الإيمان بالملائكة
: قال تعالى:
اَلْحَمْدُ لِلّٰہِ فَاطِرِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلآءئکَۃِ رُسُلاً اُولِیْٓ اَجْنِحَۃٍ، مَّثْنٰی وَثُلٰثَ وَرُبٰعَ، یَزِیْدُ فِي الْخَلْقِ مَا یَشَآءُ، اِنَّ اللّٰہَ عَلٰی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیْرٌ.(فاطر: ۱)
الذوات التي ينزل الله أحكامه بطريقها للخلق يقال لهم الملائكة في القرآن. وهذا جمع مَلك أصله مِلاك يستعمل في مفهوم الرسول. والآية من سورة الفاطر التي ذكرت هنا يشير إلى أن القرآن اصطلح عليهم هذا الاسم نظراً إلى مفهومه الرسالي. فعُلم من القرآن نفسه أن عالم اللاهوت يرتبط بهذه الواسطة بعالم الناسوت، ويدير الله تعالى كافة أعمال الناسوت بطرائقهم. ويتم ذلك أن يلقي الله إليهم قضاءَه وهم في نوبتهم يقومون بإجراء وتنفيذ ذاك القضاء المبرم في الخلق، كمحكوم محض وآلية تحته لا خيار لها ولا إرادة ذاتية. وإنهم الطاعة كلها يشتغلون كل وقت في حمد الرب تعالى وثنائه، ولا ينحرفون من حكمه أي انحراف. كما قال جل وعلا: وهم لايستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.(النحل:49- 50)
والوجوه التي من أجلها يُطلب من الخلق الإيمان بالملائكة قد أوضحها الأستاد الإمام أمين أحسن في تفسيره كالتالي:
"إن الإيمان بالملائكة جزء لا ينفك بالإيمان بالكتب والإيمان بالرسل. فبغير الإيمان بالملائكة تكون الوساطة بين الله تعالى وبين أنبيائه غير واضحة وغير متعينة. وهي إذا كانت غير واضحة تنتج وليس فقط في فقدان رابط هام جدًّا في سلسلة العلم والهداية، بل في انفتاح طرائق كثيرة للضلال للعقل الإنساني في باب الهدى الرباني السماوي. فإن الدنيا لا زالت تؤمن بوجود الله تعالى، وأنه إذا كان موجودًا فلا بد من إعلام العباد بمرضياته. ولكن بما أنه لا يأتي إليهم مقابلا ًلهم بلا نقاب ولا حجاب. إذن يثور سؤال ما هو الواسطة والذريعة التي بها ينزل أحكامه وشرائعه لعباده؟ وجواب هذا السئوال أن ذريعة العلم بين الله وبين أنبيائه ورسله هو الوحي والإلهام. والذي يرسله إليهم بطريق ملائكة وبالأخص بواسطة مَلك مقرب اسمه جبرئيل عليه السلام. وهذه الملائكة هم أطهر وأزكى وأفضل مخلوقاته. عندهم صلاحية لأخذ الوحي مباشرة من الله تعالى. فبسبب هذه العلاقة الوطيدة بين الملائكة وبين الوحي والرسالة لزم الإيمان بهم بالتأكيد، كجزء لازم للإيمان بالأنبياء والكتب. فإنهم يقومون بفريضة الرسالة بين الله وبين أنبيائه ورسله. فلايد من وجودهم كمخلوق مربوط معاً بعالمين: عالم اللاهوت وعالم الناسوت. ويستطيعون بسبب نورانيتهم تحمّلَ الأنوار الإلهية والتجليات الربانية، كما يستطيعون الترابط والاتصال بالناس لكونهم مخلوقًا كذلك. ولا خلق سواهم بحيازة هذا الاتصال بالرب تعالى فلزم الإيمان برُسل الله يودون رسالات الله إلى أنبيائه ورسله مع الإيمان بالأنبياء والرسل." (تدبر القرآن:1/423)
