logo

الإنفاق في سبيل الله


الإنفاق في سبيل الله

والثالث أن ينفق في سبيل الله وذلك يعني أنه إذا أنفق الإنسان على نفسه مما أنعم عليه الله به فينبغي له أن ينفق على أبناء نوعه أيضًا بعد تلبية حاجاته الضرورية الشخصية والتي تتصل بعمله. ويُعلم من القرآن أن من أراد أن يكون عبدًا صالحًا في هذه الدنيا فلا بد له من التزام بشيئين: هما بناء علاقة قائمة على أسس صحيحة مع الله أولًا ومع الناس ثانيًا. ويحصل الأمر الأول بالصلاة التي هي عبارة أسمى عن حب الله ويحصل الثاني بطريق الإنفاق في سبيله ،وهو عبارة عن حب المرء لعبادة الله ومخلوقاته. وينال المرء عوضاً عن الإنفاق محبة الله له. لأن ما ينفق الإنسان على الأرض في الحقيقة يجمعه ويدخره في السماء، ونتيجة لذلك "فإن قلبه أيضًا يكون عالقًا في السماء "كما قال المسيح عليه السلام (متى: 19-21) والقرآن يرغب في ذلك في أمكنة كثيرة وفي أساليب بالغة الأثر فمثلًا قال في موضع آخر: وَاَنْفِقُوْا مِنْ مَّا رَزَقْنٰکُمْ مِّنْ قَبْلِ اَنْ یّاْتِیَ اَحَدَکُمُ الْمَوْتُ، فَیَقُوْلَ: رَبِّ، لَوْلَآ اَخَّرْتَنِیْٓ إلی اَجَلٍ قَرِیْبٍ فَاَصَّدَّقَ وَاَکُنْ مِّنَ الصّٰلِحِیْنَ.(المنافقون: ۱۰)

وهذا الإنفاق هو حق للأقرباء والأيتام والمساكين واجب أداؤه. وهذا التعبير قد أختير له في الآيات التي أشرنا اليها من قبل. وهي توضح أن أي تراخ في أدائه يمكن أن يجعل الإنسان مجرمًا آثمًا في نظر الله سبحانه. فقد أوضح القرآن في موضع آخر أنه إذا أخذ المرء يكدس المال والثروة غير مبال لحقوق الآخرين فيه، فذلك من الكنز، وجزاءه جهنم التي يجب أن يعوذ كل مؤمن بالله منه: وَالَّذِیْنَ یَکْنِزُوْنَ الذَّھَبَ وَالْفِضَّة وَلَایُنْفِقُوْنَھَا فِي سَبِیْلِ اللّٰہِ فَبَشِّرْھُمْ بِعَذَابٍ اَلِیْمٍ، یَّوْمَ یُحْمٰی عَلَیْھَا فِیْ نَارِ جَھَنَّمَ فَتُکْوٰی بِھَا جِبَاھُهمْ وَجُنُوْبُهمْ وَظُهوْرُھُمْ، ھٰذَا مَاکَنَزْتُمْ لاِنْفُسِکُمْ فَذُوْقُوْا مَا کُنْتُمْ تَکْنِزُوْنَ. (التوبة: 34-35)

ونظرًا إلى هذه الأهمية للإنفاق فقد وجه القرآن أن من يعود عليهم حق الإنفاق ولكن أصبحوا في حالات حرجة بسبب من الأسباب، أن لم يمكن لهم الإنفاق من فورهم، ولكنهم يتوقعون أن تصلح الأحوال مستقبلًا فقد أرشدهم القرآن أن يقولوا لهم قولًا ميسورًا. وأن يوعدهم بوعد صالح مستقبلًا فقال:واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا.

وهذا الإنفاق يتم سرًّا أو علانية يعلمه الله كل ذرة منه، وذلك يعني أنه يجزل لهم المثوبة حسب وعده تعالى. وَمَآ اَنْفَقْتُمْ مِّنْ نَّفَقَةٍ اَوْ نَذَرْتُمْ مِّنْ نَّذْرٍ فَاِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُهٗ ۭ وَمَا لِلظّٰلِمِيْنَ مِنْ اَنْصَارٍ اِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ  ۚ وَاِنْ تُخْفُوْھَا وَتُؤْتُوْھَا الْفُقَرَاۗءَ فَھُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۭ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِّنْ سَيِّاٰتِكُمْ ۭ وَاللّٰهُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِيْرٌ  (البقرة:270- 271)

إنه يبارك في هذا الإنفاق ويجعل الذرة جبلًا بيمنه وبركته فقال: مَثَلُ الَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَھُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنْۢبَتَتْ سَـبْعَ سَـنَابِلَ فِيْ كُلِّ سُنْۢبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ  ۭوَاللّٰهُ يُضٰعِفُ لِمَنْ يَّشَاۗءُ  ۭ وَاللّٰهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ  (البقرة: 261)

