الشواهد
الشاهد الأول هو شعور الخير والشر الكامن في الإنسان. ومن ثمرات هذا الشعور بأن هناك مشرفًا رقيبًا وينبه الإنسان دائمًا في ضميره وكل وقت على مساوئه. فهي بمثابة محكمة صغيرة قائمة في داخل الإنسان تصدر قضاءها على كل حين بدون تردد ولا حياد. والإنسان يستمع إلى قضائها سلمه أو لم يسلمه بعد كل خطأ صدر منه في عالم الفكر والخيال، أو في مجال العلم والعمل حتى يزداد شقاؤه النفسي لدرجة أن أحاط قلبه سواد أعماله إحاطة، وجعله صمًّا بكمًا بالكلية. فهذه هي شهادة باطن الإنسان على نفسه والذي عُبر بالنفس اللوامة. وقد قدمه القرآن أيضًا قائلًا للإنسان إنك لست جملًا غير مخطوم أن لا تُسأل عما تفعل. وعليك أن تعلم أنه كما قامت قيامة صغرى في داخلك فستقوم يومًا قيامة للكون كله، وتحشر فيها إلى ربك حشرًا، وتسأل عما كنت تفعله في الدنيا. ويكون هناك جزاء أو عقاب حسب أعمالك. فإذا أنت تنكر ذاك اليوم تكذب نفسك وتسيء إلى ضميرك. قال تعالى: لَا اُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيٰمَةِ . وَلَا اُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. اَيَحْسَبُ الْاِنْسَانُ اَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظَامَه. بَلٰى قٰدِرِيْنَ عَلٰي اَنْ نُّسَوِّيَ بَنَانَه. بَلْ يُرِيْدُ الْاِنْسَانُ لِيَفْجُرَ اَمَامَه. يَسْــَٔـلُ اَيَّانَ يَوْمُ الْقِيٰمَةِ . فَاِذَا بَرِقَ الْبَصَر. وَخَسَفَ الْقَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . يَقُوْلُ الْاِنْسَانُ يَوْمَىِٕذٍ اَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلَّا لَا وَزَرَ . اِلٰى رَبِّكَ يَوْمَىِٕذِ الْمُسْتَــقَرُّ. يُنَبَّؤُا الْاِنْسَانُ يَوْمَىِٕذٍ بِمَا قَدَّمَ وَاَخَّرَ . بَلِ الْاِنْسَانُ عَلٰي نَفْسِه بَصِيْرَةٌ. وَّلَوْ اَلْقٰى مَعَاذِيْرَه (القيامة: 1-15)
وجاء الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره بتوضيح لهذا الاستدلال القرآني فقال:
"يكون هناك سُؤال أنه إذا كان الإنسان يحوز برقيب مشرف في ضميره هو، ينبهه على ما يصدر منه من أخطاء وذنوب. فكيف يُعقل أنه جمل غير مختوم حر طليق يعيش حياته كيف يشاء؟ ويخالف رقيبه كيفما شاء. فليس هناك من يسأله عن أعماله؟ فإذا كان الإنسان جملًا غير مختوم فمن أين جاءت هذه النفس اللوامة؟ فإذا كان الرب تعالى لا يتعلق لا بالخير ولا بالشر الصادرين من الإنسان فلماذا أدخل في داخل الإنسان لائمة تبعثه على إشادة الحسنة وتنديد الشر؟ ومن هنا يكون سؤال آخر أنه إذا كان الله قد أقام محكمة صغرى في داخل كل إنسان فلماذا لا يقيم محكمة كبرى لكل العالم تحتسب كل أعمال الخير والشر التي تتم في العالم وتجزي كل شخص حسب أعماله وتعاقبه؟ فمن يتفكر في هذا السؤال حرًّا طليقًا يجيب أن الإنسان بلا شك ولو كصاحب شعور لما هو الخير وما هو الشر. إنه ليس حراً طليقاً بل سوف يأتي يوم يحاسب فيه الإنسان، فيجزى خيرًا على خيراته وشرًّا على مساوئه. ولتذكر ذاك اليوم قد أودع الخالق الباري تعالى نموذجًا صغيرًا لذاك اليوم في نفس الإنسان نفسه. لكي لا يكون غافلًا عنه ويطلع على نفسه ويراه إذا صدرت منه غفلة. وهذه الحقيقة قد عبر بها العرفاء والحكماء. بأن هناك عالمًا صغير في نفس الإنسان ينعكس فيه ذلك العالم الكبير، فإذا عرض الإنسان نفسه حق معرفته عرف ربه وعرف الآخرة فمن عرف نفسه فقد عرف ربه" (تدبر قرآن 9/80).
