الباب الأول الإيمانيات
الإيمان مصطلح قديم ومادة "آمن" متواجدة في اللغة العبرانية أيضًا ويستعمل في معنى الصدق والاعتماد، واشتق منه كلمة "آمين" التي تصدق بها كلامًا. فجاء هذ التعبير لإعطاء هذا المفهوم في القرآن. ومن هنا إذا تسلم بشيء بإيقان قلبي كامل يقال له الإيمان. وأصله الإيمان بالله فإذا أسلم العبد لله بأن يسلم له عقله وقلبه حتى آخر درجة من التسليم والرضا فهو مؤمن بالمصطلح القرآني. فقد قال الإمام حميد الدين الفراهي في تفسيره:
"إن اليقين المقرون بكافة لوازم وشرائط الخشية والتوكل والاعتقاد هو الإيمان. والذي يؤمن بالله وبآياته وأحكامه ويسلم كله له ويرتضى بما يقضي له فهو مؤمن. (ىظام القرآن:393)
فهذه هذه حقيقة الإيمان التي على بنائها يقتضى القرآن أن يصدق عليه قول الإنسان وفعله مع تصدبق القلب لها. ومن هنا يقرر كل حسنة خاصةً للإيمان وصفة لازمةً للمؤمنين تشير إلى ذلك الروايات التي تقول مثلًا: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. (رواه البخاري رقم: 1 ومسلم رقم 162) وأن الإيمان بضع وسبعون فرعاً ومنها الحياء: (رواه البخاري رقم 9 ومسلم رقم 153) وأن من آمن بالله واليوم الآخر فليصل جاره وليكرم ضيفه وليقل خيراً أو ليصمت. رواه البخاري رقم 6019 ومسلم رقم 176) وواضح من ذلك أن القرآن يذكر العمل الصالح بعد الإيمان كتفسير له كما هو نوعية عطف الخاص على العام عموماً. ويقول الإمام الفراهي في ذلك:
"إن محل الإيمان هو العقل والقلب، وفي الأمور العقلية والقلبية ربما وليس يخدع الإنسان غيره فقط بل ينخدع بنفسه أيضًا. فتعتقد نفسه مؤمناً وهو غير مؤمن، ولذا جُعل للإيمان شاهدان القول والعمل. وبما أن القول قد يكون كذباً فلم يعتبر المقر باللسان فقط مؤمناً بل لزم أن يصدق عمل الإنسان قولَه بالإيمان." ( ىظام القرآن: 396)
وقال الله تعالى:
اِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِیْنَ اِذَا ذُکِرَ اللّٰہُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهمْ وَاِذَا تُلِیَتْ عَلَیْهمْ اٰیٰتُه زَادَتْهُمْ اِیْمَانًا وَّعَلٰی رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُوْنَ، الَّذِیْنَ یُقِیْمُوْنَ الصَّلٰوۃَ وَمِمَّا رَزَقْنٰهمْ یُنْفِقُوْنَ. اُولٰٓئکَ هُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ حَقًّا، لَهُمْ دَرَجٰتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَۃٌ وَّرِزْقٌ کَرِیْمٌ. (الأنفال: 2-4) وقال أيضًا:
اِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا بِاللّٰہِ وَرَسُوْلِہٖ ثُمَّ لَمْ یَرْتَابُوْا وَجٰہَدُوْا بِاَمْوَالِهمْ وَاَنْفُسِهمْ فِي سَبِیْلِ اللّٰہِ. اُولٰٓئکَ هُمُ الصّٰدِقُوْنَ.(الحجرات: ۱۵)