يقول الأستاذ الإمام:

"هذا تمثيل للازدياد الذي سيكون في أجر ومثوبة المال الذي تم بذله في سبيل الله. فقال كما أنه يكون هناك سبع سنابل وفي كل سنبلة منها مئة حبة، فكذلك يُعطى العبد الصالح مثوبة حسنة على أضعاف مئة حبة، تكون من عشرة أضعاف على سبع مئة ضعف (أو كما قال عليه السلام) والظاهر أن هذا الفرق يكون مبنيًّا على فوارق نوعية العمل وزمان العمل والأحوال الظاهرة والباطنة للعامل. وذلك يعني أن حسنة قام بها المرء في الحالات الحرجة والوسائل الضيقة يضاعف أجرها. وحسنة جاءت في الحالات السارة والوسائل المتوسعة يخفف أجرها. كما أن عواطف ومشاعر العامل لها أيضًا أثر بالغ. فإن كانت هناك حسنة جيئي بها بكل وفور شوق وحماسة زائدة، ويقابلها حسنة جيئي بفتور شوق وعدم حرارة قلبية، فالظاهر أن هذا الفارق العاطفي سوف توثر على قدر أجرهما أيضًا. والآية تنال مقدار المثوبة الأعلى ولذا قال: "والله يضاعف لمن يشاء" إشارةً إلى ضابط الأجر الذي أشرنا إليه آنفًا. وأية مشيئة لله لا تعارض العدل والحكمة، ولذا إنه يريد ويشاء هذه الإضافة والزيادة لمن يستحقها وفق ضوابطه وأصوله".

ويمكن أن يزاد وضوحًا أن الإنفاق إذا كان رضًا لله وتربيةً لنفسه فمثله كمثل شخص له جنة بربوة أرض مسطحة عالية غير صلدة، إذا أصابها مطر وابل آتت أكلها ضعفين وإذا لم يصبها وابل يكفيها طل. فقال: وَمَثَلُ الَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَھُمُ ابْتِغَاۗءَ مَرْضَاتِ اللّٰهِ وَتَثْبِيْتًا مِّنْ اَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۢ بِرَبْوَةٍ اَصَابَهَا وَابِلٌ فَاٰ تَتْ اُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ۚ فَاِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۭ وَاللّٰهُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ (البقرة: 265)

ولكن هذا الأجر يكون لإنفاق قام الإنسان من ماله الطيب الزكي، الذي لا يكون معه منّ ولا أذى. فما لا يرضاه المرء لنفسه تقديمه في سبيل الله مما ينبئ عن دناءة الطبع. فما عندنا من مال أو متاع هو من عطاء الله ورزقه، فإذا تختار الدنيئة في إعطائه في سبيل الله يحصل هناك خطر أن نزيد في البعد عن الله والمهجورية منه فضلًا عن حصول رضائه وتربية النفس. وهكذا إذا أعطاه مالًا ويمن به عليه ويؤذيه فذلك يعني أنه شخص أعطي مالًا ولكنه حُرم من الشهامة والسماحة.

فإن هذه المعاملة لا تجيء إلا من رجل وإن وفق للحسنة والبذل في سبيل الله، ولكنه رجل لئيم دنيء الطبع وخسيس الفطرة، يعتقد غالبًا أنه إذا أنفق شيئًا على رجل آخر، يجب عليه الآن أن يمتن له طيلة حياته، وإذالم يكتمل له أمنية هذه حاول إذلاله بكل مكان بهدف طعناته اللسانية. قال الله تعالى: يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْٓا اَنْفِقُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ اَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْاَرْضِ ۠ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيْثَ مِنْهُ تُنْفِقُوْنَ وَلَسْتُمْ بِاٰخِذِيْهِ اِلَّآ اَنْ تُغْمِضُوْا فِيْهِ ۭ وَاعْلَمُوْٓا اَنَّ اللّٰهَ غَنِىٌّ حَمِيْدٌ  (البقرة:267) وقال أيضًا في موضع آخر: اَلَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَھُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللّٰهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُوْنَ مَآ اَنْفَقُوْا مَنًّا وَّلَآ اَذًى ۙ لَّھُمْ اَجْرُھُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۚ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا ھُمْ يَحْزَنُوْنَ. قَوْلٌ مَّعْرُوْفٌ وَّمَغْفِرَۃٌ خَیْرٌ مِّنْ صَدَقَة یَّتْبَعُھَآ اَذًی ، وَاللّٰہُ غَنِیٌّ حَلِیْمٌ. یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا ، لَا تُبْطِلُوْا صَدَقٰتِکُمْ بِالْمَنِّ وَالْاَذٰی کَالَّذِیْ یُنْفِقُ مَالَہٗ رِئاء النَّاسِ وَلَا یُؤْمِنُ بِاللّٰہِ وَالْیَوْمِ الْاٰخِرِ فَمَثَلُهٗ کَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَیْهِ تُرَابٌ فَاَصَابَه وَابِلٌ فَتَرَکَه صَلْدًا لَا یَقْدِرُوْنَ عَلٰی شَیْءٍ مِّمَّا کَسَبُوْا، وَاللّٰہُ لَا یَھْدِی الْقَوْمَ الْکٰفِرِیْنَ .