والشيء الثاني هو فطرة الإنسان أنه يحب العدل ويتنفر من الظلم. ولا شك أنه مع ذلك يظلم ولكن ليس سببه أنه قد تقاصر عن التمييز بين العدل والظلم، أو أخذ يحب الظلم. كلا، لا بل إنه غلبه النفس فيفقد اتزانه. وكل منا يعلم أن الإنسان الذي ينقب في بيت الغير وينهب ويسلب ولكنه لا يحب لنفسه أن يُنتهب هو أيضًا ويُسلب، ويقتل الآخر ولا يحب أبدًا أن يقتله أحد ولا واحدًا من أقربائه ويخسر الميزان للآخرين ولا يرتضى بأن يطفف له أيضًا. سلِ السارقين القاتلين والمطففين يعترف كل منهم أن كل ذلك من هذه الأعمال ظلم وتعسف ولازم أن يقضى عليه. فإن الإنسان في حالة الوعي والشعور لن يستعد أبدًا أن يساوي بين الصالح والطالح وأن يعامل معهما معاملة واحدة. فالقرآن يقدم هذه الحقائق ويسأل منكري البعث والنشور: اَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِيْنَ كَالْمُجْرِمِيْنَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُوْنَ (القلم: 35-36).
والثالث هو نقص الإنسان والكون كله. تراها من أي ناحية يتضح لك أنه كل جزء من الكون يدل في جانب على عظيم قدرة الخالق الباري وكبير حكمته. ففي كل شيء هناك معنى لا نهاية له ونظم وترتيب لا مثيل لهما، ورياضة لا نظير لها، واهتمام كبير خطير والإبداع البارع الذي يحيّر العلم والعقل. وفي جانب آخر تحاول فهمها من حيث المجموع يتراءى لك نقص يبعث على القنوط واليأس لدرجة نهائية واللامقصدية المبكية. فالإنسان يرى أن كل شيء ينادى له من وجوه أنه خلق للإنسان ولكنه هو خلق لمَن؟ لا يخبره أحد.
ثم إنه ليس هناك إدارة تفحص عمن قام من أبناء نوع الإنسان بإتمام مقصد خلقه إذا كان هناك مقصد، وعمن لم يقم به وغفل عنه.
والإنسان مجبول على الشعور بالمسؤولية مع كل نعمة، ولكنه فعلًا تُرك حرًّا طليقًا غير مسؤول. فإنه يدع الدنيا بطمأنينة بدون حساب على ما أنعم الله عليه من آلاء ونعم، وحظي بها في حياته ولا يسأله أحد. وإقامة الناس على الحق والصدق حاجة ماسة للإنسانية ولكن الإنسان لا يجد باعثًا حقيقيًّا لذلك في نفسه وفيما حوله من الدنيا. وماذا يريد ضميره تكذبه الأحوال الواقعية للدنيا. فإنه يحس إحساسًا فطريًّا طبيعيًّا أن يكون هناك تمييز بين الخير والشر، وفارق بين الظلم والعدل. ولكن هذا الإحساس يقمعه الكل في دنياه هو. فالكثير من الناس قد ودعوا الدنيا ولم يجدوا ثوابًا على إحسانهم. وكم من معاند متكبر تركوا الدنيا ولم ينالوا عقابًا على تمردهم وفسادهم، وعلى عكس من المخلوقات الأخرى أن الإنسان عنده شعور بالمستقبل وليس أحد من النبات والجماد والحيوان من يتمتع بهذا الشعور ولكن هذا المستقبل يبعد عنه دائمًا.
وهناك إرادات واشتهاءات كامنة في داخل وجوده عميقة فيه قلما يفي بها حتى إن أمنية الإنسان الشديدة لرؤيته ظهور ألوهية الرب تعالى الذي يؤمن به بأم عينيه لم تتم بها أبدًا.
ومهما يصل وجوده إلى مدى بعيد يكون أدنى من حيث يصل فكره. إنه يريد أن ينزل إلى أعماق وجوده وأن يسبح في آفاق السماء وأطراف الأرض. وللوفاء بهذه الأمنية قد حاول حثيثًا أن يحتضن الشمس وأن يخترق قلب الذرات، ولكن جهده هذا قد كشف له أنه لا يستطيع الوفاء بكل أمنية وإتمام كل إرادة. وما زال الإنسان في بحث عن دنيا يعيش فيها حرًّا طليقًا من آفات وأزمات ومصائب هذه الدنيا ومحدوديتها حياة مرضية راغدة فرحة. وما زال يطلب هذا الطلب منذ أزمان عتيقة وقرون سالفة ولكنه لا يجد أبدًا هذه الطلبة بل يأتيه الموت، ويقضي على كل تمنياته الممتعة الخلابة.
وكل لفظ يتلفظ به الإنسان وكل عمل صادر من أعضائه وجوارحه ينقش كل ذلك على شاشة الكون بحيث يمكن إعادته بصحة كاملة في أي وقت. فماذا يفكر وماذا يخطر في قلبه من خيال حسن أو سيئ يثبت في صفحة الكون، بحيث لا ينمحي أبدًا ولا يؤثر عليه شيء من سرعة الوقت وتغير الحالات. ولكن لماذا كل هذا الاهتمام؟ لا يوضحه شيء في الدنيا.
الشخصية الإنسانية لها وجود مستقل في ذاتها منفصل عن جسمه. فإن الخلايا التي تكون منها جسمه والتي لا تحصى ولا تزال تنكسر باستمرار، والجسم يتجدد بعد البِلى ولكن تبقى شخصيته الأصلية دائمًا. وكل شيء من علمه وحفظه وتمنياته وعاداته وخيالاته تبقى على حالتها الأولى ولا تتغير، فمن أين تجيء هذه الشخصية وأين تذهب؟ لا إجابة على هذا السؤال.
