مسئولیة الآخرة أو أن ینحرفوا عن ضروریات الدین كالصلاة والزكوة والحج والصوم والأضحیة وما إلیھا من الأحكام. فھذه كلھا الآن من البدیھیات للأمة. فلا یمكن الإجماع علی الانحراف منھا.

وعلی العكس منھا ھناك أشیاء اجتھادیة. یمكن الخطأ في فھمھا ویمكن إجماع الأمة علی ذلك الخطأ في الفھم كذلك. فلا مانع منه عقلا ونقلا. وعلیه فان صح نسبة الحدیث إلی الرسول صلی الله علیه وسلم فمحله یكون متعلقا بالإجماع علی الضلالة. وعن الضلالة یمكن أن یقال باللزوم أن لایجتمع علیھا المسلمون كافة. ولكن لاتتعلق ھذه البشارة بخطأ واقع في الفھم والتدبر أیة علاقة.

(٢٠١١م)