ومسؤوليات وتبعات الملائكة التي جاءت في القرآن هي كما يأتي:
1-إجراء حكم الله وقضائه في المخلوقات. قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلآئِکَۃُ وَالرُّوْحُ فِیْہَا بِاِذْنِ رَبِّہِمْ مِّنْ کُلِّ اَمْرٍ.(القدر: 4)
2-وكما ينزل الملائكة بكل أمر يعرجون كذلك إلى ربهم لتقديم الأمور في حضرته. قال جل وعلا:
تَعْرُجُ الْمَلآئِکَۃُ وَالرُّوْحُ اِلَیْہِ فِیْ یَوْمٍ کَانَ مِقْدَارُہٗ خَمْسِیْنَ اَلْفَ سَنَۃٍ.(المعارج: 4)
3-إنزال الوحي إلى الأنبياء والرسل. قال تعالى:
یُنَزِّلُ الْمَلآئِکَۃَ بِالْرُّوْحِ مِنْ اَمْرِہٖ عَلٰی مَنْ یَّشَآءُ مِنْ عِبَادِہٖٓ اَنْ اَنْذِرُوْٓا اَنَّہٗ لَآ اِلٰہَ اِلَّآ اَنَا فَاتَّقُوْنِ. (النحل : 2)
وعلم من القرآن الكريم أن هذا الوحي يأتي به جبرئيل عليه السلام في عامة الأحوال. إنه أفضل الملائكة وأقربهم. له توصل مباشر إلى الله سبحانه لا يحول بينه وبين صاحب العرش أحد. وقد قيل في حقه في القرآن أنه ذو قوة ومطاع أمين ويعني ذلك أنه يحمل كافة الصلاحيات والطاقات التي لابد منها في تحمل مسؤوليته وأداء واجبه. إذن فلا إمكان أن تؤثر عليه طاقة أو روح خبيثة ترعبه أو تبعثه على الخيانة لدرجة ما، أو يصيبه الخلط أو الخطأ في ذاك الوحي. فإن الله قد عصمه من كل نقاط ضعف كهذه فقال جل وعلا:
عَلَّمَہٗ شَدِیْدُ الْقُوٰی، ذُوْ مِرَّۃٍ فَاسْتَوٰی، وَهُوَ بِالْاُفُقِ الْاَعْلٰی، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّٰی، فَکَانَ قَابَ قَوْسَیْنِ اَوْ اَدْنٰی، فَاَوْحٰٓی اِلٰی عَبْدِہٖ مَآ اَوْحٰی. (النجم ۵۳: ۵۔۱۰)
4-الإشراف لعلم الإنسان وعمله والحفظ بتسجيلات الأعمال البشرية. قال تعالى:
وَاِنَّ عَلَیْکُمْ لَحٰفِظِیْنَ، کِرَامًا کَاتِبِیْنَ، یَعْلَمُوْنَ مَا تَفْعَلُوْنَ.(الانفطار ۸۲: ۱۰۔۱۲)
5-يجيؤون بالبشارة أو العذاب. كما قال تعالى:
وَلَقَدْ جَآءَ تْ رُسُلُنَآ اِبْرٰہِیْمَ بِالْبُشْرٰی، قَالُوْا: سَلٰمًا، قَالَ: سَلٰمٌ، فَمَا لَبِثَ اَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِیْذٍ، فَلَمَّا رَآ اَیْدِیَہُمْ لاَ تَصِلُ اِلَیْہِ نَکِرَهُمْ وَاَوْجَسَ مِنْہُمْ خِیْفَۃً، قَالُوْا: لاَ تَخَفْ، اِنَّآ اُرْسِلْنَآ اِلٰی قَوْمِ لُوْطٍ.( هود: 69-70)
وهذه الآية من سورة هود تتضمن أيضًا إمكانية اختيار وجه البشر مع بقائهم منزهين مع ذلك عن حاجات الأكل والشرب وما إليه.