والأرض التي يسكنها الإنسان تسبح في السماء ملايين من الأراضي الكبرى بملايين المرات منها ولكن ليس فيها علائم للحياة فلماذا أقام وجودها لا يعلم ذلك الإنسان.
فهذه حقائق لا تجحد فبقي الآن صورتان فقط. إما أن تقرر أن هذا العالم هو العبث الذي يعبث به لاعب، وهو مسرح نيرو وأسطورة راما فقط. وإما أن تفهم الكون كجزء حقير من ملكوت الله الآبدة واليوم الأخير الذي نادى به الأنبياء عليهم السلام. وما هو قضاء العلم والعقل؟ يعلمه كل شخص. وقال تعالى: اَفَحَسِبْتُمْ اَنَّمَا خَلَقْنٰكُمْ عَبَثًا وَّاَنَّكُمْ اِلَيْنَا لَا تُرْجَعُوْنَ . فَتَعٰلَى اللّٰهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا اِلٰهَ اِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْمِ (المؤمنون: 115-116) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لٰعِبِيْنَ لَـوْ اَرَدْنَا اَنْ نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنٰهُ مِنْ لَّدُنَّا اِنْ كُنَّا فٰعِلِيْنَ .( الأنبياء: 16-17)
ويقول الأستاذ الإمام:
وهذا دليل على أنه إن كان هذه الدنيا لا يعقبها يوم للجزاء والعقاب وهي لا تزال تسير منذ الأزل هكذا وسوف تدوم على هذا الوضع. لأن خالقها لا يعنيه خيرها وشرها، ولا يهمه إن صلح الناس أم فسدوا عدلوا أو ظلموا. فمعنى ذلك أنه خلقهما لاعبًا وعابثًا. فحتى ما يشاء يلعب بها وإذا اكتأب منها طوى بساطها. وسوف يوجد له لعبة أخرى لقضاء وقته وفرحة قلبه. ولكنه نفى ذلك وقال إننا لم نخلق ما بين السماء والأرض لاعبين. إن مصنع الكون هذا يدل بوجوده على أنه خلق من العادل الحكيم والرحمن الرحيم، وليس لعبة لاعب ولا معتركًا للآلهة ولا ملعب إله بل هذا المصنع هو مفعم ومليء بالحكمة، ويشهد كل شيء له على أن خالقه خلقه مع مقصد عظيم وغاية عليا، وأن من مقتضيات عدله وحكمته البديهة أن يأتي يوم يظهر فيه مقصديته للكل" (تدبر قرآن5/132)
وهذا هو قضاء العلم والعقل. فإذا ما انكشف له أن هناك آخرة أيضًا مع هذه الدنيا علم أن كل الخلاء قد ملأ الآن. ونال الإجابة المسكة على كل سؤال، وحصل له توجيه لكل الشواهد المعلومة. ووضع كل شيء في موضعه. والدنيا التي كانت تظهر من قبلُ في صورة عدم الإيمان بالآخرة ناقصة، ظهرت الآن كاملة. وانكشف عليه الآن كل روعة للكون وكل جمال له. فإن الإنسان الآن سيعيش في هذا العالم وهو مؤمن أن طلبته التي لم تحصل له قبل الموت سوف ينالها باللزوم بعد الموت. وكما أن هناك يقينًا وسكونًا في بقية الكون كله سيحصل ذلك له أيضًا يومًا ما. حيث يكون جنة أبدية خالدة ملآنة باللذات والنعم والنفاسة والمعنوية في جانب. وتكون هناك جهنم أيضًا يُعاقب فيها الظالمون على ظلمهم وفسادهم في جانب آخر.
وهكذا تقوم علاقة بين الدنيا والآخرة. مثل علاقة الزوجين أحدهما مع الآخر. فإن كانت العلل قد زوجت مع معلولاتها والقوى مع آلاتها والطبائع مع إرادتها والأجسام مع أرواحها وتقوم بإظهار معنويتها لذلك، فإن الآخرة أيضًا بمثابة زوج للدنيا. ولذا حصل لكل واحد منهما معنى بليغ فقال: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلهم تذكرون (الذاريات: 49).
وهناك كل إنسان ذي إحساس يقشعر من تصورات الجزاء والعقاب وكأنه يشهد القيامة ماثلة أمامه. ويشعر أن الساعة تصير مثقلة مثل الحامل التي لا تعلم في أي وقت وضعه. قال تعالى: يَسْــــَٔـلُوْنَكَ عَنِ السَّاعَةِ اَيَّانَ مُرْسٰىهَا قُلْ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّيْ لَا يُجَلِّيْهَا لِوَقْتِهَااِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ لَا تَاْتِيْكُمْ اِلَّا بَغْتَةً ( الأعراف: 187)
إنه يقول ربنا لم تخلق هذه الدنيا عبثًا. ربنا ما خلقت هذا باطلًا. فإنه ليس من شأنك أن تجعل شيئًا عابثًا. فأنا أعرف أن الدنيا ليست إلا لعبة لاعب. فأعوذ بك من عاقبة هؤلاء: اِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَاٰيٰتٍ لِّاُولِي الْاَلْبَابِ. الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللّٰهَ قِيٰمًا وَّقُعُوْدًا وَّعَلٰي جُنُوْبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلًا سُبْحٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 190-191).