اَيَوَدُّ اَحَدُكُمْ اَنْ تَكُوْنَ لَهٗ جَنَّةٌ مِّنْ نَّخِيْلٍ وَّاَعْنَابٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الْاَنْهٰرُ ۙ لَهٗ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ ۙ وَاَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهٗ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاۗءُ ښ فَاَصَابَهَآ اِعْصَارٌفِيْهِ نَارٌفَاحْتَرَقَتْ ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُوْنَ (البقرة: 262- 266)

وفي تفسير الآية يقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي:

"هذا التمثيل لرجل زرع جنة من نخيل وأعناب يجري من تحتها النهر الذي يضمن لها النضارة والخصب. وكان هناك أثمارٌ أخرى متباينة وكانت تحصل منها أجناس مختلفة للأكل، وقد شاخ مالكها وله أولاد صغار فأصابها إعصار ذات يوم فيه نار من سموم، فاحترقت كلها. وهذا سيكون حال المنفقين الذين لا يحمون إنفاقهم من الآفات المهلكة. فالإعصار المدمر يكمن في أنفسهم. يظهر عليهم حين لا مناص لهم منه ولا مكان لهم أن يجدوه بعد الفقدان. "(تدبر القرآن: 1/619)

وقد بيَّن القرآن في آيات بني إسرائيل المذكور أعلاه أنه يوفق لذلك الإنفاق من كان يعتدل ويقصد في نفقاتهم، ويعتقدون أرزاقهم مما أنعم الله عليهم، وليست نتيجة لتدابير وحكمة اتخذوها فقد أرشد إلى أمرين آخرين:

أولهما: لا يجوز الإسراف والتبذير في المال فإنه مما أنعم الله ، والموقف الصحيح إزاءه أن ينفق الإنسان ماله على احتياجاته الأساسية باقتصاد، وما يدخره يعتبره أمانةً لأصحاب الحق، ويؤدي تلك الأمانة اليهم بمنتهى الأمانة والدقة. فإن الشخص الذي لا يسلك مثل هذا المسك المتوازن في تبديد ماله لن يجد الفرصة في حياته التي ينغمس فيها بتلبية أشواقه للوفاء بهذه الواجبات نحو الآخرين. ولذا قال إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا" فلا هم له إلا إغراء الناس وإغواؤهم بإنفاق المال في سبيل يرجعون بغضب ربهم بدلًا من مرضاته. وفي صدد ذلك يشرح القرآن موقفًا متوازنًا أن لا يكون قد جعل يده مغلولة وأن لا يبسطها كل البسط فيقعد عند الحاجة ملومًا محسورًا، بل عليه على العكس من ذلك أن يدخر دائمًا مما يتمكن له من أداء حقوق ومساعدة الآخرين عند الحاجة.

ومن هنا قال: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولاتبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسوراً.

والثاني: إن حكمة الله ومشيئته هما تحكمان الظروف المعيشية لرجل. وتنحصر مسؤولية الإنسان وواجبه فقط في العمل الدؤوب لحصول الرزق. ومن فاتته هذه الحقيقة ربما يتحجر قلبه إلى الحد الذي يندفع معه إلى قتل أطفاله خوفًا من الفقر. والآية القرآنية التي تتناول هذا المبحث تلمح في موضع إلى عادة بعض عرب الجاهلية عن وأد البنات وهن على قيد الحياة، لأنهم كانوا يتذرعون بأن المرأة عضو غير منتج فتكون عالة على الأسرة وعبئًا ثقيلًا على أهلها. فقد حرم الله في كتابه تلك العادة المشينة، وأكد أن الله هو وحده مصدر الرزق وأنه عليه وهو بصير بعباده ليس بغافل منهم. فقد قال في موضع آخر: اَلشَّيْطٰنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَاْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاۗءِ ۚ وَاللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا  ۭ وَاللّٰهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ    ڦيُّؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَاۗءُ  ۚ وَمَنْ يُّؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيْرًا ۭوَمَا يَذَّكَّرُ اِلَّآ اُولُوا الْاَلْبَابِ  (البقرة: 268-269)