6-الانهماك في تسبيح الرب تعالى وتهليله وتكبيره والاستغفار لمن في الأرض. قال:
وَالْمَلآئکَۃُ یُسَبِّحُوْنَ بِحَمْدِ رَبِّہِمْ وَیَسْتَغْفِرُوْنَ لِمَنْ فِي الْاَرْضِ. اَلَآ، اِنَّ اللّٰہَ هوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِیْمُ. (الشوریٰ: ۵)
7-قبض أرواح الناس. قال تعالى:
قُلْ، یَتَوَفّٰکُمْ مَّلَکُ الْمَوْتِ الَّذِیْ وُکِّلَ بِکُمْ، ثُمَّ اِلٰی رَبِّکُمْ تُرْجَعُوْنَ.(السجدة ۳۲: ۱۱)
8- إنهم رفقاء لأهل الإيمان في الدنيا والآخرة ويبشرونهم بالجنة وقت الموت كما قال: إِنَّ الَّذِیْنَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلَائِکَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِیْ کُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِیَاؤُکُمْ فِیْ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَفِیْ الْآخِرَةِ وَلَکُمْ فِیْهَا مَا تَشْتَهِیْ أَنفُسُکُمْ وَلَکُمْ فِیْهَا مَا تَدَّعُونَ (حم السجدة: 30-31)
9- يكونون شهودًا للحضرة الإلهية في القيامة ويحملون عرشه العظيم:
وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم (الزمر:75) وَالْمَلَکُ عَلَی أَرْجَائِهَا وَیَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّکَ فَوْقَهُمْ یَوْمَئِذٍ ثَمَانِیَةٌ (الحاقة: 17)
10- وإدارة ونسق جهنم أيضًا سوف يفوض إليهم كما جاء:
عَلَیْهَا مَلَائِکَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا یَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَیَفْعَلُونَ مَا یُؤْمَرُونَ (التحريم: 6)
ويُستنبط من إشارات القرآن أن الصورة مثلها تكون في الجنة أيضًا. ثم إن القرآن قد رد على تصورات خاطئة متواجدة عند الناس عن الملائكة رداً بليغاً وأكثر من مرة. مثلاً قال في موضع إن الملائكة ليسوا ببنات الله كما يدعون هؤلاء الحمقاء بل إنهم عباد الله مقربون له، ولكن هذا الإكرام والتقرب ما حصلا لهم لأنهم يحملون عليه من تأثير وفعل أو تدلل وميلان فيستطيعون أن يتصرفوا أو يتدخلوا في أمر من أموره تعالى. حاشاه وكلا، بل إنهم حصلوا ذاك التقرب فقط لأنهم نجحوا في معيارات العبودية لله والحب والوفاء له خالصاً. وفضلًا عن التدخل في أمر من أموره إنهم لا يسبقونه بالقول. بل يتجرأون على مقولة عندما إذن لهم في ذلك. ويجيبون عما يُسألون واقفين عند حدود الأدب لله جل وعلا، ولا يقولون إلا الحق ولا يشفعون إلى لمن ارتضى، ولا يقدمون أي إقدام من عند أنفسهم، بل ينتظرون كل وقت ما سيصدر عن الحضرة الإلهية وهم من خشيته مشفقون. كما قال تعالى في ذلك: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّکْرَمُونَ . لَا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ . یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیْهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا یَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَی وَهُم مِّنْ خَشْیَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَن یَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّیْ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِکَ نَجْزِیْهِ جَهَنَّمَ کَذَلِکَ نَجْزِیْ الظَّالِمِیْنَ (الأنبياء: 26-29)
وقف عند ذلك الأستاذ الإمام فقال:
"ما زال العقل الإنساني- ولا يزال- يتجسس عن الأرواح المتعلقة بعالم غير عالمه أي عالم اللاهوت لدرجة من الحرارة والغليان، أنه إذا لم يحصل في بحثه عن ذلك على شيء صحيح معقول، اندفع إلى أتفه شيء وأخطئه تعثر عليه في بحثه هذا. فإنه كان كاهنو العرب وساحروها يعتقدون الجن والشياطين وهاتف الغيب ذريعةً إلى علاقة بعالم اللاهوت. وكان كهنة الهندوس وبراهمتها والمنجمون عندها يبحثون عن الأسرار الغيبية في حركات الأفلاك. وكان رهبان الصين وعباد منادرها يتوسلون إلى عالم الغيب بواسطة أرواح آبائهم وأجدادهم. وقد نفى القرآن كل ذلك ورده ردًّا مفحمًا وأغلظ القول في هذه الوسائل والوساطات والعلوم الحاصلة منها بأنها كلها إفك وزور وبهتان عند الله، وقد أوضح أيضًا الحقيقة أن هناك فقط ذريعة واحدة لأخذ العلم الإلهي منه، وهم الملائكة الذين ينزلون على الأنبياء ويوصلون إليهم كل ما قد أخذوه عن الله تعالى سبحانه. (تدبر القرآن: 1/424)