الرابع الصفات الإلهية التي آثارها وعلائمها بارزة في كل ذرة للكون. ومن أهمها صفتا الرحمة والربوبية. فإن الرب تعالى قد اهتم اهتمامًا كبيرًا لربوبية الإنسان فكيف يتصور عاقل أن خالقه يتركه غير مسؤول في ذلك، وكيف يتوقع من الرب الرحمن الرحيم أنه لا يعاقب الذين غيروا هذه الدنيا من دار أمن إلى دار ظلم وعدوان، وتعسف واضطهاد؟ ولذا يلح القرآن مرارًا وتكرارًا أن القيامة هي عين مقتضى صفاته من الرحمة والربوبية والقدرة والحكمة. فمن آمن بالله لا يسعه إنكارها. قال تعالى في سورة الأنعام: كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم الي يوم القيامة (12) وجاء في سورة النبأ: اَ لَمْ نَجْعَلِ الْاَرْضَ مِهٰدًا. وَّالْجِبَالَ اَوْتَادًا. وَّخَلَقْنٰكُمْ اَزْوَاجًا. وَّجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا. وَّجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا. وَّجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا. وَّبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. وَّجَعَلْنَا سِرَاجًا وَّهَّاجًا. وَّاَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْــصِرٰتِ مَاءً ثَجَّاجًا. لِّنُخْرِجَ بِه حَبًّا وَّنَبَاتًا. وَّجَنّٰتٍ اَلْفَافًا. اِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيْقَاتًا. (النبأ:6_17)
وقال في ق: اَفَلَمْ يَنْظُرُوْا اِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنٰهَا وَزَيَّنّٰهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوْجٍ. وَالْاَرْضَ مَدَدْنٰهَا وَاَلْقَيْنَا فِيْهَا رَوَاسِيَ وَاَنْبَتْنَا فِيْهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ . تَبْصِرَةً وَّذِكْرٰى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيْبٍ . وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبٰرَكًا فَاَنْبَتْنَا بِه جَنّٰتٍ وَّحَبَّ الْحَصِيْدِ. وَالنَّخْلَ بٰسِقٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيْدٌ. رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَاَحْيَيْنَا بِه بَلْدَةً مَّيْتًا كَذٰلِكَ الْخُرُوْجُ (6-11).
يقول الأستاذ الإمام: في هذه الآية إن الله تعالى قد نبّه مكذبي القيامة على علامات بديهية لقدرة الله وربوبيته وحكمته تراها في العلو والسفل، وفي كل مكان وتكفي أن يتذكر بها كل شخص ويبصر من كان بحيازته قلب سليم منتبه. فأشار قبل كل شيء إلى عظيم قدرته وبالغ حكمته: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ورفعناها وزيناها ومن إعجاز قدرتنا أنه لا يرون في السماء المسقف اللانهائي فرجة. فإذا كان كذلك فوقهم فكيف يكون صعبًا ومشكلًا لقدير مطلق أن يولدهم من جديد؟
ثم وجههم إلى اهتمام ربوبيته مع القدرة والحكمة فقال: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي للإبقاء على التوازن وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج يتغذون ويبتهجون منه أيضًا وذلك يعني أن الخالق الذي هذا شأنه كيف يصعب عليه أن يحييهم بعد مماتهم من جديد؟ والرب تعالى الذي قد قام لهم بتوفير كل أسباب العيش الرغيد وباهتمام كبير هل يتركهم سدى أن يعيشوا في طرب ويأكلوا ويشربوا ولا يسألون أبدًا في هذا الباب". (تدبر القرآن :7/ 538)
والخامس هو ظهور دينونة الله في الدنيا. والذي كان عن طريق الرسل من الأنبياء. فقد أعطوا معجزات قاهرة باهرة وأيدهم بروح القدس ثم أقام قيامة صغرى في هذه الدنيا قبل قيام القيامة الكبرى. وكان القصد به أن يكون هناك إثبات وتوثيق للآخرة على معيار تثبت به التجارب العلمية في المعمل العلمي (laboratory) حتى لا يكون بعده كما هو ظاهر عذر لهم يأتون به عند الله تعالى. وقد كان ذلك من خلال دعوة الرسل لقومهم الذين أعلنوا أنهم قد جاؤوا كمحكمة إلهية لقومهم وأنهم سيلقون ما دعوا إليه وأخبروا به من قضية الجزاء والعقاب بناءً على الإيمان والعمل. وأنه كما أن القوانين الطبيعية محتومة وتعطي نتائجها على كل حال، سوف يكون القانون الإلهي الأخلاقي أيضًا مثل ذلك منتجًا بعد إتمام الحجة عليهم، فمن يقبل دعوتهم من قومهم نجوا في الدنيا والآخرة ونُصروا على منكريهم ومعانديهم ومن لم يقبلوها ذلوا وأتى عليهم عذاب الله.