ولا شك أن كل شخص يقر بالإسلام بلسانه يُعتبر مؤمنًا في نظر القانون. ولا يزداد إيمانه هذا ولا ينتقص. وأما ما يتعلق بالإيمان الحقيقي فليس شيئًا جامدًا. فالآيات التي نقلناها في المذكور أعلاه من سورة الأنفال تفيد أن الإيمان يزداد من ذكر الله وتلاوة آياته ومن ظهورها في الآفاق والأنفس. قد شبهه القرآن بشجرة أصولها ثابتة في أعماق الأرض وفروعها منتشرة في آفاق السماء فقال:
اَلَمْ تَرَکَیْفَ ضَرَبَ اللّٰہُ مَثَلاً، کَلِمَة طَیِّبَة کَشَجَرَۃٍ طَیِّبَة، اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَّفَرْعُها فِي السَّمَآءِ، تُؤْتِیْٓ اُکُلَهَا کُلَّ حِیْنٍ م بِاِذْنِ رَبِّهَا، وَیَضْرِبُ اللّٰہُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَذَکَّرُوْنَ.(إبراهیم: 24۔25)
وقد فسر الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي هذه الآية الكريمة بما يأتي:
"الظاهر أن الكلمة الواردة في الآيات يراد بها كلمة الإيمان. وقد شبهها الله تعالى بمثل شجرة مثمرة أصلها منعمقة في أعماق الأرض، وفروعها ممتدة في الفضاء امتداداً وهي لا تزال تؤتي ثمارها بإذن الله في كل فصل، وقصد من تعمقها في أعماق الأرض رسوخه واستحكامه في الفطرة الإنسانية فأنه ليست كشجرة نبتت على القمامة ليست لها أصل ثابت تجتثها موجة خفيفة من الأحداث كما جاء في كلمة الكفر" اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار.(إبراهيم:26) بل إنها تحور بأصول عميقة مثل شجرة مظلة وقائمة، إنها لا تزعزعها الزلازل. ثم قال مشيرا ًإلى استثمارها وإفادتها أنها ليست شجرة نكدة قاحلةً لا تظل ولا تثمر، بل يقف في ظلال فروعها الوارفة القوافل وتكتسب من أثمارها الغذاء والراحة في كل موسم وكل فصل. والظاهر أن ذلك يشير إلى الفيوض والبركات التي تترتب على حياة صاحب إيمان من إيمانه هو، وعلى نفوس الأقربين قرابة بواسطة منه. فهذه الفيوض والبركات تكون لازمة من النوعين علمياً وعملياً وتشهد لإيمانه ويحصل له منها رفعة من الله والقبول. (تزكية النفس:325)
وهذا ثابت في نقص الإيمان أيضًا. فإن ذهب الإنسان خلاف المقضيات الإيمانية ولم يزد إيمانه بطريق العلم النافع والعمل الصالح ففي هذه الصورة فإن إيمانه لم ينتقص فقط بل ينتهي برأسه في بعض الحالات كما يفيد بذلك الآية: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان (آل عمران:167) وما شابهها من الآيات وقد صرح القرآن أنه من يتلبس بالذنوب والآثام تحيط بحياته كلها، ومن يستعصي إلى حد أن يتعد حدوده على علم منه أو يقتل مسلماً متعمداً فإنه لا يُعتبر إيمانه ويدخل في جهنم خالداً فيها (البقرة: 71 النساء: 14،93) إلى أن يشاء الله ويعفو عنه وفقاً لحكمته تعالى. ولذا قال في موضع أنه لا يقبل عند الله دعوى للإيمان بعد الانحراف من إطاعة الرسول كما قال تعالى:
فَلاَ وَرَبِّکَ، لاَ یُؤْمِنُوْنَ حَتّٰی یُحَکِّمُوْکَ فِیْمَا شَجَرَ بَیْنَهمْ، ثُمَّ لاَ یَجِدُوْا فِيٓ اَنْفُسِهمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُوْا تَسْلِیْمًا. (النساء: 65)
