logo

دلالة الألفاظ

دلالة الألفاظ

والإجابة علی السؤال الثاني أن ھذا التقریر عن دلالة الألفاظ کله محل للنظر، فإن المفاھیم التي تدل علیھا الألفاظ والأسالیب لکل لغة حیة من لغات العالم تکون متواترة ومبنیة علی القطع بکل وجه تام. واللغة والنحو وکذلک العلوم الأخری کل ذلک یبین ذلک التواتر. فلایحبث فیھا عن صدق الناقلین وکذبھم وعن عددھم کذلک أساسا. والألفاظ والأسالیب التي تعد شاذاً وغریباً لاتکون شاذا من حیث مفاھیھما بل تکون کذلک بناءً علی قلة أو کثرة استعمالھا وعلم واطلاع رواتھا ودارسیھا. فرحلة الکلمة ومعناھا لا تنفصل أبداً. طالما یتم استخدامه يتم استخدامه مع معناه. وربما نکون قد أخطأنا في معنی الکلمة وتعیین مفھومھا ولکن لایتصور أن کلمة ظلت مستخدمة بدون قطعیة مفھومھا أو کانت کذلک في عصر من العصور. کما أن الشعور بمواقع استعمال المجاز والکنایة والإجمال والتخصيص وغیرھا أیضا متواتر. وھو رأس المال الإنسان المشترک بین جل لغات العالم. ’’الأسد ملک الغابة‘‘ "أي أسد قادم حتی یرتجف میدان القتال؟" ھاتان جملتان ربما یخطأ شخص في فھم معناھما وفي تمییز الحقیقة من المجاز فیھما. ولکن الشعور الجماعي للإنسان لایتردد في ذلک وفي ضوء ھذا الشعور الجماعي نطلع الفرد علی خطأئه. فھذه حقیقة عن اللغة، وبناءً علیھا نکتب ما نکتب ونتکلم مانتکلم لأننا نوقن بأن الآخرین سیفھمون بما نرید إفھامه إیاھم. والوثائق التي تکتب کل یوم في العالم والأقضیة التي تصدر والأحکام التي تجري والاطلاعات التي توصل والعلوم التي یتم إبلاغھا إن جاءنا خيال في کلمة ولو للمحة ،أن دلالة الألفاظ فیھا لیست قاطعة في مفھومها فکل شیئ من ذلك یکون لامعنی له. فھذه النظریة سو فسطائیة محضة لایسعھا دنیا العلم أبدا.1

وقال الشاه إسماعیل الشھید في کتابه ’’عبقات‘‘ معلقا علی ذلک مانصه:

لایخفی علی من له أدنی ممارسة بأسالیب الکلام أن ھذا القول ناشئ عن جھل متراکم إذ وضع الألفاظ لمعانیھا من المتواترات، فلا مدخل لعصمة الناقلین فیه. (عبقة خامسة)

ویقول ابن القیم: 

’’من ادعی أنه للطریق لنا إلی اليقین بمراد المتکلم، لأن العلم بمراده موقوف علی العلم بانتفاء عشرة أشیاء فھو ملبوس علیه ملبس علی الناس، فإن ھذا الوضع لم یحصل لأحد العلم بکلام المتکلم قط، وبطلت فائدة التخاطب وانتفت خاصیة الإنسان، وصار الناس کالبھائم، بل أسوأ حالاً، ولما علم غرض ھذا المصنف من تصنیفه، وھذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أکثر من ثلاثین وجھا مذکورة في غیر ھذا الموضع. (اعلام الموقعین ۳/۱٠۹)

1 انظر للاستزادة في ذلک مباحث آتیة في کتابنا ’’مقامات‘‘ العلم الاضطراري، أساس العلم، قطعي الدلالة، القطعي والظني والعام والخاص.