وهذا التنبؤ قد جاء في قوم وفي وقت لم يكن هناك شيء غير محتمل وغير مصدق أكثر منه، ولكن التاريخ يشهد أنه قد تم في كل مرة وتم بطريقة أن الناس رأوا الله يفصل ويحسم القضية وغمر جلاله تعالى السماء والأرض وقد بيّن القرآن هذه الحقيقة في الآية: لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل (النساء: 165) ثم جاء بقاعدة كلية:
ولكل أمة رسل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهو لا يظلمون. (يونس: 47)
ويخبرنا القرآن أن ذلك وقع لأول مرة مع قوم نوح. فقد قال لهم نوح عليه السلام أنه سوف يأتي عليهم عذاب يبيدهم من صفحة الأرض، إذا لم يتوبوا من الإشراك بالله ولم يعبدوا الله خالصًا له الدين. فأجابه ملأ القوم بمثل هذا الهراء :إنا لنراك في ضلال وسفه مبين أنك قد حقرت آباءنا وآلهتنا وجئنا الآن بتهديد العذاب وما اتبعوك إلا الأرزلون الحمقاء. فقال لهم نوح إنه من سوء حظكم أن ترونني في ضلال مبين، إن أنا إلا نذير مبين وما أبلغكم إلا رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين، فلم يبعثني على أن أبلغكم رسالة ربي مع كل التمادي وكل العناد والسخط وكل التفجيع الذي ألقي منكم إلا أني أخشى وأحزن عليكم أن تأخذكم الله أخذ عزيز مقتدر. وأخبر القرآن أن نوحًا عليه السلام قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يلح عليهم هذا الإلحاح والنصح والخير لهم ولكن قومه مع هذا الجهد الطويل من قِبَله كذبوه ولم يرضوا بإصلاح أحوالهم فأمر الله نوحًا بصناعة سفينة كأنه كان إنذارًا أخيراً أنه باكتمال السفينة سوف يجيء أمر الله وعذابه ،فلما اكتملت السفينة وركبها من آمن من قومه فجاءهم طوفان عظيم، وفار التنور وقيل للأرض أن أخرجي كل مائك وأمر السماء أن أمطري كل مائك ،ثم استوى الماء على علامة مقررة، وغرق القوم كله وقيل بعدًا للقوم الظالمين حتى إن ابن نوح عليه السلام أيضًا كان من المغرقين لعناده وتمرده.
وكان ذلك منظرًا يبعث على العبرة. كانت العواصف تتمرد وكانت الأمطار تمطر مطرًا غزيرًا وكانت الأمواج تكون كالجبال، وسفينة نوح عليه السلام كانت تسير وتصادم هجماتها إذ نظر نوح إلى ابنه وهو قائم حيران متفكرًا. وبرؤية الابن استيقظت في نوح العطوفة الأبوية فناداه يابني هلم وتعال اركب معنا، ولكنه لم يزعزعه هذا المنظر المرهب المدهش فقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء فقال له نوح ليس هذا ماء محضًا إنما هو قهر إلهي لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. وكانت المحادثة بين الأب والابن جارية إذ جاء موج وابتلعه، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين. وكافة منكري قومه قد غرقوا في الطوفان حسبما كان قضاء إلهيًّا صارمًا حياديًّا ونجا منه فقط من آمن بنوح عليه السلام.(1)
للاستزادة، انظر في القرآن الكريم الآيات التالية: الأعراف: 59-64، يونس 71-73، هود:25-49، المؤمنون 30-33، الشعراء105-122، العنكبوت 14-15، الصافات 75-82، القمر 9-16
وهذه كانت قيامة صغرى أولى قامت لبرهنة تصور الآخرة إلى درجة إتمام الحجة. ثم كانت هذه المعاملة مع كل قوم جاحد في الدنيا من مثل عاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس وما إليها من أمم سابقة، فماذا حدث مع هذه الأقوام والذي ذكره القرآن هو مثال على ما قلنا من قبل كما قال تعالى: اَلَمْ يَاْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوْحٍ وَّعَادٍ وَّثَمُوْدَ وَالَّذِيْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ اِلَّا اللّٰهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَرَدُّوْا اَيْدِيَهُمْ فِيْ اَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوْا اِنَّا كَفَرْنَا بِمَا اُرْسِلْتُمْ بِه وَاِنَّا لَفِيْ شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُوْنَنَا اِلَيْهِ مُرِيْبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ اَفِي اللّٰهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ يَدْعُوْكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوْبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ اِلٰى اَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوْا اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيْدُوْنَ اَنْ تَصُدُّوْنَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ اٰبَاؤُنَا فَاْتُوْنَا بِسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ اِنْ نَّحْنُ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلٰكِنَّ اللّٰهَ يَمُنُّ عَلٰي مَنْ يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِه وَمَا كَانَ لَنَا اَنْ نَّاْتِيَكُمْ بِسُلْطٰنٍ اِلَّا بِاِذْنِ اللّٰهِ وَعَلَي اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُوْنَ . وَمَا لَنَا اَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَي اللّٰهِ وَقَدْ هَدٰىنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلٰي مَا اٰذَيْتُمُوْنَا وَعَلَي اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُوْنَ. وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ اَرْضِنَا اَوْ لَتَعُوْدُنَّ فِيْ مِلَّتِنَا فَاَوْحٰى اِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّٰلِمِيْنَ .وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْاَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِيْ وَخَافَ وَعِيْدِ.(إبراهيم :9-14)
وكانت قصة موسى عليه السلام أيضًا حكاية لهذه الدينونة. فإنه لما عرض دعوته على فرعون وملئه وأكابر قومه وأنكروه وأعرضوا عن دعوته، طلب منهم أن يتركوا بني إسرائيل يهاجرون من هذه الأرض معه، فجحد فرعون أن يستجيب لطلبه هذا كما قد كفر بدعوته، فأنزل الله عليهم آياته من الجراد والقمل والضفادع والدم تنبيهًا لهم مرة تلو المرة. فاستعد فرعون أن يؤذن لهم لعدة أيام فقط، فخرج موسى مع قومه، وبعد خروجه تغيرت نية فرعون فتعاقب موسى مع جنوده المجندة. وكان يخال أن يرجع بني إسرائيل إجبارًا ولكن الآن قد حان وقت القضاء المبرم من القاهر الجبار، فكان الله تعالى قد احتضن بني إسرئيل وعبر بهم اليَم وأغرق فرعون وجنوده في ذلك أليم.([7])
وقد ظهرت الآية الكبرى الثانية داخل الآية الكبرى لغرق فرعون أن لم يقبل البحر جثته، وألقى به إلى الساحل لكي يصير انتباهًا حيًّا لفراعين كل عصر ومصر بلسان حالها. وقال تعالى: وَجٰوَزْنَا بِبَنِيْ اِسْرَاءِيْلَ الْبَحْرَ فَاَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُوْدُه بَغْيًا وَّعَدْوًا اِذَا اَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ اٰمَنْتُ اَنَّه لَااِلٰهَ اِلَّا الَّذِيْ اٰمَنَتْ بِه بَنُوْاِسْرَاءِيْلَ وَاَنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ. اٰلْئٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِيْنَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُوْنَ لِمَنْ خَلْفَكَ اٰيَةً وَاِنَّ كَثِيْرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ اٰيٰتِنَا لَغٰفِلُوْنَ . (يونس: 90-91)
وبعد بعثة إبراهيم عليه السلام قد زاد على ذلك أنه قد صير الله سبحانه ذرية إبراهيم معه مثلًا إلى يوم القيامة لتلك الدينونة التي مر ذكرها. فتم الإعلان أن ذرية إبراهيم تغلب على أمم العالم إن قامت على الحق وتقوم بتبليغ رسالات الله إلى أقوام العالم بدون أي تبديل ولا تحريف، وإن انحرفت سلط عليها الذل والمحكومية على أيدي تلك الأقوام.
والتين والزيتون وطور سنين والبلد الأمين مكة كلها مقامات ظهور لتلك الدينونة. فالزيتون هو الجبل الذي عليه قضي بالعذاب على منكري وجاحدي المسيح عليه السلام بعد أن رفعه الله كما جاء: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة (آل عمران:52) وقال: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب(الأعراف:167) والتين هو قرية على جبل الزيتون وتفيدنا كتاب لوقًا أن المسيح عليه السلام حينما جاء إلى يروشلم فقبل دخوله البلد قد أقام بهذا المكان (19-29 ).
وجبل طور يعلمه الكل أن نهضة بني إسرئيل كأمة مختارة كانت بدأت من هذا الجبل، وأما أم القرى مكة فقد بدأ منه فرع آخر لذرية إبراهيم وهو بنو إسماعيل نهضته ،فقد أُعطوا تولية أول بيت وضع للناس لعبادة الله وحده وهو الكعبة المشرفة بيت الله الحرام. فقد قدم القرآن هذه المقامات كشاهد على ما لقيت ذرية إبراهيم من جزاء أو عقاب، وأثار سؤالًا أن ما هو الذي يبعث على إنكار جزاء الله وعقابه يوم القيامة بعد هذه المشاهد فقال: وَالتِّيْنِ وَالزَّيْتُوْنِ. وَطُوْرِ سِيْنِيْنَ. وَهٰذَا الْبَلَدِ الْاَمِيْنِ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ فِيْ اَحْسَنِ تَقْوِيْمٍ. ثُمَّ رَدَدْنٰهُ اَسْفَلَ سٰفِلِيْنَ . اِلَّا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ فَلَهُمْ اَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُوْنٍ. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّيْنِ. اَلَيْسَ اللّٰهُ بِاَحْكَمِ الْحٰكِمِيْنَ. (التين:1-8)
ثم قامت هذه الدينونة لآخر مرة في القرن السابع الميلادي. وهذا الحدث الضخم للتاريخ الإنساني له خصيصة كبيرة، لأنه قد وقع في ضوء التاريخ الكامل. فالتاريخ قد احتفظ بكل جزئياته وفروعه ومراحله، كأنها في مرأى منا ومسمع يراها كل شخص إذا شاء بتصفح التاريخ وبقلب أوراقه.