وقد وردت بعض الأحاديث التي توضح هذه الحقيقة إيضاحاً تاماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن" (رواه البخاري رقم 5578 ومسلم رقم 202) وقال صلى الله عليه وسلم:
"لا يكون أحدكم مؤمنًا حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (رواه البخاري رقم 15 ومسلم رقم 168-169) وقال: " أقسم بالله بيده نفسي لا يكون العبد مؤمنًا حتى أحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري رقم 13 ومسلم رقم 170) وقال أيضًا: "إذا رأى أحدكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم رقم 177-179) فتوضح من ذلك أن الإيمان والعمل متلازمان، فكما أن العمل لازم للإيمان فكذا الإيمان أيضًا ضروري للعمل. فإن القرآن اشترط ذلك منه أو افترى عليه أو أشرك له شريكاً فذلك استكبار والقرآن واضح كل الوضوح أن المستكبرين لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، كما قال تعالى:
"اِنَّ الَّذِیْنَ کَذَّبُوْا بِاٰیٰتِنَا وَاسْتَکْبَرُوْا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهمْ اَبْوَابُ السَّمَآءِ وَلاَ یَدْخُلُوْنَ الْجَنَّة حَتّٰی یَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِیَاطِ، وَکَذٰلِکَ نَجْزِي الْمُجْرِمِیْنَ. لَهُمْ مِّنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَّمِنْ فَوْقِهمْ غَوَاشٍ، وَکَذٰلِکَ نَجْزِي الظّٰلِمِیْنَ.(الأعراف: 40-41)
ولذا قال إن كل عمل محروم من الإيمان ضائع ومثله كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف فلا تبقى ذرة منه أن تقدم يوم القيامة في حضرة الرب تعالى فكل كسبهم ثمة يذهب سدىً ويبقى وباله عليهم. فقال:
مَثَلُ الَّذِیْنَ کَفَرُوْا بِرَبِّهمْ اَعْمَالُهُمْ کَرَمَادِ نِ اشْتَدَّتْ بِه الرِّیْحُ فِي یَوْمٍ عَاصِفٍ، لاَ یَقْدِرُوْنَ مِمَّا کَسَبُوْا عَلٰی شَیْيءٍ. ذٰلِکَ هوَ الضَّلٰلُ الْبَعِیْدُ.( إبراهیم: ۱۸)
وقد مثل الله تعالى في سورة النور مثلَ أعمال الذين كفروا كسراب بقيعة خادعة يحسبه الظمأن ماءً حتى إذا جاءه انكشف سره أن الشيء الدي كان يراه ماءً مائجاً إنما هو سراب لمعان. فقال:
وَالَّذِیْنَ کَفَرُوْٓا اَعْمَالُهمْ کَسَرَابٍ م بِقِیْعَة یَّحْسَبُه الظَّمْاٰنُ مَآءً حَتّی اِذَا جَآءَ ہٗ لَمْ یَجِدْہُ شَیْئا وَّوَجَدَ اللّٰہَ عِنْدَہٗ فَوَفّٰه حِسَابَه، وَاللّٰہُ سَرِیْعُ الْحِسَابِ.( (النور:39)
فهذا هو الإيمان الذي يطلبه القرآن من متبعيه. وهو عبارة عن خمسة أشياء:
- - الإيمان بالله. 2- الإيمان بالملائكة 3- الإيمان بالأنبياء 4- الإيمان بالكتب 5- الإيمان بالآخرة. فقد قال عز وجل:
اٰمَنَ الرَّسُوْلُ بِمَآ اُنْزِلَ اِلَیْه مِنْ رَّبِّه وَالْمُؤْمِنُوْنَ، کُلٌّ اٰمَنَ بِاللّٰہِ وَمَلٰٓئکَتِه وَکُتُبِه وَرُسُلِه، لاَ نُفَرِّقُ بَينَ اَحَدٍ مِّنْ رُّسُلِه، وَقَالُوْا: سَمِعْنَا وَاَطَعْنَا، غُفْرَانَکَ رَبَّنَا، وَاِلَیْکَ الْمَصِیْرُ.(البقرة۲: ۲۸۵)