وتم لهذا انتخاب نبي ورسول اسمه محمد صلى الله عليه وسلم أفضل البشر كلهم سيرةً وخيرهم لدرجة نهائية لم ير مثله السماء. تشرف بمنصب الرسالة وعمره الشريف أربعون سنة. فكانت حياته طيبة قبل المبعث وممتازة أخلاقيًّا لدرجة أن لقبه قومه بصادق وأمين. وكل شخص كان مستعدًّا يشهد له أن أمانته فوق كل شبهة وأنه لن يكذب أبدًا وقومه شهد له بذلك على كل فرصة متاحة بعد مبعثه أيضًا، وقد كانوا له عدوًّا لدودًا في ذلك الزمان.
فلما مر لأول مرة بتجربة الوحي الإلهي قد أعرب عن قلقه واضطرابه إلى زوجته السيدة خديجة فقالت له مسليةً: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا لأنك تصل الرحم وتصدق القول وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتنصر المظلوم. (رواه البخاري رقم الحديث: 4953 ومسلم رقم 403) ولم ينتقم لذاته حتى أنه قال لأعدائه الألداء بعد الانتصار عليهم، اذهبوا وأنتم الطلقاء لا تثريب عليكم اليوم (السيرة النبوية لابن هشام: 4/43) وكانت حياته مثالًا فذًّا للإخلاص فقد عرضت عليه القريش كل شيء من المال والثروة والجاه والملك فلم ير إلى أي شيء من ذلك بل قال ما مفهومه لو وضع هؤلاء الشمس في يدي والقمر في اليد الأخرى لما تأخرت عن موقفي هذا"( السيرة النبوية لابن إسحاق: 117، السيرة النبوية لابن كثير: 1/474).
وخلاصة القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إنسانًا لم ير مثله قط في كل دور من مراحل حياته وفي كل معاملة. فقد قامت في المدينة دولته ولكنه بقي على وضعه السابق الساذج، ولم يقع أي تغيير في أساليب حياته وطراز معيشته ومع التغيير الكبير في حالاته. فلا يستطيع أحد أن يقدم اسمًا عرض على الدنيا مكارم الأخلاق التي ظهرت في حياته هو ظهورًا كاملًا لدرجة أن كاتبًا كبيرًا للعهد الحاضر وصفه: "وقد كانت إنسانيته عالية لدرجة أنه إذا لم يلد لكتب التاريخ أن إنسانًا هذه إنسانيته لم يلد ولن يولد أبدًا" ( انظر: الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان:143)
ففي مثل هذه العظمة الشخصية والسيرة المثلى قد عرض دعوته على قومه لكنهم أنكروها وجحدوا بها. فنبههم على أنه نبي ورسول وقد جاءهم بمثابة محكمة إلاهية في حقهم، ولذا القيامة الصغرى التي قامت على قوم نوح وقوم لوط وقوم شعيب وعلى عاد وثمود ستقوم على قومه أيضًا بعد إتمام الحجة عليهم.
وهذا كان إعلامًا ضخمًا. يعني أن العذاب سيأتي على منكريه وأعدائه وأن المؤمنين به سيغلبون بالتأكيد في هذه الأرض. وقد أعلن ذاك حينما لم يؤمن به إلا النفر القليل من أقربائه. وجاءت مراحل خطيرة في جهاده بالدعوى بعد ذلك. واضطر المؤمنون على الهجرة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وبحياتهم، ثم أجبروا على مغادرة مكة بعد للأبد. ولم يطمئن بعد الهجرة إلى المدينة ومن آمن معه أن اجتمع العرب كله ضده، وبذلت كل ما في وسعها من القوة الحربية والمال الكثير وبث الأكاذيب والمؤامرات الداخلية. وبسبب هذه الفعاليات المعاندة كل لمحة تشعر بأن أعداءه المهاجمين من كل الأطراف عساهم يسلبونه. ففي تلك الحالات كان مالًا يُقاس قطعًا أنه سيغلبهم. ولكن القرآن قال في تلك المناسبة الحرجة بكل اعتماد وبكل ثقة إنه رسول الله وأنه ليظهره على رغم تلك المخالفات الكثيرة على الدين كله. وتلمس هذا الإعلان في الآيات التالية: الأنعام: 4-5، 66-67، 157 يونس: 13- 102-103 هود :8 الرعد: 40-41 بني إسرائيل :77 الكهف: 58-59 النمل: 71- 72 الصافات: 171- 173 المؤمن: 51- 77- 78 الزخرف : 41-42 الأحقاف: 35 الفتح: 22-25-28 القمر: 43-45 الليل: 21 الضحى:5 ألم نشرح: 5-6
وقال تعالى أيضًا: يُرِيْدُوْنَ لِيُطْفِــــُٔـوْا نُوْرَ اللّٰهِ بِاَفْوَاهِهِمْ وَاللّٰهُ مُتِمُّ نُوْرِه وَلَوْ كَرِهَ الْكٰفِرُوْنَ . هُوَ الَّذِيْ اَرْسَلَ رَسُوْلَه بِالْهُدٰى وَدِيْنِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَي الدِّيْنِ كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُوْنَ . (الصف: 8-9) وقال تعالى: اِنَّ الَّذِيْنَ يُحَادُّوْنَ اللّٰهَ وَرَسُوْلَه اُولٰىِٕكَ فِي الْاَذَلِّيْنَ . كَتَبَ اللّٰهُ لَاَغْلِبَنَّ اَنَا وَرُسُلِيْ اِنَّ اللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيْزٌ .(المجادلة: 20-21)
وكان بيت الله الكعبة علامة لسيادة أهل مكة الذين قد بعث فيهم فكانوا متولين له. ولأجل ذلك كان لهم تأثير راسخ كبير في أم القرى مكة وما جاورها من البلدان والقرى، فكان لا يتصور أحد بناء على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم سوف يعزلهم من تولية الكعبة يومًا ما وتهلك قيادات قريش كلهم ولكن حينما كانوا يتعرضون له لإخراجه من مكة فقد أعلن القرآن: اِنَّا اَعْطَيْنٰكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْاَبْتَرُ. (الكوثر:1-3)
ثم فصل هذا الإجمال وسمى عدوه اللدود أبا لهب وهدده بأسلوب مرعب فقال: تَبَّتْ يَدَا اَبِيْ لَهَبٍ وَّتَبَّ. مَا اَغْنٰى عَنْهُ مَالُه وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلٰى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَّامْرَاَتُه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِيْ جِيْدِهَا حَبْلٌ مِّنْ مَّسَدٍ (اللهب: 1-5)
ثم ماذا سيكون؟ فقد صرح القرآن عن كل مراحل من هذا السفر الدعوي الناجح أن سيأتيه نصر الله وتفتح مكة وسترى من عينيك أن الناس يدخلون في دين الله أفواجًا: اِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّٰهِ وَالْفَتْحُ . وَرَاَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُوْنَ فِيْ دِيْنِ اللّٰهِ اَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ اِنَّه كَانَ تَوَّابًا . (النصر: 1-3)
وفي مناسبة أخرى قد جاء بصراحة أكثر وأوضح فقال: وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِي ارْتَضٰى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ اَمْنًا يَعْبُدُوْنَنِيْ لَا يُشْرِكُوْنَ بِيْ شَـيْــــًٔـا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَاُولٰىِٕكَ هُمُ الْفٰسِقُوْنَ. (النور: 55)
لم تكن هذه كلمات لأي إنسان أن تذوب في الهواء بحسرات أبدية. وإنما كانت هذه كلمات الله التي صدرت بلسان نبيه، فأصبحت في وقت قصير تاريخًا، تاريخاً لا يمكن تقديم مثال له من تاريخ العالم. لذلك جاء عون الله ونصرته، وأقيم حكم النبي صلى الله عليه وسلم وسلطته في المدينة المنورة، ووقعت معركة بدر وقتل فيها جميع المعاندين لدعوته بقيادة قريش. (السيرة النبوية لابن هشام 2/197 ) وحاول أبو لهب الهروب من هذه العقوبة ولم ينضم إلى الحرب ولكن بعد سبعة أيام فقط من هزيمة بدر تحققت نبوءة القرآن وأصيب رئيس بني هاشم هذا بمرض العدسة، بحيث لم يأت إليه أحد لمدة ثلاثة أيام بعد وفاته، حتى تعفن جسده وبدأت الرائحة الكريهة تنتشر. وأخيرًا تم وضع جسده مع الحائط وكان جسده مغطىً بالحجارة. (السيرة النبوية لابن كثير 2/479) ثم فتحت مكة، وتم نقل تولية بيت الله إلى المسلمين، وتم تطهير بيت الله هذا من الأصنام، وأصبحت الصلاة والتضحية خاصة لله، وأصبحت الجزيرة العربية كلها مسلمة. ورأى الجميع بأعينهم أنه وفقًا لتعبير القرآن، أخذ الناس يدخلون في دين اللله أفواجًا. لذلك اكتسب الدين القوة، ودخل قانون الله وشرعه في حيز التنفيذ، ولم يبق أي دين آخر في أرض الجزيرة العربية في مركز السلطة. وتم الإعلان عن أولئك الذين أصروا على الإنكار والكفر بمناسبة الحج الأكبر في عام 9 ه أنهم بعد مضي الأشهر الحرم سيكونون عرَضة لعذاب الله وسيتم عليهم حكم القرآن: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" (التوبة5) وأن يأخذوالجزية من أهل الكتاب عن يد وهم صاغرون. "(التوبة5)
حتى أن متبعي رسالته وخلفاءه قد قاموا بعد أن غادر النبي صلى الله عليه وسلم العالم بإطاحة عروش جميع الممالك التي كان قد كتب إلى حكامها رسالة قبل وفاته، يدعوهم فيها إلى الإسلام، في غضون سنوات قليلة. والذين كان قد أخبرهم بوضوح أنهم إذا أرادوا السلام، فعليهم قبول دعوته لا محالة، لأنهم يجب أن يظلوا محكومين صاغرين بعد إتمام الحجة من رسول الله، وأن لم تعد إمبراطوريتهم قادرة على البقاء. كان من بينها إمبراطوريتين الرومة وإيران العظيمتين، والتي كان قد تنبأ القرآن في وقت صراعهما أنه على الرغم من أن الفرس قد طغوا في هذا الوقت وغلبوا على الروم، إلا أن الروم سيسيطرون قريبًا على الإيرانيين، وكانت هذه النبوءة المستغربة للقرآن قد تمت وصدقت صدقًا تامًّا مثل جميع تنبؤاته الأخرى له أيضًا.(الروم:1-6)
